لبنان الملتزم باتفاقيات الأسلحة الى المحاكمة الدولية

بين التقصير المقصود ولامبالاة السلطة وسذاجتها، سقطت بيروت وسقط معها لبنان المجروح والمعزول والمحتل. لو أردنا طبعاً، استدراك كارثة انفجار العنبر 12 في المرفأ، كان بالإمكان تجنيب لبنان هذا الخراب والدمار الذي تكفلت به السلطة الحاكمة في جهلها وارتهانها، مدمّرة لبنان بشعبه.

ستدور التحقيقات اليوم في حلقة غامضة، اذا ما تكفل بها الجانب اللبناني، إذ كيف للبنانيين أن يثقوا بسلطة “أبادتهم” ولو عن غير قصد، قصّرت في متابعة قضية العنبر رقم 12 حتى انفجر ودمّر وقضى على بيروت؟ كيف ستحقق بهذا الحادث إذا كان اهمالها أودى الى الكارثة، وكيف سيقتنع اللبنانيون بنتائج هذه التحقيقات مع التركيبة المذهبية والسياسية والامنية القائمة؟

نعم لا ثقة، وانعدامها متأتٍ من تجارب كثيرة مريرة عاشها اللبنانيون مع هؤلاء الحكام. الحكومة تصر حتى الساعة على تحقيقات محلية، تزامنت مع معلومات دبلوماسية ذكرت أن فرنسا أبلغت حزب الله بأنها تفضل ان تتولى لجنة تحقيق دولية التحقيق في انفجار بيروت، الا ان الحزب رفض بحجة أنه غير معني بهذا الانفجار، بالإضافة الى الا مجال لتكبيد لبنان اليوم اي مصاريف، وأتى الدعم الداخلي لحزب الله على لسان وزير الداخلية محمد فهمي، الذي رفض بدوره مطالبة البعض بتشكيل لجنة تحقيق دولية، فيما غرّدت وزيرة العدل ماري كلود نجم منفردة خارج سرب الضغوط التي تُمارس على الحكومة وطالبت الاستعانة بخبراء دوليين تقنيين للمساعدة في كشف الحقيقة.

استاذ مادة القانون الدولي والعدالة الدولية المحامي الدكتور انطوان سعد، يوضح خريطة طريق عمل المحكمة الدولية وتعاطي القانون الدولي مع أحداث مماثلة، فيلفت الى أن الأمور تبدأ عادة بإنشاء لجنة تحقيق دولية تقوم بعملها، فإذا تمكنت من الوصول الى نتائج وحققت أهدافها، مانعة استمرار الجرائم، نكون قد وصلنا الى الغاية، وتكون اللجنة قد حققت الهدف الذي من أجله شكلت.

يذكر بأن هناك حوالى 60 لجنة تحقيق دولية أنشأت في الفترة الأخيرة، وانتهى عملها من دون قرار الذهاب الى المحكمة الدولية، ويوضح في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني أنه إذا لم تحقق لجنة التحقيق الدولية اهدافها كما جرى في لبنان في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري واستمرت التفجيرات والاعتداءات، يصار الى تأليف محكمة دولية للتخفيف من حجم الاعتداءات، “إذاً في البداية نبدأ بلجنة التحقيق الدولية ونذهب بعدها الى المحكمة”.

يؤكد سعد أن السلطة اللبنانية سترفض طبعاً لجنة تحقيق دولية، لأكثر من اعتبار، مشيراً الى أن تقاذف التهم لن يغير الحقيقة. ويتطرق الى الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالسلاح الكيماوي التي وقعها لبنان. الاولى في 31 كانون الأول عام 1964 في عهد الرئيس شارل حلو، والثانية تتعلق بالأسلحة البيولوجية والمواد السامة الحية والمواد الخطرة والمُحظَّرَة، ووقعت في 12 تشرين الاول 1974 في عهد الرئيس سليمان فرنجية.

ومن التزام لبنان بالقرارات الدولية، ينطلق سعد مذكراً بأن رئيس الجمهورية كان قبل اتفاق الطائف، وبصفته رأس السلطة التنفيذية، هو الذي يوقع على الاتفاقيات الدولية ويتابع تنفيذها، أما اليوم، فالسلطة التنفيذية بيد مجلس الوزراء، وهو من خالف هذه الاتفاقيات.

يضيف، “التوقيع على هذا النوع من الاتفاقيات يعني أنه يُحظّر على لبنان اقتناء وتصنيع وتخزين وتطوير هذا النوع من الاسلحة، بينما قامت السلطة في هذا البلد، باقتنائه وتخزينه في المرفأ، ليترافق انفجار هذه المواد مع وجود صواريخ ذكية صغيرة”.

يؤكد أنه كان الأجدى بالحكومة أن تُسلّم هذه المواد الى وكالة الطاقة الدولية، بإشراف الأمم المتحدة وخبراء متخصصين، تماماً كما حصل مع رئيس النظام السوري بشار الاسد الذي اراد اقتناء هذه المواد بالقوة، لكن “الطاقة الدولية” سحبتها من سوريا. ويلفت الى أنه لو لم يكن هناك نية لدى الحكومة اللبنانية للإبقاء على هذا السلاح، او لو لم تكن مُجبرة على الاحتفاظ به، لكانت اعلمت وكالة الطاقة التي كانت ستقوم بدورها بنقل هذه المواد واتلافها ضمن الأطر العلمية.

يجزم سعد بأن لبنان وباقتنائه لهذه المواد خالف القانون الدولي والاتفاقيات الدولية اللذين وقعا عليهما، واضعاً الانفجار الذي هزّ المرفأ ودمّر بيروت في خانة الإبادة الجماعية. يتابع، “بيروت كلها كما محيطها وضواحيها تضررت، مع سقوط أكثر من 130 شهيداً و5000 جريح، ما يعني في القانون الدولي أن الضرر جماعي، وبالتالي هذه الجريمة دولية، علماً أن الجرائم الدولية خمس: الجريمة الإرهابية، والعدوان، والحرب، والجريمة ضد الإنسانية، وجريمة الإبادة”.

يشير الى أن عصف الإنفجار ذهب باتجاه 240 درجة دائرية نحو البحر و120 درجة باتجاه اليابسة، متوقعاً أن يفوق عدد القتلى والمفقودين الـ500 ضحية، يضيف، “هذه جريمة ابادة شعب وتعريضه للإبادة، وتُسأل عنها الحكومة اللبنانية”.

يشدد سعد على وجوب ملاحقة الحكومة الأولى التي ساهمت في اقتناء هذه الأسلحة وصولا الى الحكومة الحالية التي وصلتها المراسلات مراراً وتكرارا، لكنها امتنعت عن التخلص من هذه المواد الخطرة وتسليمها الى وكالة الطاقة بإشراف الامم المتحدة.

يستغرب ماهية لجنة التحقيق اللبنانية في كارثة المرفأ، رافضاً تحميل القضاة أو المدراء العامين المسؤولية، إذ لا أحد يمكن له أن يتخلص من هذه المواد من دون الاتفاق مع الامم المتحدة. يتابع، “أرسلوا هذه المواد الى دولة هجينة وامتنعوا عن ملاحقة الباخرة والدولة التي أرسلتها والشركة”، جازماً بأن هذه المواد لم تحط في لبنان صدفة ولم تبقَ فيه صدفة أيضاً، وهي اتت رغماً عن الدولة اللبنانية لتبقى في لبنان، على أن يتم استخدامها في إطار تدعيم محور “المُمانعة” الذي لا يجر سوى الويلات.

ويلفت الى أن لجنة التحقيق المحلية يجب أن تكون هيئة قضائية مستقلة تتألف من نائب عام وقاضي تحقيق مستقلين، وخبراء متفجرات من الطراز الاول ومسؤول اداري في التفتيش، لكنه يرجح ان تخلص النتيجة الى ادانة مدير عام وقاضي “وبتخلص القصة”، معتبراً أن فاقد الشيء لا يعطيه. ويسأل، “حتى لو خرجت الحكومة بنتيجة قبل وقوع الانفجار، ماذا كانت ستفعل من دون اتفاق السلطة السياسية مع وكالة الطاقة الدولية؟”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل