قصة قصر السعديات: حلم طفولة شمعون الذي ضاع في المسافات

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1708

 

19 كانون الثاني 1976. المشهد في قصر السعديات مأساوي. نساء، شيوخ، أطفال، لجأوا إلى القصر ومحيطه هربًا من المذابح التي كانت تُرتكب على أيدي فصائل مسلحة في الدامور.. حقائب وثياب مبعثرة على الأرض، أمهات تنتحبن لفقد أطفالهن الذين ضاعوا في متاهات العتمة خلال رحلة البحث عن ملجأ آمن. رجال شيوخ أطفال يسألون عن أم وأب وقريب فقدوا أثرهم…

هناك كان يقف كميل شمعون ويطمئن على حال الأهالي ويتفقد الجرحى. كان يحاول طمأنتهم قدر المستطاع كي لا تخرج الأمور عن طورها مما سيؤدي الى كارثة. في القاعة المجاورة للبهو كانت الإجتماعات مع شباب فرقة الدعم التي وصلت من عين الرمانة لمساندة الشباب الذين كانوا يدافعون عن القصر. إنتهى الإجتماع. دخل الرئيس شمعون فوقفوا جميعًا إحترامًا له. فبادرهم بالقول: لا لزوم للرسميات ولا لشرح الوضع. لقد رأيتم الأهالي. هؤلاء أمانة في أعناقنا. قد نعود لنلتقي أو لا نلتقي. المهم ألا يبقى أحد منا على قيد الحياة ليشاهد ذبح أهلنا أمام أنظارنا. أنتم اليوم تصنعون التاريخ. ومقاتلو إسبارطة ليسوا أهم من نمور لبنان. الله يرد عنكن ويحميكن».

20 كانون الثاني غادر الرئيس كميل شمعون قصر السعديات على متن طوافة عسكرية تابعة للجيش اللبناني وكان وزيرًا للداخلية بعدما تلقى تعهدًا بالسماح للأهالي بمغادرة القصر في اليوم التالي عبر البحر. صعد على متن الطوافة واصطحب معه جرحى من ذوي الحالات الحرجة.

21 كانون الثاني 1976 غادر الجميع القصر ومحيطه. وحدها بواريد الصياد النمر ولوحات السيدة الأولى التي رسمها فنانون عالميون وكل الذكريات والصور نامت تلك الليلة على هدوء نسبي ووعد كاذب بوقف إطلاق النار وعدم التعرض للقصر. في تلك الليلة دخل البرابرة القصر. سرقوا المحتويات من تحف وبنادق الصيد ولوحات وأحرقوه..

الثانية عشرة من ظهر يوم 23 أيلول 1958. أجراس الكنائس في منطقة القنطاري تقرع. النمر يتأبط ذراع رفيقة عمره زلفا وينزلان درج قصر القنطاري مودعًا حقبة الرئاسة ليتحول إلى زعيم مسيحي ووطني. ويبدأ بعدها بناء قصر السعديات.

وفي السعديات كانت بدأت حكاية القصر الذي شيده النمر ليروي قصة «آخر العمالقة».

 

لم تكن منطقة السعديات بين بلدتي الدامور والجية مجرد موقع جغرافي في ذاكرة الرئيس كميل شمعون وقد ترجم ذلك في كتابه «أزمة في الشرق الأوسط»: «إستقريت عام 1962 بصورة نهائية في منزلي الجديد في السعديات، في منتصف الطريق بين بيروت وصيدا القديمة. قبالتي يمتد، بقدر ما يمكن أن ترى العين، البحر الأبيض المتوسط مع الأزرق الياقوتي المتلألئ. لقد حلمت بالسعديات منذ طفولتي. عندما كان والدي يأتي لزيارة ممتلكاته في الدامور، كان يصطحبنا إلى هناك لقضاء عطلة عيد الفصح. كان الصيد يحتل وقت فراغه، وكنا نهرول أنا وإخوتي  إلى جانبه، وكنا نمكث في النزل الوحيد – والمتداعي جداً – في المنطقة. لم يكن التنقل بالسيارات موجوداً بعد. كانت قوافل طويلة من العربات تمر من دون انقطاع، واهتزازها يصدر النغمات المنخفضة لأجراسها. وكانت  الألحان الجميلة لسائقي الجِمال تعلو في الهواء وتضيع في المسافات. كانت الطبيعة أكثر توحشاً هناك ولكنها لا تزال بالجمال نفسه».

قلة من الناس الذين عايشوا مرحلة العز في قصر السعديات تتذكر أو تعرف حكايته. لكن مجرد ذكر إسم قصر السعديات ترتسم علامات الفرح على وجوه عايشت مرحلة إقامة الرئيس كميل شمعون وزوجته زلفا في القصر، حيث تحول إلى مقر للزعامة المسيحية وملجأ عز وكرامة لطالبيها. ووراء تلك الإبتسامة غصّة سطّرتها فصول نهاية القصر بعد خروج الرئيس شمعون منه في 20 كانون الثاني 1976 حيث تحول إلى ملاذ آمن للأطفال والنساء والشيوخ الذين هربوا من جحيم مجازر الدامور التي فتكت بالبشر والحجر.

عضو المجلس السياسي في حزب الوطنيين الأحرار والأستاذ الجامعي والثانوي في اللغة العربية الدكتور الياس رزق لا يزال يحتفظ في ذاكرته بحكايات سمعها من والده المختار يوسف رزق عن قصر السعديات ومن مشاهد زياراته إليه مع والده  في مناسبات إجتماعية ووطنية.

«بعد انتهاء ولايته في 22-9-1958، قرر الرئيس كميل شمعون أن يشيّد منزلا له. ووقع إختياره على منطقة السعديات موطئ قدم والده نمر شمعون الذي كان يصطحبه إلى تلك البلدة المتكئة على شاطئ البحر المتوسط خلال رحلات الصيد. وانتقل هذا الشغف إلى قلب إبنه الرئيس كميل شمعون. يومها لم يكن هناك أوتوستراد يصل العاصمة بيروت وضواحيها بمحافظة الجنوب. وكان الوصول إلى بلدة السعديات يقتصر على طريق صيدا القديمة.

الوصول إلى قصر السعديات لم يكن يحتاج إلى أي دليل أو الإستفسار عن الطريق المؤدية إليه. فمجرد رؤية أرتال سيارات متوقفة على جانبي الطريق كان كافيًا للوصول إلى بوابة القصر حيث يتولى عنصران من الدرك تأمين الحراسة وكانت هناك غرفة لعناصر الحرس سُمِّيت فيما بعد بقلعة النمور.

الوصول إلى بوابة القصر الداخلية يفترض إجتياز ممر من الحدائق ودرج الورد الذي نحتته السيدة الأولى بأناملها وذوقها الرفيع. وكانت تتولى الإشراف على الحدائق والإعتناء بالزهور والنباتات شخصيًا.

تجتاز البوابة حيث البهو الكبير الذي كان يستقبل فيه الرئيس شمعون زواره وكانت جدرانه مغطاة بالسجاد العجمي وهدايا وتحف ثمينة من رؤساء الدول والملوك والسفراء الذين كانوا يؤمون القصر إضافة إلى بنادق الصيد وأسلحة قديمة. ويروي د. رزق أن السيدة زلفا كانت تشرف شخصيًا على أصول الضيافة وتتولاها بمعاونة مرافقين إثنين تابعين للرئيس كميل شمعون من بينهما الشهيد نعيم بردقان الذي استشهد على جسر الدامور خلال إشتباك حصل مع مسلحين. وكانت تحرص السيدة الأولى على مرافقة زوجات الرؤساء والزعماء في جولة على حدائق القصر ولا تستثني حتى النساء اللواتي كن يزرنها لغايات إجتماعية أو إنسانية. «كانت مثالاً في التواضع والرقي في تعاملها وكانت تتميّز بحسها الإنساني وذوقها في اختيار الأثاث وتنسيق الحدائق، إضافة إلى دورها في مجالات الخدمات الإجتماعية والمحطات الثقافية والسياحية».

لم تخفت هيبة ذاك المارد الذي وقف في وجه أعاصير التدخلات الخارجية والرياح الناصرية والعروبية بصدر من صخر. وبقيت صورة ذاك العملاق في السياسة والكبير في زعامته تطبع شخصيته بعد خروجه من قصر القنطاري في آخر يوم من ولايته الرئاسية. كلمته كانت كلمة وقراره واحد وكان يرفض مسايرة أحد. ويقول الدكتور رزق: «تأثرت بشخصية الرئيس شمعون منذ نعومة أظافري، وعندما بلغت سن الثامنة عشرة إنتسبت إلى حزب الوطنيين الأحرار وأنا اليوم عضو في المجلس السياسي للحزب». ويروي: «عام 1968 كانت انتخابات الحلف الثلاثي في أوجها وتحول قصر السعديات إلى خلية نحل، خصوصا أن الخلاف السياسي كان على أوجه بين الرئيس شمعون والراحل كمال جنبلاط. وسط هذه الأجواء قام وفد من المخاتير ومن بينهم والدي المختار يوسف رزق بزيارة إلى قصر السعديات وكانت هناك وفود من كل الشوف. كانت الجلسة نارية والنقاشات لا تخلو من الحدية. فجأة وقف أحد الحاضرين وكان على درجة من الإنفعال وتفوّه بكلمة نابية عند ذكر إسم الزعيم كمال جنبلاط. عندها وقف الرئيس شمعون وساد صمت مدقع في الصالة. نظر في عيني الرجل وتوجه إليه قائلا: «أنا نمر، ولا أقبل أن يكون خصمي أقل قدراً مني. استحي من حالك وطلاع من هون فورا».

مع الأيام تحول قصر السعديات إلى مركز حج يؤمّه مؤيدو الرئيس شمعون ومحبوه من أبناء الإقليم والشوف ومن لبنان كله، وكانت الغالبية تطرق أبواب القصر لمقابلة الرئيس شمعون بهدف الحصول على خدمة أو طلبًا لوظيفة. وكان النمر وزوجته يحرصان على إستقبال كل فرد يطرق بابهما ويسعيان لمساعدته بشتى الوسائل. ويقول د. رزق: «لا أذكر أن مدخل قصر السعديات شهد سكوناً أو فراغاً إلا بعد خروج الرئيس شمعون منه في 20 كانون الثاني 1976. فالحشود كانت تؤمّه من كل البلدات، وغالبا ما كنت أرى رجال دين من كل الطوائف ووجهاء المناطق يقفون عند بوابة القصر. هذا عدا عن النساء اللواتي كن يأتين محملات بسلال البيض البلدي واللبن والجبنة والفاكهة من أرضهم وتعبهم».

في الحلف الثلاثي مع بيار الجميل وريمون إده تمكن الرئيس شمعون من التعايش معهما بأعجوبة في الإنتخابات النيابية عام 1968 لمواجهة مفاعيل مرحلة حكم فؤاد شهاب والتنسيق مع جمال عبد الناصر، خصوصا مع صعود العمل الفلسطيني المسلح في لبنان. وبداية السبعينات تحول القصر إلى مقر سياسي حيث كانت تُعقد إجتماعات في حضور زعماء لبنانيين منهم كاظم الخليل وعادل عسيران والأمير مجيد إرسلان وسواهم من نواب الجبل. ومن إحدى المحطات التي يرويها د. رزق أنه عند انتخاب الرئيس سليمان فرنجية عام 1970 وكان للرئيس شمعون والحلف الثلاثي الفضل الأكبر في قلب الطاولة على المكتب الثاني الذي كان يقف في وجه الرئيس فرنجية إمتد خط  السيارات التي جاء أصحابها للتعبير عن دعمهم للرئيس شمعون من السعديات حتى الدامور والجية ورُفِعت يافطات مؤيدة له منها على سبيل المثال: «هاي هيي هاي هيي. شمعون جاب فرنجية».

محاولة الإغتيال التي تعرض لها الرئيس شمعون عام 1968 قرب البيت المركزي لحزب الوطنيين الأحرار في منطقة السوديكو حولت قصر السعديات إلى مركز حج. وشملت صفوف المهنئين كل أطياف البلدات من الشمال إلى الجنوب والجبل لا سيما بعدما عفا الرئيس شمعون عن مطلق النار نبيل عكاري من مدينة طرابلس. حقاً كان زعيمًا سياسيًا ووطنيًا.

بقي كميل شمعون رئيس الظل في عهد سليمان فرنجيه، وخصوصاً في أولى سني الحرب (1975 – 1976)، حيث سكن موقتاً في قصر بعبدا بعد إحتلال الدامور ومغادرته قصره في السعديات على متن طوافة عسكرية. ومن قبل هو رئيس الظل في عهد فؤاد شهاب الذي لم يتردّد في محاصرته وإسقاطه في الانتخابات النيابية عام 1964، لكن الرجل بقي متقدماً في صفوف القيادة والزعامة. ويذكر الشهابيون القدامى أنهم كانوا يطلبون من التلفزيون الرسمي في القداديس التي يحضرها فؤاد شهاب توجيه الكاميرا عليه لتصويره في مقدم الصفوف هو يرسم شارة الصليب بغية إجتذاب المسيحيين الى رئيسهم غير المحبوب. فإذا بها تتوجّه الى الرئيس الفعلي للمسيحيين، أي إلى كميل شمعون حتى لو كان يجلس في المقعد الخلفي. وفي كل استحقاق رئاسي كانت له بصماته. فترشيح الياس سركيس عام 1976 لم يصبح جدياَ إلا بعدما أيّدته «الجبهة اللبنانية» بزعامة كميل شمعون، مع أن سوريا كانت أيّدته قبلها. ولم يكتسب ترشيح بشير الجميل شبه الإجماع المسيحي إلا بعد تلاوة كميل شمعون بنفسه بيان تأييد «الجبهة اللبنانية» لهذا الترشّح بعدما كان يتجه إلى ترشيح نفسه. وبعد اغتيال بشير الجميل عاد مرشحاً ولكنه بفعل المعطيات عاد وانسحب لمصلحة النائب أمين الجميل.

 

على شط السعديات….

19 كانون الأول 1976. في تلك الليلة التي يفترض أن يكون القمر فيها شاهدًا على بشاعة أهل الأرض كان أهالي الدامور والجية يلملمون أشلاء شهدائهم. أصوات الرصاص والقذائف تلعلع هنا وهناك. البحر أمامهم والمسلحون من كل حدب وصوب. لم يدركوا أن «داعشيي» ذاك الزمان كانوا هناك، في أرض المقاومة والصمود وسيكتبون بسلاحهم الأبيض ورصاصات حقدهم تاريخ مجزرة الدامور والجية وتهجير أهلها بعد ساعات.

20 كانون الثاني 1976. دقت ساعة التهجير «يومها تلقينا أوامر من القيادة بلململة كل عتادنا والتوجه نحو السعديات. بتذكر إنو في راهبة إجت مع رجالين وطلبوا منا إنو نجمّع الأطفال والمسنين والنسوة وناخدن على شاطئ السعديات. هون عرفت إنو سقطت الدامور، وقلت بيني وبين حالي «راحت الدامور» وهيك صار. بس وصلنا ع السعديات اكتشفت إنو المأساة هونيك كانت أكبر. ع شط السعديات كانت المأساة أكبر. أطفال عم بيصرخوا من الخوف من الجوع من البرد. المسنين عم تكتك عظامن تحت حرامات الصوف. ناس بلباس النوم لأنو ما حدا قدر ياخد معو صورة أو أيا قطعة للذكرى. كان المشهد مأساوي.

لا يزال مشهد المنازل التي كانت تتآكلها النيران والأراضي والمحاصيل الزراعية المشتعلة مطبوعًا في ذاكرة الرجل الستيني اليوم. قسم كبير من الأهالي توجهوا نحو قصر السعديات. يومها كان الرئيس شمعون وزيرًا للداخلية. وقسم ثاني راحوا ع قصر آل المكاوي المحاذي لقصر السعديات. يروي د. رزق الذي وقف عند شاطئ السعديات للمرة الأخيرة قبل أن يصعد إلى المركب ومنه إلى الباخرة التي أقلّته وأهالي الدامور والشباب إلى مرفأ حياة نضال جديد. ذاك المركب طبع في ذاكرته صورًا وقصصًا ومشاهد أطفال كانوا يتدافعون للصعود إليه. ثمة من وقع في قعر البحر وأُنقذ. ثمة أهالي أضاعوا أولادهم. وثمة عائلات تفرّقت وعادت لتلتئم على لقاء مغمّس بالدم والدموع على شهيد لا بل قلّ على شهداء أبطال. كنت شوف الولاد هني وعم يوقعوا بالمي بسبب الزحمة والخوف والتدفيش اللي كان يصير. كل واحد كان بدو يخلّص إبنو، بيو، نفسو. بقينا على هذه الحال مدة 48 ساعة وكان إلي حظ إنو إبقى للآخر. ما كنت متخيل إنو راح إترك هالأرض بس الأمور كانت أكبر منا.

 

وصار القصر حكاية

في 18 كانون الثاني 1976 طلب داني شمعون تجهيز فرقة خاصة من النمور في بيروت الشرقية والتوجه بأسرع وقت الى قصر السعديات لأن المعارك إشتدت والحصار يتزايد وكان الرئيس شمعون قد تلقى وعدا من قيادة الجيش بإرسال قوة من فوج المغاوير بقيادة العقيد الركن محمود طي أبو ضرغم.

وصلت قوة الدعم ليلا الى مرفأ الـ ATCL في جونية وكان الشيخ رشيد الخازن في انتظارهم وقد جهز لهم مركبا ليقلهم الى السعديات. وما هي إلا لحظات حتى دارت محركات المركب وانطلق الى عرض البحر.

تلك الليلة كان الطقس عاصفاً وباردًا جدًا والأمواج عاتية حتى في خليج جونية التي لا يهمها هدير البحر. ما أن انطلق المركب وأصبح في عرض البحر حتى تعطل أحد محركيه  قبالة رأس بيروت. وكان الفلسطينيون والمرابطون وسائر فصائل القوات المشتركة قد سمعوا نداء داني شمعون عبر اللاسلكي فاستعدوا لذلك وبدأوا بمراقبة البحر في انتظار مرور المركب. وما أن وصل المركب إلى عرض البحر حتى بدأ الرصاص ينهمر كزخات المطر المتساقط من السماء ما اضطر الربان الى المناورة قدر المستطاع لتفادي الإصابة بالنيران التي تطلق باتجاهه من الشاطئ المقابل. واستمرت رحلة المركب بمحرك واحد وسط الأمواج المتلاطمة حتى بلغ شاطئ السعديات مع بزوغ فجر يوم 19 كانون الثاني 1976.

في قصر السعديات كان المشهد مأساويا. نساء، شيوخ وأطفال وصلوا إلى القصر هربًا من المذابح. شق المقاتلون طريقهم بين الأهالي واتجهوا الى حيث كانت تنتشر قوة من نمور الأحرار في محيط القصر وانضمت فصيلة المقاتلين الآتية من عين الرمانة إليهم.

الرئيس شمعون يتنقل بين الأهالي ويحاول طمأنتهم قدر المستطاع كي لا تخرج الأمور عن طورها وتدب الفوضى ما يؤدي الى كارثة. بعد وضع خطة للدفاع عن القصر والأهالي الموجودين في داخله، دخل الرئيس شمعون فوقفوا جميعا إحتراما له فبادرهم بالقول: «لا لزوم للرسميات ولا لشرح الوضع. الأهالي أمانة في أعناقنا. قد نعود لنلتقي أو لا نلتقي. لكن المهم أن لا يبقى أحد منا على قيد الحياة ليشاهد ذبح أهلنا أمام عيوننا».

وروى أمامهم قصة مفادها: «في اليونان القديمة هاجم الفرس بجيش عظيم الأراضي اليونانية بهدف إحتلالها وتحويل أهلها إلى عبيد. لكن لم يتوقع  الفرس بجيشهم أن تتصدى لهم فرقة مقاتلين محترفين من مدينة إسبارطة قوامها ثلاثمائة رجل وتعرقل تقدمهم مانحة أهل اليونان الوقت الثمين لتحضير أنفسهم للمواجهة… وانتهت المعركة أخيرا بموت جميع مقاتلي إسبارطة واجتاز موقعهم الجيش الفارسي ودخل الى اليونان واحتل الأراضي ومن ثم عاد وانهزم وطواه النسيان. لكن التاريخ لا يزال حتى اليوم  يشيد ببطولة المقاتلين السبارطيين ويخلّد ذكراهم وتضحياتهم لإنقاذ أهلهم والدفاع عن أرضهم. وأنا لا أراكم أقل منهم شأنا. فأنتم اليوم ستصنعون التاريخ، فمقاتلو إسبارطة ليسوا أهم من نمور لبنان. الله يرد عنكن ويحميكن. وقبل أن يغادر الغرفة حيث كان اللقاء مع المقاتلين أدى لهم التحية وعاد الى حيث يتجمع الأهالي.

ليل 19كانون الثاني 1976 بدأ الهجوم الكبير من قبل الفلسطينيين بعد إشتباكات متفرقة نهارًا. واستغل المسلحون غطاء الظلام لإخفاء تقدمهم عن المدافعين عن القصر ومحيطه، واستمرت المعركة وأخذت تزداد شراسة والفلسطينيون يتقدمون حتى وصلوا الى شجر الخروب خارج القصر على الطريق العام ونفذت تماما الذخيرة من المدافعين عن القصر ولم يتبق معهم إلا مسدساتهم ليواجهوا فيها المهاجمين.

ومع بزوغ فجر 20 كانون الثاني 1976، وبعد ليل طويل من جحيم المعارك، تسلل ثلاثة مقاتلين فلسطينيين الى داخل القصر بعد أن قفزوا من فوق السور المحيط به فتصدى لهم المقاتلون وتمت تصفيتهم داخل السور.

في ظل هذا الضعط الكبير عادت قوة من المغاوير وتمكنت من إيصال كمية من الذخيرة الى داخل القصر، واتصل قائد فوج المغاوير آنذاك العقيد طي أبو ضرغم بقيادة الجيش وطلب منها التفاوض مع منظمة التحرير لإجلاء الأهالي من القصر. فجاء الرد سريعًا ووافقت منظمة التحرير على وقف لإطلاق.

20 كانون الثاني 1976 وصلت طوافة عسكرية تابعة للجيش اللبناني وأقلّت الرئيس كميل شمعون وعددًا من الجرحى من ذوي الحالات الحرجة.

فجر 21 كانون الثاني 1976 خرج داني شمعون من القصر مع الأهالي بعدما نالوا تعهدًا بعدم التعرض للأهالي حتى وصولهم إلى شاطئ السعديات وصعودهم إلى القوارب التي كانت تنتظرهم لنقلهم إلى الباخرة.

ليل 21 كانون الثاني إقتحم المسلحون قصر السعديات وسرقوا محتوياته من ثريات وتحف وتذكارات ولوحات تعود للسيدة زلفا بريشة فنانين عالميين وتم إحراقه لتطوى مع ألسنة النيران الحاقدة حكاية قصر كان شاهدًا على تاريخ آخر العمالقة.

اليوم تحول القصر إلى مركز عسكري تابع للجيش اللبناني لكن ملكيته إنتقلت الى الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي اشتراه من رئيس حزب الوطنيين الأحرار دوري شمعون. ولاحقا باع الرئيس سعد الحريري القصر إلى أحد رجال الأعمال بموجب عقد بيع ويحكى أن قيمة الصفقة بلغت 22 مليون دولار.

منتصف العام 1975 وقف النمر كميل شمعون وكان وزيرًا للداخلية والبريد والبرق والهاتف وللموارد المائية والكهربائية في حكومة الرئيس رشيد كرامي، بأناقته الساحرة عند مدخل القصر الجمهوري، سأل الصحافيين عما عليهم أن يسألوه بلباقته الحادة، حدق بالملايين عبر عدسة الكاميرا، وبعصبيته المدروسة قال: «سنرد بالمدفع على كل رصاصة». كانت تلك إشارة البدء، البدء بمعركة الحرية والسيادة. البدء بالحرب على الأطماع والإحتلالات.

الرابعة والدقيقة الخامسة والعشرون من عصر الجمعة 7 آب 1987 إستسلم قلب المحارب. مات النمر ورحل ليسكن في جوار من ملأت حياته ومخيلته وفكره على مدى 41 عاماً أملاً وحبًا وحضوراً والكثير الكثير من ذكريات العمر. رحل إلى الهدية الأغلى في عمره… زلفا شمعون.

رحل الرئيس كميل شمعون ولم يكن يملك منزلاً أو ثروة «كان في بحسابو مبلغ ما بيتعدى 300 ألف دولار وأسهم شرف في بعض المصارف والشركات». يقول د. رزق: «بعد خروجه من قصر السعديات إستأجر الرئيس كميل شمعون منزلاً في الأشرفية وعاش فيه وحيدًا بعد انتقال زلفا إلى أحضان الآب السماوي».

ويروي نقلا عن مدير أحد المصارف الذي كان يتولى إدارة الشؤون المالية للرئيس شمعون أنه في منتصف الثمانينات بدأ الدولار يرتفع في مقابل إنهيار العملة الوطنية. وكان في حساب الرئيس شمعون مبلغا بقيمة 3 ملايين ليرة لبنانية. وعندما وصل سعر الدولار إلى 100 ليرة نصحه مدير المصرف ومستشاره المالي بتحويل المبلغ الذي يملكه بالليرة اللبنانية إلى الدولار. فرفض الرئيس كميل شمعون وتوجه إليه قائلا: «بُكرا بيقولوا كميل شمعون عم يلعب بالدولار». لكن مدير المصرف لم يتقيّد بتعليمات الرئيس وعمل على تحويل المبلغ من دون العودة إلى النمر. وبحسب المحامي الراحل موسى برنس، فإن ثروة الرئيس شمعون لم تتجاوز الـ300 ألف دولار حتى أنه لم يكن يملك صك ملكية منزل أو فيللا باستثناء قصر السعديات الذي احترق ولم يعد بإسم آل شمعون بعد بيعه.

هي حكاية قصر عاش فيه «آخر العمالقة» كما وصفه الصحافي الراحل غسان تويني، ومعه طويت صفحة «كبير» في تاريخ وطن. وصفحة قصر كان يختصر فيه كميل شمعون معنى الزعامة ومعنى الرئاسة. فعلى مدى 14 عامًا بين 1964 و1976 كان يُحكى عن قصرين في لبنان القصر الجمهوري وقصر السعديات.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل