النا الشرف نحمل المكانس

حملوا المكانس والرفوش وكل ما عندهم من انتماء للارض وللانسان، وصاروا جنودا في ساحات النكبة. ما كان سيحصل بعد افظع مما حصل، لو لم يكن بعد في لبنان شعب حي الضمير حاضر للنجدة، شعب مشبّع بالشهامة والحضارة والانسانية؟

الانفجار دمّر وقتل كل شيء الا انسانية اللبناني الصميم في انتمائه. الانفجار التفجير القصف العصف الهمجية الارهاب، سمّوه ما شئتم، قتل الاجساد وشلّع الارواح والابرياء والارزاق، لكن بقي الايمان الشجاعة الاندفاع والنضال لاجل هذه الارض الجريحة.

كذابين انتو،  لم يمت لبنان. كذابين انتو، لم ينتهِ لبنان، منافقين انتو، لم يستسلم لبنان. “بس شفت مكانسكن حسيت بالكرامة حسيت بلبنان الحقيقي، حسيت بالشرف وبالانتماء لهالبلاد الجريحة، بتكبروا القلب يا شباب لبنان”، قالت السيدة ماجدة الرومي لشباب وصبايا لبنان عندما تفقّدتهم في ساحات النكبة.

هناك تحت، حيث تنفلش خيم المساعدات وسواعد مئات المتطوعين والمتطوعات، يكبر القلب بكل ذاك الحب، بكل تلك النخوة، هؤلاء ثوار لبنان، هؤلاء امل لبنان. “اي بعد في لبنان وبعد في نخوة وبعد في انسان ينتشل انسان من هول الموت ولو تعرّض هو نفسو للخطر، بيهجم تيخلّص خيو اللبناني”، يقول معاون الأمين العام في حزب القوات اللبنانية الدكتور وسام راجي.

ماذا يجري هنا؟ ماذا تفعلون يا صبايا وشباب واي حب هذا يدفعكم لتحدي الوباء، ولتحدي مخاطر المكان المعرّض بعد للانهيارات، وانتم لا تبالون”!

بدنا نتساعد ونداوي جراح بعضنا حتى نرجع ننقذ البلد، واذا ما عملنا هيك مين بيقوم فينا؟ ما عنا دولة، تلتفت علينا منلتفت على بعضنا البعض”، يقول متطوع من جمعية RICA التي تتولى تأمين مواد غذائية وماء ومواد طبية واسعافات اولية في منطقة مار مخايل وساسين الاشرفية.

“شو عم تعملي هون؟” تلتفت صبية العشرين مستغربة “لازم تسالي للي منو هون ليش مش هون معنا. النا الشرف نكنس شوارع بلادنا. شوفي هالمصيبة الكبيرة لوما مؤسسات المجتمع المدني كان كل شي بعدو بالارض، عم نجرّب قدر الامكان نساعد الناس ب بيوتن على رفع الردم والانقاض”، تقول صبية من جمعية CDDG الذين يتولون اضافة لتأمين المواد الغذائية وما شابه، تنظيف الشقق المتضررة جزئيا، اي غير المدمرة بالكامل، ورفع انقاضها وترميمها ودهنها.

“ما تخافي ما تخافي عم نضّف شعرك من قزاز بعدو عالق حتى ما يتأذى راسك”، تقول المسعفة من مستوصفات الارز الطبية (CMA)، لسيدة هرعت الى خيمة مار مخايل لمساعدتها في الاسعافات الاولية “عندكن مواد طبية كافية؟”، تنظر الي وتبتسم “ربنا مش رح يتركنا بهالمحنة والله بيدبّر دايما، المهم نساعد اكبر عدد ممكن من الناس، لان ما حدن بيتوقع حجم الوجع وحجم التضامن بين الناس لـ عم يصير بهالخيم وبالبيوت لـ عم نزورها”.

مذ صبيحة اليوم التالي لنكبة بيروت، توزعت تلك الجمعيات، كما سواها من جمعيات لبنان الشبيهة، ومئات المتطوعين من الشباب والصبايا وجعلوا الطريق بيتهم، والمكانس والرفوش والادوات الطبية، سلاحهم الوحيد في وجه النكبة. هي مواجهة بين وحش حضارة لا حضارة له وما بيشبع، وبين انسانية مفرطة تفعل المستحيل لتعلن كل لحظة ان لبنان سيبقى وطن الانسان وطن الرسالة.

منذ ساعات الصباح الاولى تنطلق كل مجموعة الى عملها بحسب المهان التي اوكلت اليها، وذلك ضمن خطة عمل وضعت لمدة اسبوع، قد تمتد بحسب الحاجة، ويُكتب تقرير يومي لمعرفة الثغرات او الاحتياجات الناقصة بحسب المناطق والشوارع.

“نحنا مكفيين بهالطريقة ورح نطوَر عملنا اكتر ررح يشمل طلب متطوعين من كل المناطق اللبنانية انما ضمن خطة عمل دقيقة حتى يكون وجودنا فاعل ومفيد للناس المتضررة. وبدي قول انو هالشباب والصبايا عم يقوموا بفعل ايمان كبير بيشبه الصلا، هيدا صلاة انك تنسي حالك وتعطي كل ما عندك حتى نساعد جريح زعلان منكوب من بلدنا”، يقول دكتور راجي.

طلاب، مهندسون، اطباء، محامون، نجارون، صيادلة، كشافة…كل الوظائف هنا، خلعت كل ما عندها لتلبس الايمان وروح المساعدة لاجل لبنان. شباب وصبايا من كل اقطار هذه الارض الصغيرة الكبيرة، رفعوا الانقاض، كنسوا الطرقات، تبرعوا بدمائهم لمن ارتوت الارض من دمائهم، نقلوا مصابين الى مستشفيات، هرعوا لانقاذ عالقين بين الباطون واللارحمة البشرية التي انهالت عليهم، خيم ثابتة واخرى نقالة، توزيع المواد الغذائية على محتاجيها، عمل متواصل تحت الحر والشمس وخطر كورونا، ولا من يسأل او يبالي. عمل ليل نهار من دون حمام، صار لباسهم غبار الطريق وردمياتها اللاموصوفة، صار الشارع شرف انتمائهم لمجرد ان ثمة في الشارع لبناني يتألم، يصرخ ولا دولة تسمعه، ولا احد ينجده الا اخيه الانسان زميله في المعاناة.

هنا لا يوجد مسيحي ومسلم، ولا حزبي ضد آخر، هنا انسان لبناني معذب يساند لبناني آخر معذب. هنا تحت تلك الخيم المتواضعة، انتصبت قصور الانسان وسكن فيها الرب ملكا على تلك القلوب. هنا لبنان الحقيقي الحلو الحر الشريف النظيف المؤمن. هنا لبنان وتلك المكانس والرفوش هي التاج السلاح القلم الصلاة التي ستطرد الوحش من قلب الهيكل، والرب سيشهد على ثورتنا وسيبارك وسيقول لنا “جعلتم بيت اللصوص بيتا للصلاة لانكم ضمدتم جراحي واطعمتموني وسقيتموني وكنتم لي خير شهود”… هنا لبنان الرسالة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل