كميل شمعون يروي: هذه قصة حياتي

“المسيرة” – أنطوان خويري – من كتاب “كميل شمعون في تاريخ لبنان” – العدد 1708

كميل شمعون يروي:

هذه قصة حياتي

المدرسة والمنفى والجوع والإرادة والحرب والزواج

 

ولد كميل نمر شمعون في 3 نيسان سنة 1900، في بلدة الحدث. وكان والده: نمر شمعون، الرجل اللبناني العتيق، إبن الجبل المتعصّب لربّه ومبادئه الخلقية وعاداته وتقاليده، والموظف المثالي في خدمة الدولة والشعب. ووالدته: أنطوانيت إبراهيم ديب نعمة، المرأة اللبنانية الفاضلة، الحاملة تراث العائلة والمحافظة على الحشمة والوقار، والأم الطاهرة الحنون التي تربّي أولادها على مبادئ الإيمان والأخلاق والشرف والكرامة. وكان كميل هو الولد الثاني في عائلة كلها ذكور (5 أشقاء).

بدأ دروسه في مدرسة الفرير في الحدث، وله من العمر 4 سنوات. وفي العام 1907 إنتقل مع العائلة الى دير القمر، وتابع دراسته في مدرسة مار يوسف للراهبات، كما جاء في حديث له الى إذاعة «صوت لبنان»، فقال: «وأنا في عمر السبع سنوات إنتقلت مع عائلتي من الحدث الى دير القمر، والتحقت بمدرسة القديس يوسف للراهبات. وعرفت هناك راهبتين، الأولى: فرنسية واسمها الأخت أنجيل، والثانية: لبنانية واسمها الأخت مادلين. وكنت أنا من حزب الأخت مادلين. ومنذ ذلك الوقت نشأتُ على الحزبية، وكنت مع بعض الرفاق نهتف ونغنّي:

«يا وْلادي هِفّو هِفّو

تحت البيرق وِصْطَفّو

نحنا وْلاد» السير» مادلين

وِلّي بْيحكي مِنْسفّو».

ثم في السنة التالية 1908، دخل مدرسة صغيرة في دير القمر تابعة للفرير، وكانت في بيت تاريخي يعود الى الأمير فخر الدين، وبعد سنة إنتقلت هذه المدرسة الى دار مطران الطائفة الكاثوليكية، حيث كان المكان واسعًا والتلاميذ أكثر عددًا.

وفي التاسعة من عمره، إنتقل مع شقيقه الأكبر الى بيروت، ودخل مدرسة الفرير في محلّة الجميزة.

ويروي الرئيس شمعون في حديث خاص الى الأستاذ إيلي صليبي، بثته إذاعة «صوت لبنان» على حلقات بعنوان «قصة حياتي» هذه الوقائع الطريفة عن مرحلة طفولته، فيقول: «.. كانت الحياة سعيدة جدًا في بلدتي دير القمر كما في كل لبنان، وكانت حياتي في مرحلة الطفولة طبيعية جدًا. وكان في آخر البلدة صخر مالس نقضي مع رفاق لي الساعات الطويلة في «الزحليطة» على ذلك الصخر، فتارة أمزّق «بنطلوني» الجديد، وتارة أعود بدونه، فتكون «القتلة حرزانة». كما كان عند جيراننا شجرة «كبوش توت» نتسلّقها ونُوسِّخ ثيابنا، ثم نعود الى البيت فنأكل قتلة ليست أطيب بالطبع، من طعم ذلك الكبوش.

وعلى كل حال، فالتربية البيتية كان لها تأثير كبير على حياتي، ولا سيما حنوّ الأمّ ومحبتها الزائدة، بالرغم من عدم تسامحها أحياناً عند أية هفوة أو تصرّف غير لائق. وكان الأب هكذا أيضًا قاسيًا جدًا في تربيته، بالرغم من عاطفته العميقة، وكان دائمًا يريد منّا أخلاقاً وتهذيبًا.

وكان والدي يحب الناس كثيرًا، ولا يهتمّ بالمال، بل يردّد دائمًا: «لا تتكلوا على الثروة، إتكالكم على الثروة يُفقدكم الرجولة»، ولذلك إهتمّ كثيرًا بثقافتنا. وكان يوصينا دائمًا بالوفاء لأصدقائنا ويقول: «للشاب ثروتان: العلم والأخلاق، والوفاء للأصدقاء»، وهذا ما ساعدني كثيرًا في حياتي السياسية.

وكنت في المدرسة تلميذاً عاديًا، ولم أكن أبدًا بنابغة، وكنت أرفض الإعتداء على أحد، واحتجّ على تصرّف بعض الأساتذة. أحبّ الإنضباط والذهاب يوميًا الى المدرسة. ولا أذكر أنني تأخرت يومًا واحدًا عنها، حتى في أيام الشتاء والثلوج. ويوم كنت طفلاً في دير القمر، كنت كبقية رفاقي أحمل «منقل النار» معي الى المدرسة (وكان مسموحًا بذلك) لأدفئ رجليّ من البرد.

وأنا في السادسة من عمري، بدأت أمارس رياضة الصيد بفضل والدي الذي كان يحبّ هواية الصيد كثيرًا لأنها رياضة مهمة. وكان يعتبر تعلّق الشاب بالرياضة والإتجاه إليها تُجنّبه الجلوس في المقاهي والملاهي ولعب الورق… وأول مرة رافقت والدي في رحلة صيد كانت في أيام الربيع، وعندما وصلنا الى الغابة، وضع حجرًا صغيرًا فوق صخر كعلامة، وراح يُدرّبني على التصويب، وقد أصبت العلامة يومها مرة واحدة وعشقت الصيد منذ ذلك الحين.

وفي سنّي السابعة إصطدت أول عصفور (وهو عصفور خوري) فكدت أطير من الفرح، وحملته راكضًا الى البيت، فصدمت رأسي بجذع شجرة توت، وجُرحت وسال الدم بغزارة، وظلّ ذلك الجرح في جبيني مدة طويلة. وأذكر أنني يوم بلغت الحادية والعشرين من عمري، إتفقت مع شلّة من أصدقائي على إقامة مباراة صيد، ووضعنا شرطاً مهمًا، وهو أن من يتصيّد أكثر عدد من الطرائد، يُمنح لقب «شيخ الصيّادي». وذهبنا الى محلّة ضهور عينبال قرب بلدة غريفة في الشوف، واصطدت يومها تسعة طيور (حجال)، فمُنحت لقب «شيخ الصيّادين» بورقة مطبوعة.

إستمريت في تحصيل دروسي حتى العام 1914 حين وقعت الحرب العالمية الأولى، فأُقفلت كل المدارس. وكنت قد التحقت قبلاً بمدرسة الرهبان الأنطونيين في بعبدا، وكان أستاذي في اللغة الفرنسية فرج الله معوّض، وفي العربية الشاعر وديع عقل. وكان من رفاقي: جورج حلو من بعبدا، وفيكتور خوري (السفير فيما بعد)، وروجيه الشدياق، وأمين تقي الدين وأشقاؤه، ويوسف إبراهيم يزبك…

 

شمعون في المنفى

«في العام 1916، وكان والدي رئيس ديوان المحاسبة في مالية جبل لبنان، إستُدعي الى الديوان العُرفي في عاليه بتهمة تأييده السياسة الفرنسية، وأُبلغ قرار نفيه وعائلته الى الأناضول. فركبنا قطار سكة الحديد الذاهب الى حلب، ومنها الى أنقرة، وهناك أمضينا شهرين، ومنها الى تركيا حيث أمضينا ثلاث سنوات مع بعض المنفيّين…

وكان والدي قبلاً، وبسبب تعاطيه السياسة، سُجن في الديوان العُرفي في عاليه، لأن السلطات التركية ـ وكانت قد بدأت تراقب الرسائل ـ وقعت على رسالة موجّهة إليه، من صديق له كان في مرسيليا واسمه نجيب حبيقة يقول فيها: «بلغنا أن الدولة العليّة ستدخل الحرب ضد الحلفاء، فإذا ـ لا سمح الله ـ دخلت الحرب فستكون نهايتها». وبعد التحقيق أُطلق سراح الوالد لأنه لم يكن مسؤولاً عن تلك الرسالة.

ونُفي والدي أيضًا لأسباب سياسية مع الشاعر الكبير رشيد نخله الى القدس. وصدف بعدها أن قام جمال باشا بزيارة الى دير القمر، فجاء من يُعدّ لي طلب عفو عن والدي لأقدمه الى الباشا، بعدما لقّنوني أصول مخاطبته والسلام عليه وكيف يجب أن أتقدم منه خطوة الى خطوتين وأحني رأسي له مرتين، فقمت بهذا العمل، ولكنني لا أذكر إذا كنت قد حنيت رأسي يومها، إنما المهمّ أنه عفا عن والدي، وحظيت برؤية جمال باشا مرة في حياتي، وهو كان قصير القامة والشراسة بادية في عينيه وفي كل هيئته الخارجية، ويتكلم بعض الفرنسية…

وفي المنفى في برّ الأناضول أكملت دروسي على نفسي، وكنت أذهب الى السوق يوميًا لأشتري حاجات البيت، من معاش كان يُدفع لوالدي، ثم أعود لأقطع الحطب للتدفئة. وتعلّمت شيئاً من اللغة التركية. وأثناء وجودي في المنفى عرفت للمرة الأولى معنى الحبّ، إذ أحببت فتاة تركية جميلة جدًا كانت في السابعة عشرة من عمرها».

 

من المنفى الى الصحافة والسياسة

«في العام 1919، عدت والعائلة من المنفى، وأقمنا في الحدث. وبعدها رحت أبحث عن عمل. فشغلت أولاً وظيفة كاتب في دار الكتب الوطنية، ثم نتيجة دروسي الشخصية، وكنت قد وصلت الى مستوى البكالوريا، قدمت إمتحاناً في كلية الحقوق التابعة للجامعة اليسوعية في بيروت، ونجحت وبدأت بتحصيل الحقوق. وبعدها انتقلت الى عمل جديد في «إدارة الديون العمومية» ككاتب، بمعاش شهري قدره خمس ليرات مصرية. وكان والدي يريدني أن أبقى في الوظيفة، ولكنني أصررت على تركها ومتابعة دراسة الحقوق، فوقع خلاف ما بيني وبين والدي وتركت البيت وأقمت مع أخي في بيروت، وكان ما يزال في جيبي بعض القروش… ولما فرغ جيبي، طويتُ اليوم الأول بدون طعام، ولما سألني أخي، كالعادة، هل أكلت؟ قلت له: نعم. وطويت اليوم الثاني على الجوع أيضًا. وفي اليوم الثالث أحسستُ فعلاً بشدة الجوع، فمشيت باتجاه محلّة باب ادريس، هائمًا على وجهي، لا أعرف ماذا أفعل. وصدفة إلتقيت والدي هناك، فأسرع يُمسك بي وسألني: أين تسكن؟ ومن أين تصرف؟ فقلت له: ماشي الحال. وسألني: أين تسكن؟ ومن أين تصرف؟ فأجبته: الله بِيسِّر. فلاحظ فورًا أن شكلي غير طبيعي وأن شيئاً ما ينقصني، وأحسست بيده تمتد الى جيبي من دون أي كلام. ثم التفت إليّ قائلاً: أنا ناطرك بكاراج دير القمر، لاقيني بعد ساعتين. ومشى. مددت يدي الى جيبي فوجدت خمس ليرات مصرية، وكان قد مضى عليّ شهران لم أرَ مثل هذا المبلغ. وللحقيقة أنه كان لي في كل ذلك تجربة ناجحة، لأنني منذ ذلك الحين شعرت بالمسؤولية وبدأت أتكل على نفسي، وأتحكّم بالظروف ولا أترك الظروف تتحكّم بي، واجتهدت أن تكون عندي إرادة من حديد للسيطرة على كل صعوبات الحياة.

وفي العام 1924، وكنت قد أنهيت دراسة الحقوق، طُلب إليّ تحرير جريدة «الريفاي» مع شارل عمون وفيليب نقاش، في أيام صعبة وظروف سياسية حرجة، وذلك في عهد المفوّض الفرنسي اليساري «سراي»، والذي أتى بحاكم يساري أيضًا هو «كيلا»، وكنا في عراك دائم مع الإثنين. وعندما كانت تتأزم الأمور كنا نأتي بصحيفة من الخارج فنقصّ بعض المقالات و»نُروتشها» ونطبعها باسم «الريفاي»، ومنذ ذلك الحين أطلقت إسم رئيس التحرير على المقصّ.

وإنّ ما جعلني أتعاطى السياسة، هو إستنكاري الشديد للمذابح التي وقعت في بلدة القليعة وإبل السقي وعين إبل، جنوبي لبنان، من قبل سلطات دمشق ـ وكأن التاريخ يُعيد نفسه ـ وكانت سلطة دمشق تريد إخضاع لبنان لسياستها العربية، فنظمت المذابح، بالرغم من تدخل السلطات الفرنسية لإيقافها، ونكّلت بالآمنين وأحرقت منازلهم، وما تزال حتى اليوم في منطقة الزهراني بيوت محروقة ومدمّرة. كما حصلت مذابح في الشوف ما بين الدروز والمسيحيين بتحريض من دمشق، الى أن جاء المفوّض السامي الفرنسي الجنرال ويغان، ووضع حدًا لهذه المجازر والأحداث الدامية في العام 1923.

وما زلت أذكر الحالة الصعبة والخطيرة التي عاشها الناس في تلك الفترة الأليمة، بحيث لم يكن يتجرأ أحد على الخروج من منزله، لأن الدروز كانوا يرابطون في كل الطرق. وللشاعر رشيد نخله قصيدة شهيرة في هذا المجال، إذ يقول:

«عينك يا بو سعدى تجي وتشوف            هانو عرينك في بلاد الشوف

الدبح قايمْ  والشقا دايمْ

والرقيب نايمْ والبومْ من فوق الوطن حايمْ

وصرخات وَين الكانْ                يحمي الحِمى وَحْدو

ويشجّع الفزعانْ                     وبإسمو الجميع يِحْدو

رهبان مع عقّال                    عَ الخير يِتحدو

قُمْ يا جبل لبنان                   وِجّك على لَحدو

وقلّو وحقّ الهيَّبْ مْقامَك

يا طَيْف بو سعدى عَلينا تطوفْ

وقلّو وحقّ الهيَّب مْقامَك

نِمشي ويمشي العزّ قدّامَك

ويا ألف رزق الله عَ إيّامَك

أيام رغد وخَيرْ           يا ليتها بْتِنعادْ

شو همّنا من الغَيرْ      لو نكون جماعَهْ جْوادْ

الخَلْوة لِنا والدير        وبلادنا عَ حْيادْ

حتى ان طار الطير    من فوقها ينصادْ

لكن زمان العزّ ولّى وراحْ

عينك يا بو سعدى تجي وتشوف».

وقد رويت كل هذا، لتقف الأجيال الطالعة على حقيقة ما تعرّض له اللبنانيون طوال تاريخهم من مآسٍ وويلات، وكيف استطاعوا بصمودهم أن يُنقذوا لبنان، ويستمروا في بنائه وإنمائه.

بدأت تدرّجي بالمحاماة في مكتب الأستاذ إميل إده، وتعرّفت الى المحامين الذين كانوا يتعاطون السياسة، وفي طليعتهم الأستاذ يوسف السودا، ذلك المحامي الكبير واللامع في قانون الجزاء.

وما زلت أذكر تلك المرافعة التاريخية ليوسف السودا، عندما وقف يُدافع عن رجل أمن لبناني برتبة «جاويش» متهم بجريمة قتل، وبعض الدروز يطالبون برأس المتهم، وبعض المسيحيين يساندونه ويطالبون ببراءته، وكانت المحاكم يومها ما تزال في يد الفرنسيين ومعظم القضاة منهم، مما أعطى تلك المرافعة الكثير من الأهمية، ودعا كبار المحامين الى حضورها للإستماع الى السودا. وبعد أن أنهى مرافعته البليغة والمسنَدَة الى القانون والحجج والبراهين، ختمها بهذين البيتين من الشعر مخاطبًا رئيس المحكمة:

«هو من سيوفِك ليس يقطع مُغمدًا

وإذا استُقلَّ فَقاطِعٌ مسلولُ»

دَعْهُ على عهدِ الوفاءِ ورَاعهِ

واستبقِهِ إنّ السيوفَ قليلُ».

وصدر الحكم ببراءة الجاويش. ومنذ ذلك الوقت تولّعت بحبّ وتقدير يوسف السودا وبعض زملائي، وتكوكبنا حوله، الى أن دخل اللجنة الإدارية التي حلّت مكان مجلس الإدارة، والتي رأسها في أول دورة داود عمّون، الخصم اللدود لحبيب باشا السعد منافسه على الرئاسة.

واشتهرت يومها تلك «القرّادية» في دير القمر:

«ما مْنعرِف شو راح بْيصيرْ

وشو آخِرة هالبْرازْ

بين داود وبين حبيبْ

وبين «الدير» و»عين ترازْ»

يا خيّي كِلّو بْيصيرْ

وصِرنا برّات هالبْرازْ

غْلِبْنا خَيّي حبيبْ

وحْرِقْنا دِينْ «عين ترازْ»

وفي السنة التي تلت فاز حبيب باشا السعد وخسر داود عمّون، فتغيّر البيت الأخير من «القرّادية» وصار هكذا:

«غَلَبنا خَيّي حبيبْ   وحِرقتْ دِينا «عين ترازْ».

وبعد تعرّفي بيوسف السودا، تعرّفت الى الشيخ يوسف الخازن الصحافي القدير، وتولّعت به كما تولّعت بالسودا. وكان الخازن يُحرّر في جريدة «الأرز»، وأذكر له مقالاً لاذعًا كتبه ضد حبيب باشا السعد، يوم مُنح وسامًا فرنسيًا، فكتب يقول:

«وقد تسلّم حبيب باشا السعد شرف الوسام من الحاكم المحلّى صدره بنياشين الإستعمار، كما تسلّم الحاكمية من الفاتح الذي دخل علينا بالرمح والعقال. وقد حلف اليمين للولاء هذا كما حلفه لذاك، وسيبرّ بهذه كما برّ بتلك، ولكل امرئ من دهره ما تعوَّد».

وكان يقصد بذلك، أنه لما دخل الحلفاء دمشق، كان أول من وصلها الجيش العربي الذي عيّن حبيب باشا السعد حاكمًا على لبنان، لذلك قال: (كما تسلّم الحاكمية من الفاتح العربي الذي دخل علينا بالرمح والعقال).

وأعترف هنا، بأن سبب تعاطفي وتأييدي للشيخ يوسف الخازن ضد حبيب باشا السعد، كان وليد محبة وتقدير، وسبب تعاطفي وتأييدي لداود عمّون ضد السعد كان هكذا أيضًا، لأن عمّون إبن بلدتي دير القمر.

 

رأس سلحفاة.. فعناق فزواج

«سنة 1927 كنت في رحلة الى نبع الباروك، وبالصدفة لفتتني هناك رؤية فتاة رائعة الجمال، وعلى جانب كبير من الهدوء والرصانة والإتزان، فهفا قلبي إليها، من دون أن أحدثها إلا بلغة العيون.. وبعد سنتين تقريبًا، كنت مدعوًا الى حفلة عائلية راقصة في برمانا، وبالصدفة أيضًا إلتقيت تلك الفتاة، فتعرّفت إليها، فإذا هي زلفا نقولا تابت. رقصنا معًا، ولما كنت لا أجيد الرقص، فقد دست على رجليها أكثر من مرة.

وبعد ذلك إزداد تعارفنا وبدأنا نمارس معًا رياضة السباحة، ونحن نفكر بالمستقبل… وذات يوم وكنا قد إبتعدنا قليلاً في السباحة عن الشاطئ، برز أمامنا فجأة رأس سلحفاة كبير، فدبّ الخوف في قلبينا، وبعفوية ظاهرة تماسكنا بشدة وتعانقنا بقوة، ومنذ تلك اللحظة تحوّل العناق الى عاطفة زادت خفقات أخرى على خفقات الخوف في قلبينا، فكانت خفقات المحبة التي لم تهدأ إلا بعد أربعة أشهر عندما أعلنا زواجنا في 30 كانون الأول سنة 1930، وكان ذلك بداية مهمة في إستقرار حياتي العائلية.

إمتازت زوجتي السيدة زلفا تابت شمعون، بمتانة الأخلاق وبالمحافظة على القيم، وبالمحبة والتضحية الى حدّ إنكار الذات. عشت معها مدة أربعين سنة في سعادة لا توصف. فهي لم تفكر يومًا بذاتها، بل كان كل همّها أن توفّر الهناء والسعادة لزوجها وأولادها وأحفادها، بقدر ما تعمل على توفير المساعدة لكل فقير ومحتاج.

وهي لم تبخل بدقيقة واحدة في حياتها على عمل الخير، ولا سيما في التفكير بالبكم والصمّ وتأمين كل ما يحتاجونه من وسائل وخدمات. كما اهتمت برعاية الموسيقيين والنحّاتين والرسّامين وبقية الفنانين الذين يعيشون لفنّهم ولا يمكنهم تأمين مدخول يكفيهم في حياتهم، فساعدت هؤلاء كثيرًا، ومنهم من أرسلتهم الى الخارج للتخصّص وزيادة المعلومات والإنتاج. وهي التي كانت وراء فكرة مهرجانات بعلبك وإحياء التراث اللبناني (الفولكلور)، وكانت تتنقّل من قرية الى قرية للدرس والإطلاع على التقاليد والعادات، ومن خلال هذه التنقّلات عرفت مدى الفقر والعوز وتشرّد الأولاد في بعض القرى اللبنانية النائية، وبدأت تعمل على تأسيس مدرسة للعميان من بعض أموالنا الخاصة ومن المساعدات التي كانت تأتي لمثل هذا المشروع الإنساني. وأذكر أننا في أثناء زيارتنا للبرازيل والأرجنتين والأورغواي قد رفضنا كل الهدايا، وطلبنا إستبدالها بتبرّعات مالية بلغت قيمتها 450 ألف ليرة لبنانية، تم توزيع بعضها على منظمة الصليب الأحمر، والبعض الآخر أنشأت به السيدة زلفا مدرسة للعميان، من دون تكليف الدولة ليرة واحدة، وظلّت تهتم بمدرسة العميان حتى أوصلتها الى مستوى البكالوريا، وأمّنت العمل لكل من يتخرّج منها، كما اشترت بما تبقّى لديها من أموال تبرّعات آلات جراحية لازمة لمستشفى بعبدا الحكومي، وذلك في سنة 1956.

وكانت زلفا تكره السياسة، وتضطر الى مواجهة كل الأمور بشجاعة. وتحمّلت منّي الكثير. ففي سنة 1958 مثلاً لم تضعف لحظة أمام الهجمات الشرسة التي كنا نتعرّض لها، وعلى الرغم من الرصاص المنهمر علينا في القصر، فقد ظلّت رابطة الجأش أمام الجميع. وفي سنة 1968 عندما أطلق عليّ شاب طرابلسي النار وأصبت في فكّي، أسرعت زلفا الى المستشفى تقف الى جانبي، شاكرة العناية الإلهية على نجاتي، ولمّا إطمأنت من الأطباء على أن حالتي لا تدعو أبدًا الى القلق، طلبت إليّ أن أسمح لها بالذهاب الى بيت حزب الوطنيين الأحرار، لأن هناك واجبًا عليها أن تقوم به. فسألتها وما هو هذا الواجب؟ قالت: إن شبابك قد أمسكوا بالمعتدي، وإذا لم أُسرع الى إنقاذه من بين أيديهم فهم قد يقتلونه. وأسرعتْ فعلاً الى بيت الحزب في الأشرفية حيث كان الشباب يضربون ذلك الشاب الذي حاول اغتيالي، ويحاولون رميه من النافذة الى الشارع لقتله، فوصلت إليهم وخلّصته من بين أيديهم وسلّمته الى العدالة.

وللحقيقة أيضًا أقول: إنني لم أكن وفيًا لها على قدر وفائها لي… وهي كانت دائمًا تسامحني بعدما تعاقبني بلطف وتضحك منّي. وما أزال حتى اليوم نادمًا بشدة، كوني لم أفها حقّها. ولمّا اشتدت عليها وطأة مرض السرطان وهي في أحد مستشفيات لندن، أوصتني بتسليم جسدها بعد موتها الى الأطباء للإستفادة من المزيد في فحص مرضها وتشخيصه، بحثاً عن دواء له خدمة للعلم والإنسانية، ثم حرق جسدها وذرّ رماده في الهواء. ولكنني خالفت هاتين الوصيتين، أولاً: لأن مرض السرطان بحاجة الى أكثر من فحص جثة والى المزيد من التقدم العلمي، وثانيًا: إن حرق الجسد في بلادنا عادة غير مألوفة ولمّا يُحرق يُصبح في العدم، وأردت أن يبقى ككل الأجساد كي يتسنّى لي ولأولادي وأحفادي زيارته كل سنة للذكرى. وهكذا تكون زلفا الإنسانة ظلّت حتى آخر لحظة من حياتها تفكر لا بنفسها بل بخدمة الإنسانية. وإنني أتذكّرها دائمًا بقول فرنسي مأثور: En te perdant, je sens que je t’aimais ـ بفقدك أشعر أنني أحببتك)، وقد حرّفت أنا هذا المثل فقلت: (بفقدك كم أشعر بواجب محبتك ـ En te perdant, combien j’ai du t’aimer).

الإقتداء.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل