.jpg)
مُرّةٌ كانت تجربة ناصيف حتي في وزارة الخارجية، في حكومة ميشال عون وحسان دياب “الاختصاصية المستقلة” في العلن، والمستسلمة لحزب الله من خلف الستار. فهل تشكل استقالته التي تقدم بها، أمس الاثنين، إلى رئيس الحكومة الذي قبلها بعد زيارته بعبدا ولقاء عون للتشاور معه، بدايةَ خريفِ الحكومة ويتوالى تساقط أوراقها الوزارية الواحدة تلو الأخرى؟ علماً أن التسريبات تتوالى في هذا الخصوص عن وزراء سئموا طريقة التعاطي والتدخل بما يشبه الفرض في ملفات وزاراتهم، من قبل طرف فاعل، ويرفضون تحميلهم مسؤولية الفشل في إدارتها.
لم تتفاجأ مصادر دبلوماسية فرنسية، بـ”قرار حتي بالاستقالة من حكومة لا تشبهه”. وتشير، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، إلى أن “الرجل يأتي من تجربة دبلوماسية متميزة كسفير لجامعة الدول العربية في باريس وروما والفاتيكان، ويملك شبكة صداقات متينة مع كبار المسؤولين في الأمم المتحدة وعواصم القرار، لكنه لم يتمكن من توظيف خبراته هذه في الحكومة. بالتالي، كان من شبه المستحيل أن يتمكن من الانسجام لفترة طويلة مع فريق السلطة الحاكمة في لبنان”.
في السياق، لا توافق مصادر سياسية بارزة، عبر موقع “القوات”، على “مجاراة المتفائلين باعتبار استقالة حتي بداية انفراط العنقود الحكومي، حبة تلو حبة. وأن هذا المعطى سيشكل دينامية معينة تدفع إلى تشكيل حكومة جديدة تنتشل الوضع من الانهيار، في المدى المنظور، بل ربما يكون التغيير نحو الأسوأ”. وتضيف، أن “الطرف الأساسي القابض على قرار الحكومة، أي حزب الله، لا يناسبه في الظرف الراهن والضغوط الخانقة التي يتعرض لها الدخول في متاهات تشكيل حكومة جديدة”.
وتلفت المصادر ذاتها، الواسعة الاطلاع على كواليس وزارة الخارجية، إلى أن “العملية الماراثونية التي شهدناها، أمس الاثنين، بين بعبدا والسراي، وتعيين مستشار عون للشؤون الخارجية والدبلوماسية والذي شغل منصب الأمين العام للشؤون الإدارية والسياسية في وزارة الخارجية بعهد النائب جبران باسيل، شربل وهبي وزيراً للخارجية، وإصدار المراسيم على وجه السرعة، يؤكد قرار توجيه رسالة حاسمة لأي وزير، أو وزيرة، يمشيان على خطى حتي، والقول إن قرار الاستبدال بآخرين متخذ، وبشكل سريع تجنباً للاستنزاف وقطع الطريق أمام كل من تسوله نفسه من زملائه التفكير بالاستقالة. والمرجح أن يكون الوزير الجديد أكثر طواعية وتماهياً مع سياسات الحزب الإقليمية، بالإضافة إلى توجهات ومصالح باسيل والعهد طبعاً”.
ستة أشهر ونيّف أمضاها حتي، على مضض كما تبيَّن، في قصر بسترس، محاولاً توظيف تجربته في عالم الدبلوماسية في الحكم. لكن منظومة الفساد وأكلة الجبنة وسياسة المحاور كانت أقوى، فوجد نفسه محاصراً بنهج المحاصصات والتنفيعات والزبائنية، وبكمٍّ هائل من العراقيل والتجاوزات لموقعه الدستوري وتخطّيه في ملفات أساسية تقع في صلب صلاحياته، من قبل “فريق العهد القوي” و”فريق السلاح”. فهل كان دخوله الوزارة خطأ واستقالته محتومة؟
لا تنفي المصادر الدبلوماسية الفرنسية، لموقع “القوات”، أن تكون “إغراءات السلطة والموقع الوزاري دغدغت أفكار حتي. ولعله اعتبر أن بإمكانه القيام بشيء ما يوم وافق على تولي حقيبة الخارجية في الحكومة اللبنانية الحالية”. لكنها تكشف، عن أنها أعربت منذ البداية عن خشيتها من “فشل المغامرة التي قرر خوضها، إذ يعلم الجميع كيف تشكلت الحكومة تحت لواء المحاصصة، ومَن القابض على قرارها. بالتالي، كان من الصعب على حتي، الدبلوماسي المرن صاحب قنوات الاتصال المفتوحة في مختلف الاتجاهات، أن يُحشر في محور ضيّق يعادي العالم ومنغمس في الفساد حتى أذنيه”.
وتكشف المصادر أيضاً، عن “ناحية قد لا يعرفها كثيرون عن حتي، اختبرناها من العلاقة الوطيدة معه خلال إقامته الطويلة في باريس”. وتقول، “خلف الدبلوماسي الهادئ الرصين، تختبئ شخصية قوية لا يمكن أن تقبل بلعب دور المتفرج أو شاهد الزور على أمور تخالف قناعاتها”، مشيرة إلى أن “هذا ما عكسه بالفعل بيان استقالته حين يقول (لم أساوم ولن أساوم على مبادئي وقناعاتي وضميري من أجل أي مركز أو سلطة)”.
وتلفت إلى أن “حتي الذي نعرفه، والذي بدا متوارياً طوال الأشهر الماضية، ظهر على حقيقته في التقريع الفاقع للسلطة في بيان استقالته، حين يؤكد أن (لبنان اليوم ليس لبنان الذي أحببناه وأردناه منارة ونموذجاً وموئلاً للحرية والفكر والعلم والثقافة وموطن الرسالة وملتقى الشرق بالغرب، بل هو ينزلق للتحول إلى دولة فاشلة). وأن استقالته تأتي بسبب (غياب رؤية للبنان الذي أؤمن به وطناً حراً مستقلاً فاعلاً ومشعاً في بيئته العربية وفي العالم، وغياب إرادة فاعلة في تحقيق الإصلاح الهيكلي الشامل المطلوب)”.
وتتوقف المصادر الدبلوماسية الفرنسية عند قول الوزير المستقيل، (شاركت في هذه الحكومة من منطلق العمل عند رب عمل واحد اسمه لبنان، فوجدت في بلدي أرباب عمل ومصالح متناقضة)”. وتلفت إلى “تصويب حتي المباشر على التيار الوطني الحر محمِّلاً إياه مسؤولية الفشل، حين يقول، (حملت آمالاً كبيرة بالتغيير والإصلاح لكن الواقع أجهض جنين الأمل)”، معتبرة أن “هذه الكلمات ربما تختصر أزمة لبنان الراهنة الكارثية، إذ هو رهينة التحالف بين محور عزله عن تاريخه وعن العالم، وبين منظومة الفساد التي ترفع للمفارقة شعار الإصلاح”.
من جهتها، تعتبر المصادر السياسية المطلعة على كواليس “الخارجية”، أنه “لم تطرأ حتى اليوم معطيات جديدة في الوضع الإقليمي تدفع حزب الله لتغيير قراءته ربطاً مع استقالة حتي. وهو لا يزال عند موقفه الذي أبلغه في الأسابيع الماضية للعهد وفريقه، حين بدأ التلويح بإقالة الحكومة أو بإجراء تعديل وزاري. والمعلومات عن محاولة ثني الحزب حتي عن تقديم استقالته، ليست بعيدة عن الواقع”.
وتشير إلى أن “حزب الله يعتبر أن حكومة دياب لا تزال الأفضل لتأمين الحماية له راهناً. لكنه أمام واقع الانهيار والانحلال على مختلف الصعد المالية والاجتماعية والمعيشية والصحية، لجأ إلى اعتماد خطة بديلة، بالتفاهم مع حليفه الأساسي التيار الوطني الحر، أو الأصح مع النائب جبران باسيل”.
وتعرب المصادر ذاتها، عن اعتقادها أن “مساحة الاستقلالية لدى الوزراء الجدد، المحتملة استقالتهم، ستكون ضيقة أكثر. فالحزب وباسيل شبه مفلسين تجاه تقديم الحلول لأي من الملفات الضاغطة، ولم يعد أمامهما سوى التمسك بمواقع السلطة حتى الرمق الأخير، لأن البديل عن الحكومة الحالية إما غير متوافر أو أن الظروف لم تعد تسمح بحكومة جديدة خالصة لهما. لذلك سيقومان على الأرجح بالهروب إلى الأمام والتشدد في ولاء الوزراء البدائل، حتى ولو انهار البلد كلياً، بانتظار أن يقدر الله أمراً كان مفعولاً”.
