السحسوح الأكبر

 

“السحسحة” في الحياة السياسية والاجتماعية اللبنانية باتت اصلاً ولم تعد ضرراً جانبياً. والمسؤول عن فرضها وجعلها تقليداً هو نظام المخابرات السورية الذي جعل من لبنان حقل تجارب في إدارة المقاطعة الملحقة بنظام دمشق، مورست فيها وعلى سكانها قاطبة مختلف أنواع الضغوط، من أعلاهم مرتبة الى ادناهم في المواطنة.

كانت عنجر مربط خيل (أو… ) السياسة اللبنانية، قبل ان يرث فندق “بوريڤاج ” تقاليدها. وزوار المكانين كانوا من كل الفئات، بينهم المسؤول الخائف على مركزه والسياسي الطامح الى موقع نيابي أو وزاري، والموظف الراغب بالترقي والعسكري المهجوس بالقيادة… وإلى هؤلاء مخاتير ورؤساء بلديات ورجال أعمال وفنانين وفنانات ونسوة من المجتمع المخملي المستجد في زمن “الصاعقة ” و”الفرسان الحمر “. كلهم كانوا يملأون غرف الانتظار ومقاهي المحلة قبل نيل الحظوة بلقاء المغفور لهم ضباط النظام الدمشقي، فيخرجون مطمئنين او مضطربي البال، لكن ثمة جامع مشترك يجمعهم: كل من يخرج سيروي كيف ان من سبقه تلقى بهدلةً “على قد راسو” … وهذا ما سيُعْرَف لاحقاً بالسحسًوح!

السحسحة لم تعنِْ للمُسَحْسَحْ له عقوبة نهائية. قد تكون تأنيباً لطلب المزيد من الإلتزام، او درساً لشخصٍ آخر لم يبلغ في توغله داخل المنظومة مرتبة الرفاقية المُثْلى. وفي كل الأحوال ستكون درباً لا رجعة فيه، وفي مراجعة ذكريات الذين كتبوا عن التجربة مئات الأمثلة الحاسمة.

صارت السحسحة أسلوب حياة للسياسيين اللبنانيين، فمن يتلقى منهم سحسوحاً سيمارسه على الأدنى منه في حزبه وجماعته. وشهدنا خلال الشهور الأخيرة نماذج من الأشخاص الذين يعترضون اليوم ثم يتوبون غداً وقد بدت قناعاتهم الجديدة محفورة على وجوههم. لكن هؤلاء ليسوا مشكلة، فتأثيرهم في الحياة العامة يكاد يكون معدوماً. والمشكلة هي في من اعتاد تلقي السحاسيح من عنجر (ولا يزال) ومثله من يتلقى “النصح” من ورثة عنجر في البلد ولن يتغيَّر. هؤلاء جميعاً يشكلون اليوم غالبية لسلطة حاكمة، وهم “السحسوح” الأكبر الجاثم على رقاب شعب بأكمله.

المصدر:
نداء الوطن

خبر عاجل