شو عم يصير بالخيم الزرقا؟

اتكأت السيدة المسنة الى زندها، وجعلت ساعدها مخدة ونامت. ليلتان وهي تنام الى كرسيها في دكانها المخلّع الابواب. “شو قصتك يا تيتا؟” وصورة التيتا اياها شغلت مواقع التواصل الاجتماعي، والتيتا اياها التي تسكن منطقة الجميزة، دُمر منزلها واضطرت البقاء في دكانها كي لا تتعرض للسرقة “ما بقا عنا شي الا هالدكان”. في اليوم الثاني للانفجار، ذهب اليها شاب وعاين الاضرار. وبعد قليل عاد ومعه رفاق وأصلحوا لها ما أمكن “سألتو شو اسمك قلّي رمزي، وما بعرف شي تاني عنو، بعرف انو صلحلي الدكان وفل وبقلو الله يخليك لأهلك”.

الحكاية هناك في ذاك الدمار المروّع، ان كل شاب وصبية اسمهم رمزي ما، اذ ما عادت تهم الاسماء، انما السمات، وسماتهم واحدة، الانسانية. ما عادت رائحة الموت تسكن مساحات الوحشية تلك، بل الحياة. الحياة يا بيروت، والحياة لا يصنعها الا ابناء الحياة، الناس، الشعب الحي العنيد الصامد.

لما تتفقّد ما يجري هناك، وتدخل الخيم الممتدة على مساحات مار مخايل والجميزة وكل الاشرفية، تروح بك الدنيا الى غير عالم فرضه علينا مجرمو السلطة والاحتلال البغيض. عالمنا تحت هو لبنان الحقيقي. عالم السواعد التي تمتد الى سواعد وتنشل بعضها من الركام. لم يمت الانسان في لبنان، بل ماتت السلطة وبعارها الاحتلال. “مسا الانفجار نزلنا ع الارض لنقل الجرحى ونساعد الدفاع المدني والصليب الاحمر، وأطلقنا نداء فوري للتبرع بالدم وبقينا مع المسعفين للأربعة الصبح نفتّش بين الدمار عن جرحى او شهدا، كان الوضع لا يوصف. ضياع وحزن وغضب وجنون الموت وصارت الدني سودا”، قال رئيس مصلحة الطلاب في القوات اللبنانية طوني بدر.

عربش الاجرام على حيطان بيروت، قضم الحياة والارزاق والامل، وكاد ان يصل ليقضم الشمس، الى ان وقف بوجهه شعب عنيد مؤمن لا يستسلم، شعب من تحت تحت الردم، ينتفض لينقذ حاله وينقذ ارض الشمس والقمر “من نهار الاربعا بلشنا نقسّم حالنا على الخيم، وبالتعاون مع منسقية بيروت توزعنا لمسح الاضرار وازالة الركام بكل المناطق المنكوبة بوقت توزّع نحو 30 متطوع ع البيوت والمؤسسات المتضررة وكان معنا ممرضين وصيادلة احتياطا بلكي لقينا مصابين تحت الركام، وبلشنا نوزع حصص غذائية ومي للشرب على اكتر من 600 بيت”، يقول بدر من خيمة كبيرة نصبت للغاية في منطقة مار مخايل مقابل شركة كهرباء لبنان.

في الحي المذكور خيم كثيرة زُرعت، وجمعيات مجتمع مدني ومؤسسات كنسية، وتحديدا كاريتاس، تحاول قدر الامكان مد يد المساعدة. تحت، ليست ورش اعادة اعمار الحجر، انما ورش اعادة بناء الانسانية التي عجز عن تدميرها حتى اللحظة كل ذاك الارهاب المتحكّم بمفاصل لبنان، والذي رغم جبروته وقف عاجزا امام عظمة الشعب وحماسه وعناده لإنقاذ الارض من كل تلك الانياب الدموية.

“لأني باللجنة المركزية للي أنشأها رئيس حزب القوات سمير جعجع لتلقي طلبات المساعدة، قسّمنا الخيمة لأربع طاولات. طاولة لأخذ طلبات نقل ردميات وما شابه، طاولة لاستلام التبرعات، طاولة لإدارة توزيع المواد الغذائية، وطاولة لإدارة المتطوعين من شباب وصبايا القوات وكل الاخرين للي بيحبوا ينضموا لهالورشة، كل هدفنا نكون عم نساعد هالمنكوبين قدر المستطاع. ما فينا نجترح اعاجيب اكيد، بس فينا نعمل فارق كبير من خلال المساعدة، ونرجّع هيك الامل لـ ناس فقدت كل شي بس بتشكر ربها انو بعدها عايشة مع ولادها وبعد في بالبلد نخوة”.

لا تهدأ الطلبات في الخيمة الزرقاء الطويلة، كما لا تهدأ في كل تلك الخيم الممتدة على مساحة المكان المنكوب. هناك يسكن الله بطرق مختلفة “بليز دلّونا وين بدنا نروح، جايين من زغرتا 15 شب وصبية وبدنا نساعد، وين منروح”، ندهت صبية جميلة تحمل كل عتادها مع رفاقها، وعتادهم مكانس ورفوش “تفضلوا رح اعطيكن لائحة بعناوين بيوت بالجميزة محتاجين لرفع ردميات”، قال لهم طوني، اخذوا العناوين وذهبوا ببسمتهم الحياة ليزرعوا حياة حيث انغرز الدمار.

“بيروت كلها ردم، بيروت مجرّحة ومش رح تهتم لاي طائفة او حزب بينتمي لـ مد ايدو للمساعدة، لذلك كانت التعليمات واضحة بالا نضع اي شعارات تدل على حزب القوات اللبنانية، مش جايين نشتغل سياسة جايين نساعد الناس بما نملكه من قدرات وما بدنا لا مقابل ولا حتى اي شكر، لـ عم نعملو هو احساس وطني انساني بحت، والناس كتير متعاونة معنا الحمدلله، والجريح ما بيسأل انت مين، انما بيمد ايدو للايد لـ بتساعدو وبس نفل بيقولوا يخليكن لاهاليكن، وهيدي دعوى بتسوا دني”، يقول طوني.

ليل نهار يعمل المتطوعون في الشوارع المنكوبة. متطوعون شباب يفعلون ما يجب ان تفعله اساسا تلك الدولة البائسة ولا تفعله “نحنا كطلاب تعلمنا بمدرسة القوات انو نكون امام مجتمعنا بكل محنه، طلابنا بينزلوا بيساعدوا وما بيسألوا، ليل نهار نحنا هون، مع كل هالخيم ومئات المتطوعين لـ برهنوا انو شعب لبنان عن جد شعب عظيم وما بيموت”.

تترك المكان وثمة شعور هيك بشوية خجل، مش عيب فل وما احمل مكنسة ونضف مدينتي قلبي لبناني؟ وهرعت اليهم اطلب مكنسة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل