السيد الرئيس… و”لبنان بيحبك”

لبس ماكرون الكرافات السوداء وجاء لبنان معزيا مواسياً. في المطار وضع الكمامة ولم يعانق نظيره اللبناني. رئيس لبناني مقابل رئيس فرنسي وما بينهما شعب لبناني بأمه وابيه يقول لـ ماكرون “سيدي الرئيس” ويقول لرئيس لبنان “السيد عون”!
لبس ماكرون الكرافات السوداء احتراما لحداد لبنان على ضحاياه، وتجوّل في شوارع النكبة. رفع اكمامه عاليا، خرق البروتوكول والحماية الامنية المشددة من حوله، تحدث الى الناس بعاطفة جياشة وتعاطف واضح. ضاع رجال الامن، ففي حين كان يجب ان يتوجه الى سيارته، غير اتجاهاته أكثر من مرة، وتوقف وتحدث، وحيّا الناس التي تهافتت للقائه.

لم يتردد عن معانقة سيدة انهارت امامه بالبكاء مطالبة اياه بمساعدة لبنان. هرع نحوها عانقها وطيّب خاطرها ووعدها بالمساعدة. هتف له الناس بالفرنسية حيناً، بالإنكليزية أحيانا، “خلصنا من حزب الله”، ولما صرخوا “ثورة، ثورة” وترجم له مرافقوه الكلمة ابتسم وقال “اعرف ما يقولون”. طالبوه الا تصل المساعدات الى الدولة فقال لهم بصريح العبارة “اطمئنوا لن تصل المساعدات الى الفساد”. اي رئيس اجنبي يقول كلاما مماثلا؟! في المطار ولما سألوه “لماذا اتيت لبنان بعد كل ما حصل؟”، وببسمة رقيقة هادئة واثقة، “لأننا فرنسا ولأنكم لبنان”.

هو رئيس أجنبي يزور لبنان، لكن الاجنبي بدا وكأنه هو هو رئيس لبنان. لا تحتاج لغة القلب الى مسافات شاسعة لترسم دروبها، لغة القلب الشفافة هي التي تختصر المسافات، والرئيس الاجنبي الشاب، بدا الاقرب على الاطلاق الى اللبنانيين المضرّجين بآلامهم، في حين ان السلطة اللبنانية هي الابعد الابعد عنهم، كي لا نقول انها عمليا وفعليا هي العدو المباشر لنا.

لماذا اتيت لبنان “لاننا فرنسا ولانكم لبنان” قالها بشكل عفوي انطلاقا من منطق لبنان الرسالة وفرنسا الام الحنون بغض النظر عن اي سلطة جائحة تتحكم به. “سأسمّعهم ولن اسمع لهم”، قال ماكرون للناس حين التقاهم في الجميزة. “لا تخافوا لن امنحهم شيكاً على بياض”، كلام ثقة يحتاجه اللبنانيون في عز الالم والصراخ. ولما طالبوه بالبقاء في لبنان قال لهم “لا تخافوا سأكون دائما بجانبكم، نحن ندخل عصرا جديدا لا مكان فيه للطغمة الحاكمة”.

خلع الرئيس الشاب كل موبقات الكلام السياسي المنمّق المتمالق، وتحدث الى الشعب اللبناني ما يشعر به وما سيفعله معهم لاحقا. شعب لبناني ما اعتاد رئيسا يلبس القلب في وجهه ويحادثهم بامتنان لأنهم هم سبب وجوده وليس العكس. شعب لبناني جريح مقهور مدمّر، حوّل ماكرون في زيارة يوم واحد الى ما يشبه الايقونة، تمسكوا به قارب خلاص من سلطة الموت تلك “كرئيس فرنسي لا أستطيع ان املي على السلطة اللبنانية ما تفعله، لكن كصديق اتمنى عليها ان تفعل لإنقاذ لبنان”، وبحرقة وانفعال شديد، ودمعة قاربت رمش العيون وبصوت تهدّج بدخان الوطن المدمر، تحدث عن لبنان الحضارة والثقافة والرسالة، وقال باللغة اللبنانية “بحبك يا لبنان”. الرئيس الفرنسي كان لبنانيا اكثر من السلطة اللبنانية، بكى وطنا غاليا على قلبه في حين سلطة لبنان قتلت وطنا غاليا على منافعها.

لبس الرئيس اللبناني الكرافات الزرقاء والبدلة الانيقة، وذهب سرا الى موقع الانفجار مع مواكبة ضخمة، تحدث الى رجال الامن في موقع النكبة، ورحل سريعا لا شعبا يرافقه، ولا عيونا تلحقه تدعو له بالأمان وطول العمر، رئيس لم يلبس كرافات سوداء لياقة حدادا على من هم بالمبدأ شعبه، ولا قدّم لهذا الشعب كلمة واحدة تطمئنه الى مستقبله.

وفي اليوم التالي جلس يستمع الى توبيخ مبطّن من رئيس أجنبي شاب، لما اقترفته ايادي السلطة بالشعب اللبناني العريق. رئيس لبناني مع رئيس حكومته ورئيس البرلمان، جلسوا يستمعون الى رئيس أجنبي أبلغهم انه عائد في ايلول ليرى ما اذا كانت طروحاته السياسية لأجل لبنان قد نُفذت، اي عار هذا يا عالم؟!

“بحبك يا لبنان”، قالها لنا ماكرون، وكان يحكي عن لبنان الرسالة، وليس لبنانهم المدمر المحتل الذليل. “بحبك يا لبنان” قالها بتأثر بالغ فبدا وكأنه الخائف الاكبر على هذا الوطن الصغير الكبير، في وجه لامبالاة سلطة لبنانية امتهنت قتل الشعب واذلاله. زيارة رفع فيها ماكرون الغطاء بالكامل عن تلك السلطة بكلام مباشر حينا غير مباشر احيانا.

وقبل رحيله قال للشعب الجريح عليكم ان تساعدوا انفسكم لنتمكن من مساعدتكم. وكأنها دعوة لثورة جديدة دعوة للشعب اللبناني لمقاومة فعلية لإنقاذ لبنان.

ذهب ماكرون وبقي في لبنان، في قلب الشعب اللبناني. كبر الرئيس الشاب في عيون الوطن الجريح، وصغرت صغرت السلطة الهرمة المتعفنة في عارها في ادائها الذليل. سيدي الرئيس ايمانويل ماكرون لبنان الرسالة بيحبك.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل