
تعدّدت التسميات والموت واحد. لا بل تعدّدت التحليلات والشهيد واحد. هذه المرّة إنّه لبنان بأسره، وتحديدًا بيروت. ما من كلمة تبلسم قلب أمّ، أو زوجة، أو أخت، أو ابنة، أو حبيبة أيّ شهيد سقط في انفجار بيروت أمس. وهل ما يسكن إصابات المجروحين؟ ما هي الخطوات التي من المفترض اتّخاذها لتحصين الوضع الأمني مثلا، لا سيّما وأنّنا أمام أيّام معدودة من صدور الحكم في قضيّة اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي صار شهيد الوطن؟
أمام هول هذه الفاجعة الوطنيّة تقف السلطة السياسيّة بأجهزتها كافّة عاجزة. فهي لم تستطع أن تكشف فاسدًا واحدًا طوال استلامها الحكم. ما يؤشّر أكثر فأكثر أنّها سلطة سياسيّة فاشلة، قضت على جوهر وجود الدّولة وحوّلتها إلى دولة ساقطة حكمًا.
لذلك، ما كان متبقيًا من ثقة لدى اللبنانيين والمجتمع الدّولي بتركيبة هذه السلطة قد طار مع الانفجار. الثقة انعدمت كليًّا بهذه الدّولة. لذلك لا ثقة بأيّ جهة قد تتولّى التحقيق في هذه القضيّة التي صارت قضيّة وطنيّة. فالأجدى المطالبة بلجنة تحقيق دوليّة لكشف الحقيقة والمحاسبة بضمّ هذه القضيّة إلى ملفّات القضايا التي عالجتها وتعالجها المحكمة الدّوليّة الخاصّة بلبنان. وبات التساؤل مشروعًا حول وجود احتمال في تشابه المواد التي تفجّرت في 4 آب 2020 وتلك التي تفجرت في 14 شباط 2005. هل الجهة التي اغتالت الرئيس الحريري هي نفسها التي حاولت أمس اغتيال لبنان كلّه؟
هذه سلطة ساقطة تحكم في دولة أفشلت ما تبقى من هيكل للدّولة فيها. ولم يعد جائزًا التعاون معها لأنّ العمل مع الفاشلين يفشل الناجحين. والسكوت عن تقاعس هذه السلطة بات جريمة بحدّ ذاته، تفوق فداحتها هول جريمة 4 آب. لا سيّما وأنّ تقارير صدرت عن مديريّة أمن الدولة، الأوّل منها كان بتاريخ 10 كانون الأوّل 2019 ورفع إلى رئيس الجمهوريّة والحكومة المستقيلة، والثاني صدر في 4 حزيران 2020 وسلّم إلى رئيسي الجمهوريّة والحكومة حسان دياب، أمّا الثالث فصدر في 20 تمّوز الماضي ورفع إلى الرئيسين مجدّدًا، تبيّن كلّها مدى خطورة هذه المواد وبضرورة التخلّص منها. فهل هنالك من سرّب هذه التقارير لجهات مجهولة معروفة، عدوّة تاريخيّة للبنان وشعبه، لتستفيد منها وتسدّد ضربة قاضية لما تبقّى من دولة في لبنان؟
أقلّ ما يجب المطالبة به اليوم هو انتخابات نيابيّة مبكرة للتمكّن من تغيير هذه المنظومة الحاكمة بأكملها. فالنّاس كلّها موجوعة، ولم يعد مقبولا أقلّ من ثورة تطيح بهذه المنظومة كلّها. فالانتخابات النيابيّة المبكرة هي المدخل الذي يجب استعادة الدّولة من خلاله من الذين سرقوها في 7 أيّار 2008، وبتعاون مع حلفاء لهم في قلب الكيانيّة اللبنانيّة، يوم طغت الحسابات الشخصيّة على المصلحة الوطنيّة العامّة.
ومساعدة المنكوبين واجب وطني على أيّ لبناني في العالم. ولكن ليس من قبل هذه السلطة الساقطة والفاسدة والفاقدة الثقة. فمن ليس أهلا بحماية النّاس كيف سيؤتمن على أموال عامّة لمساعدتهم؟ المجتمع الدّولي وحده مدعوّ لمساعدة اللبنانيين المنكوبين وذلك بطريقة مباشرة، من دون المرور بأيّ وساطات إداريّة مع أيّ مؤسسة من مؤسسات هذه الدّولة.
بناء عليه، هذه السلطة انتهت وسقطت قتيلة بمتفجّرات من مستودعاتها في الرابع من آب 2020، والضرب بالميت حرام. لذلك، على النّاس اليوم قول كلمة الفصل. الثورة اليوم مدعوّة لأن “تولد من رحم الأحزان” كما حاولت هذه السلطة أن تطمس هذه الحقيقة التي كتبها الشاعر نزار قبّاني في احتفال الأوّل من آب. لذلك، صوت النّاس يجب أن يعلو أكثر من أصوات كذباتهم، تارة مفرقعات وطورًا احتكاك أسلاك كهربائيّة وغيرها من الأكاذيب.
الثورة آتية لا محالة، لكن هذه المرّة التراجع ممنوع لأنّه يعني الموت النهائي. وإن لم تسقط عروشهم يعني أنّ الوطن فعلا اغتيل في الرابع من آب وسقط. ولن ينفع أيّ بكاء أو صريف أسنان.