إدمون رزق: هكذا بدأ الحلف الثلاثي

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1708

إدمون رزق: هكذا بدأ الحلف الثلاثي

دخل شمعون والجميل معاً وحصلت هيصة كبيرة

 

يتذكر إدمون رزق محطات من العلاقة مع الرئيس كميل شمعون. معرفته به لم تكن عابرة. فقد كانت بين الإثنين علاقة وطيدة إستمرت لسنوات. أهم ما يكشفه رزق عن شمعون أنه اكتشف فيه رجلاً بكل ما للكلمة من معنى، ورئيسًا بقي نظيفاً، وسياسيًا لم تلوّثه السياسة، وزعيمًا لم يجمع ثروة، وقائدًا يعرف كيف تكون القيادة قريبة من هواجس الناس وهمومهم وقضاياهم.

إدمون رزق اليوم بعمر كميل شمعون قبل أن يتوقف قلبه عن الخفقان. في مكتبه الحالي في الأشرفية يستعيد بعض الذكريات مع الرئيس الراحل الذي عرفه في بداية الستينات عندما كلّفه ملف قضية قتل بين عائلتي البستاني وأبو عبدو في دير القمر. تلك القضية التي أرادت أن تجعل منها سلطة المكتب الثاني ملفاً تطال من خلاله الرئيس من خلال إتهامه بالتحريض على القتل. منذ تلك الأيام كان يتم تركيب الملفات، وكانت تحصل عملية حصار كميل شمعون وتُشنّ عليه حرب إلغاء حتى ينبت العشب على طريق قصر السعديات. ولكن كميل شمعون كان دائمًا ذلك الساحر الذي يقلب السحر على من يحاول أن يوقعه في الأسر. في ذلك المكتب في الأشرفية كان إدمون رزق يلعب الدور البارز في جمع كميل شمعون وبيار الجميل تأسيسًا للحلف الثلاثي الذي سيلعب دورًا رئيسيًا في انتخابات 1968 النيابية ويبدّل إتجاه الأحداث في لبنان.

 

عن تلك المحطات ماذا يتذكر ويروي إدمون رزق؟

كان ميشال البستاني وشقيقه فيليب البستاني محسوبين على كمال جنبلاط ضد كميل شمعون. بيت أبو عبدو كانوا مع كميل شمعون، بيتهم في أول دير القمر عاليمين. كان شحادة أبو عبدو بالدكان. بيفوت ميشال البستاني. شحادة كان شاري نص وقية راحة عم يتعشى. بيتطلّع ميشال فيه وبيقلّو: وليه! ليش ما بتمسّي؟ رد شحادة: أنا قاعد هون وإنت جيت ومفروض إنت تمسّي. بيشيل الفرد وبيقوصو. بيقتلو وبيهرب. بيروح لعند كمال جنبلاط. بأول عهد فؤاد شهاب كان كميل شمعون عم يتعرض للحصار والملاحقة. بيبطلوا بيت البستاني يجوا على دير القمر. بيوم من الإيام بيجي فيليب البستاني، بيعرفوا فيه بيت أبو عبدو. بيجي خيو لشحادة، جريس أبو عبدو بيقوصو. بيقتلو (حصلت الجريمة في 24/12/1960 وأُحيلت على المجلس العدلي في 21/1/1961، وأُحيلت معها القضايا المرتبطة بها والمتفرّعة عنها وجميع الأشخاص الذين اشتركوا أو تدخلوا بأي صفة كانت). بيلاقوها فرصة مناسبة ليلاحقوا كميل شمعون لأنو هودي بيخصّو كميل شمعون. بيتشكوا إنو بيت أبو عبدو كلهم شاركوا بالقتل. الأب والخالة زوجة الأب والأخ سليمان مقطوشة إيدو. بيجيبوا ستة من بيت أبو عبدو بيوقفوهم وبدهم يثبتوا إنهم نزلوا لعند كميل شمعون عالسعديات وجابوا سلاح من عندو وحرّضوا بعضهم وقتلوه لحتى تصير القصة إنو كميل شمعون سلّحهم وقال لهم روحوا اقتلوه. بيحطوا ستة بالحبس.

بيجي لعندي الرئيس شمعون بيقلّي في هالملف هيدا بدي إنت تهتم فيه. عملولي وكالة. كنت لا أزال متدرّجًا في مكتب شفيق ناصيف، خالي، الذي كان نائب بيروت عن الأقليات، لأنه كلدان كاثوليك. أرسلهم الرئيس شمعون لعندي الى المكتب ونظموا لي وكالة للدفاع عنهم. لقد إئتمنني على القضية بعدما حوّلوها الى المجلس العدلي واعتبروها مؤامرة أمنية على الوطن. هرب الزلمي من الحبس وجابوا كل العيلة ونكّلوا بهم واتهموهم بالتحريض. كان وكلاء الطرف الآخر بهيج تقي الدين ورينيه معوض وعبد العزيز شهاب. حكموا على الزلمي بالإعدام غيابيًا. وبعدما اعتقلوه عاد وهرب ثم قُتل لاحقاً بالقصف. حصل ذلك في مرحلة 1959 ـ 1960.

عام 1964 صار عندي مكتب في فرن الشباك. كان الرئيس شمعون كل ما حصلت عنده مشكل قضائي يكلّفني فيه. بعدما سقط في الانتخابات في تلك السنة صار يأتي كل يوم صباحًا الى مكتبي ويبقى حتى الظهر. كان المكتب واسعًا. أخليت له غرفتي الخاصة وانتقلت الى غرفة ثانية، وكان يُجري إتصالاته ويعطي مواعيده من المكتب. إختبرته في هذه الفترة. رجال ما معو مصاري. كنا نسافر أحياناً معًا. من أجل المصروف وتيكيت الطيارة يتلفن أحياناً للشيخ بطرس الخوري أو لأحد أصحاب البنوك ويتديّن المبلغ المطلوب. عشرة آلاف ليرة. 15 ألفاً… إختبرت أخلاقيته. كان يفكر في ذلك الوقت بأن يبيع قصر السعديات ليؤمن مبلغاً من المال. لم يكن عنده مصدر للتمويل. كان أهل زوجة إبنه دوري لديهم شركة لتصنيع الحديد المجدول. بعدما كان يخرج من مكتبي كان ينتقل لعندهم أحياناً ليمضي بعض الوقت قبل أن يعود الى السعديات.

أول شيء أجزم ما كان معو مصاري. ومات وما معو مصاري. كل الأخبار التي تناولته في هذا المجال كانت مدسوسة ومغلوطة ولتشويه سمعته. ممتلكات عينية ما كان عندو. خلال هذه المرحلة إكتسبت منه خبرة ومعرفة. كان رجلاً نظيفاً. لبناني صميم. مواقفه مبدئية. فتى العروبة الأغر صحيح. ولكن إنطلاقا من لبنان.

خلال تلك المرحلة حتى 1968 كل لوائح الحلف الثلاثي تألفت عندي في المكتب.

منذ سنة 1965 عندما كانت تجري إحتفالات حزب الكتائب في سينما روكسي في ذكرى تأسيس الحزب، كنت ألقي كلمة الحزب. سنة 1966 قلت للرئيس شمعون: بدك تجي عالمهرجان. قال لي: ما رح إجي. بيودولي كرت دعوة لرفع العتب. مش هيك بنعزم أنا. قلت له: أنا بدي إحكي وبتمنى عليك تجي. قال: هيك بدك؟ قلت: نعم.

هنا في هذا المكتب (الأشرفية) كان منزلي قبل أن يصير مكتبي. قلت له: بدّي إجمعك إنت وبيار الجميل. قال: طيب. بس جماعتك غاطسين بالشهابية. قلت له: طيب. بدنا نعمل نقطة إلتقاء. وافق. عرضت الأمر على الشيخ بيار الجميل. قال لي: إدمون. ما معي رقمو. قلت له: أي رقم؟ طلبت الرئيس شمعون على الهاتف. قلت له: فخامة الرئيس تحياتي. الشيخ بيار حدّي وبدّو يصبحك. قال لي: عملتها؟ قلت له: عملتها. تكلما مع بعضهما. في نهاية المكالمة قال له الشيخ بيار: منتركها على إدمون. قاصدًا تحديد مكان وزمان اللقاء. وافق الرئيس شمعون. كان يوم الإثنين. لم أترك المسألة تمر. فورًا قلت: يوم الأربعاء تلتقيان عندي على العشاء. وضعتهما أمام الأمر الواقع. حضرا على الموعد. أحضر الرئيس شمعون لي معه رشاشاً ملفوفاً بجريدة. «هيسك فيرنا». روماني. أهداه إياه وزير دفاع رومانيا. تعشوا عندي هون. جبنا عشا من عند دورا. كنا مجوزين جديد وعندي أمين وبهجت.

كنا اتفقنا على طريقة وصوله للمشاركة في إحتفال عيد الكتائب. يصل في الوقت نفسه مع الشيخ بيار ويلتقيان ويترافقان في الدخول الى الإحتفال أمام سينما روكسي. هذا ما حصل. دخلا معًا وحصلت هيصة كبيرة في الشارع المسيحي وداخل القاعة. إتفقنا أيضًا أن نمشي مع الشيخ بيار بعد الإحتفال الى بيت الكتائب في الصيفي. كنا نخرج من سينما روكسي ونتوجه سيرًا نحو الجميزة وصولاً الى العكاوي ونعود الى الصيفي. وذلك حتى تتكاثر الحشود الشعبية التي تنضم الى الموكب. لحقونا الناس. بيار الجميل وكميل شمعون معًا. تكرّس وقتها التحالف. أتى إدوار حنين وكاظم الخليل لاستكمال الحلف مع ريمون إده. هذه الصورة على درج بيت الكتائب. هذا كاظم الخليل وهيدا ميشال ساسين وهيدا أنا. كنت أزغر واحد بالمكتب السياسي وما كنت صرت نايب بعد. ترشحت سنة 1968 بعدها بسنتين. أنا عملت اللائحة بجزين على مسؤوليتي الشخصية. كان هناك قطبان في جزين مارون كنعان وجان عزيز متفقين مع بضعهما. ما كان في مطرح إلي. كانوا مع فؤاد شهاب والمكتب التاني معهم. أنا تحاربت كتير. كان المكتب التاني مع الكتائب وين ما كان إلا بجزين. ما اعتبروني كتائب. اعتبروني عنصر جمع بالحلف الثلاثي.

كانت هناك رغبة في خلق قوة تواجه ممارسات المكتب الثاني، وكان حزب الكتائب في حضن المكتب الثاني. وكان جورج عميرة يتولى مهمة التنسيق كضابط إرتباط. عبدو صعب صهر جورج حيمري. يجيبوا رخص سلاح. كنا ضد هذا التوجّه. كنت أكتب ما أريده في «حصاد الأيام» في جريدة «العمل».

كميل شمعون وبيار الجميل وريمون إده عملوا الحدث المنتظر شعبيًا. كانت هناك حساسية رهيبة بين ريمون إده وبيار الجميل. إده يكره الشيخ بيار والشيخ بيار ناقم عليه. كانت هناك عدائية بينهما. كنت أرد على ريمون إده في «حصاد الأيام» وعلى كمال جنبلاط.

كميل شمعون كان عنده مكانته في الدول العربية. عندما ذهب الى مصر قبل جمال عبد الناصر، قال له محمد نجيب إنت رئيسنا. إنت رئيس العرب. كان فتى العروبة الأغر. كان جريئاً وشجاعًا ومقدامًا. صريحًا لا يساوم. إنصدم من تصرّف فؤاد شهاب والشهابية لأنهم استهدفوه شخصيًا. قال لي غابي لحود بالفرنسية: Le president chamoun a alu un domicile chez vous. عمل مقام مختار عندك. نحنا كيف بدنا نتساهل معك.

حاربوني للموت سنة 1968 ونجحت بالقوة. قال لي أيضا غابي لحود: نحنا اعتبرنا إذا جابوا الكتائب 8 نواب بيكونوا إلنا. إذا 9 بيكونوا ضدنا. وبالفعل قلبتهم كلهم. إنتو كتائب أو مش كتائب؟ قبل الانتخابات قدمت إستقالتي من الحزب. عملت مكتوب للشيخ بيار قلت له إن الحزب لم يعد يمثل بالنسبة إليّ القيم التي على أساسها إنتسبت إليه، ولكنني سأظل أعتبر أنك رئيسي. كان على علاقة جيدة مع والدي منذ 1936 وقد ساعده والدي في انطلاقة جريدة «العمل» وكتب إفتتاحياتها.

كميل شمعون كان يجسد بحق القضية اللبنانية المتصالحة عربيا، ولكن الصامدة بوجه المشاريع التوسعية. عايشته وعرفته.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل