مجرم الشام الى العدالة

والدنيا في لبنان مقلوبة رأساً على انهيارات متتالية، في الاقتصاد والسياسة والاخلاق، ووباء مجنون مستفحل يفتك من دون وعي بصحة اللبنانيين، تخترق “القوات اللبنانية” وقع الموت السريري لمنظومة الدولة اللبنانية، وتحرّك أقسى الملفات الانسانية على الاطلاق، ملف الاسرى اللبنانيين في اقبية مجرم العصر بشار الاسد.

الملف الجرح النازف في قلب قلب لبنان على مدى نحو أربعين عاماً، ولم تتجرأ أي حكومة ولا أي رئيس جمهورية على المطالبة الفعلية به والاعتراف بهؤلاء الاسرى. و”هؤلاء” صاروا أرقاماً منسية من دون أسماء، صاروا وجوهاً بلا ملامح ولا عناوين، صاروا مخلوقات من دون هوية ولا حضور ولا وجود انساني، في مفكرة دولة عميلة محتلة متراخية خائنة لارضها وشعبها وقيمها. صاروا اللاشيء في أقبية مجرم احتل لبنان وحوّل أرضه الى منفى للانسانية والكرامة.

محاولات خجولة حصلت في سنين سابقة، لتشكيل ملفات توثّق اعداد الاسرى في اقبية الأسد، لكنها بقيت مجرد محاولات، المقصود منها حفظ ماء الوجه ليس اكثر، اذ ان الدولة العميلة مع أجهزتها الأمنية ورجالاتها، تواطأت مع الدولة المحتلة وتناست ابناءها لترضي الغريب ولتشبع نهمها للسلطة فوق كراس تترنح على جثث اللبنانيين وعذاباتهم. ولدى كل زيارة ذل من مسؤول في لبنان الى الشام، كان الاهالي يتأملون بعضاً من قبس خير أو أمل، ولا يلبثون ان يغرقوا من جديد في عظمة الخيبة، اذ ما تجرأ احد من هؤلاء التافهين العملاء على توجيه مجرد سؤال لحاكم الشام، ليسأل عن مواطنيه الاحرار الاسرى.

لجان ولجان على مدى السنين الطويلة لم تفعل اي شيء، اي شيء على الاطلاق، واهالي المخطوفين افترشوا الليل والنهار امام مبنى الاسكوا في انتظار من يسمع صراخهم. أمهات مِتن وهنّ على باب الخيمة. امهات مِتن وهن في عذاب الانتظار عند ابواب مسؤولين غير مسؤولين. آباء غمرهم اليأس فرحلوا واياديهم تعانق صورة هي كل ما تبقى لهم من انفاس فوق ارض الوطن المنكوب، أهل يجلسون الى انتظارهم المضني علهم يسمعون همسةً خبراً حكايةً ما عن زوج عن اب عن أخ يترنّح في عذاباته في الغياب، ولا من يستجيب.

627 ملفا انتشلتها “القوات اللبنانية” من ادراج النسيان، نفضت عنها غبار عناكب الدولة والاحتلال الجديد. 627 ملفاً لا يزال سفاح الشام حتى اللحظة ينكر وجودهم، ليُمعن مع السلطة اللبنانية المحتلة، في تعذيب اهاليهم بالنكران. فحمل أنطوان زهرا الملفات وتوجه مع المحامي جورج بيطار بتكليف من الدكتور سمير جعجع، ورفعوا دعوى جزائية ضد بشار الاسد ومعاونيه السياسيين والامنيين، والمطالبة بحكم الاعدام لهم. “اخيرا وصلنا للمسار القضائي، سبعة من محامي القوات اللبنانية تولوا التحضير لهالملف، وحكي باسمن رفيقنا المحامي جورج بيطار وتقدمنا بشكوى جزائية بحق بشار والقيادات الامنية المعنية وطالبنا بمعرفة مصير الاحياء والاموات من الاسرى، اضافة للمطالبة بتعويضات ضخمة توازي الجرم المرتكب منذ اكثر من تلاتين سنة بحق هؤلاء الاسرى”، قال أنطوان زهرا من امام قصر العدل.

وكي لا تقتصر المطالبة بالاسرى على مستوى القوات اللبنانية وحسب، دعت القوات كل محامي لبنان، ومن يحب منهم التعاون في هذا الملف، للمشاركة الحثيثة ليكون ملف الاسرى ملفاً إنسانياً لبنانياً بعيداً عن اي تجييش سياسي او طائفي، “لان كل اللبنانيين متضررين، والسوريين ما تركوا حدن منا الا وناله الاذى المباشر منهم، وهالامر باعتراف احد زملائي بالبرلمان وهو ينتمي الى فريق 8 آذار”، يقول زهرا.

المسار القضائي سلك طريقه ولا عودة الى الوراء. صحيح ان القضاء مسيّس في لبنان، وبعضه في قبضة من يتحكّم بالسلطة السياسية والامنية، لكن القوات تراهن على القضاة الذين يتحلّون بالنزاهة والاستقلالية، وهم لا يزالون كثرا، خصوصا انه ملف انساني بامتياز، وكل طوائف لبنان لديها هناك وراء تلك الحدود اسرى معذبون منتهكو الكرامة.

منذ سنوات قليلة، تقدم النائب السابق ايلي كيروز بمشروع قانون يقضي باقرار تعويضات للاسرى المحررين من اقبية الاسد، يومذاك لم تنل الفكرة اعجاب ممانعي فريق 8 آذار بطبيعة الحال، اذ ارادوا الاكتفاء باقرار تعويضات عن الاسرى المحررين من اسرائيل، على اساس ان اسرى اسرائيل ولاد ناس واسرى المجرم بشار الاسد لا يرقون الى مستوى الانسانية ، كي لا نقول كلمات اكثر فظاظة. وطبعا طبعا نام المشروع في جوارير البرلمان كي لا يأخذ على خاطر سفاح الشام، ولا ميليشيا حزب الله الحاكمة، ولا يزال القانون في نومه العميق.

قد تنام الدعوى في قصر العدل طويلا، لكن هل يستطيع الضمير الانساني عند الجسم القضائي في لبنان ان يغفو على مجزرة انسانية بهذا الحجم؟ في كل الأحوال، الدعوى انطلقت والقوات لن تتراجع، والعدالة آتية لا محال. ظُلم الاسرى ظلماً مروعاً غير موصوف، لكن على الاقل المرتكب سينال عقابه كما يستحق، قد لا يكون على زمن هذا العهد الفاسد البائس بالتأكيد، لكنه لن يظمط من الاتي، ولا نظنه ببعيد جداً كما يعتقد المجرمون. الله يرانا.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل