شمعون والنضال: قصة السجين الذي صار رئيسًا -1

“المسيرة” – أنطوان خويري – من كتاب “كميل شمعون في تاريخ لبنان” – العدد 1708

شمعون والنضال الوطني والسياسي:

قصة السجين الذي صار رئيسًا (1)

إستهوت السياسة كميل شمعون، منذ حداثته. وما ان أعلن المفوّض السامي الفرنسي هنري دي جوفنيل، خليفة الجنرال سراي في 13 أيار سنة 1926 لبنان جمهورية دستورية تتمتع بهيئاتها التشريعية وحكومتها التي تجسد الإرادة الوطنية، حتى بدأ كميل شمعون يستعد لجولة سياسية بارزة. ورأى في الإنتخابات التي جرت عام 1929 فرصته الأولى (وهي الإنتخابات التي جرت على أساس أن الذكور الذين بلغوا الواحدة والعشرين مؤهلون لاختيار مندوبين ينتخبون، بدورهم، نائبهم في المجلس. وكان كل 250 مواطنا يمثلهم مندوب واحد)، وفاز شمعون بعد معركة عنيفة باسم غالبية سكان دير القمر التي كانت تناوئ عائلات قديمة، وأشرع له ذلك الفوز الباب رحبًا في خوض جميع المعارك الإنتخابية، والوصول فيما بعد الى رئاسة الجمهورية.

وفي سنة 1934 إشترك في لائحة إنتخابات جبل لبنان منافسًا جورج عقل، وانتُخب نائبًا في الدورة الأولى، معتمدًا على صداقات والده، ومنصب شقيقه في مديرية الأشغال العامة، ومنصب خاله أوغست باشا أديب كأمين عام للدولة. وفي هذه الحقبة يروي في كتابه «مذكراتي» الصادر في بيروت سنة 1969 ص 11، فيقول: «كنا قد انتخبنا شارل دباس رئيسًا لمجلس النواب بعد تعيينه نائبًا، من دون أن نفطن الى أن الجفاء مستحكم بينه وبين الكونت دي مارتل، مما أهاب بخصومنا السياسيين الى إيهام المفوض السامي بأننا تعمّدنا مناصرة رئيس المجلس تحديًا له، لذلك عزمنا في اجتماع عقدناه في منزل الشيخ بشارة الخوري، على تبديد الإتهامات ومصارحة المفوض السامي بمطالبنا، وقابلناه: ميشال زكور، الشيخ فريد الخازن، وأنا، في جو بدأ عاصفاً ثم استحال هادئاً تخلّلته مناقشة منطقية للنقاط الأساسية التي انطوت عليها مذكرتنا، وهي: عودة لبنان الى الحياة الدستورية والنيابية، إلغاء الإنتداب، الإعتراف بسيادة لبنان وعقد معاهدة صداقة مع فرنسا. منذ ذلك الحين وُلدت «الكتلة الدستورية» التي حققت منجزات رائعة. وما لبث عددنا أن ارتفع بسرعة، فانضم إلينا الأمير مجيد إرسلان وحميد فرنجية وصبري حمادة وسليم تقلا، وبعد ستة أسابيع الشيخ بشارة الخوري».

 

الكتلة الدستورية

ويقول الرئيس شمعون في حديثه الى إذاعة صوت لبنان: «وبعد إنضمام الشيخ بشارة الخوري الى الكتلة الدستورية، ترأسها، وبدأ ينهج سياسة الحذر والترقّب الى درجة الخوف… وأن الذي أطلق على كتلتنا إسم «الكتلة الدستورية» هو ميشال زكور. ويُمكن القول إن مجلس النواب أنتج بفعالية طوال مدة السنتين (1934 ـ 1936) أكثر من أي مجلس آخر، وذلك بسبب تضامننا المتين واستلامنا زمام الأمور الى حد أننا ما كنا نقوله أو نفعله يؤيدنا فيه الجميع. وفزت مرة أخرى في انتخابات العام 1937، بالرغم من تدخل المفوض السامي الفرنسي وإعطاء أكثرية المرشحين للنيابة الى حزب إميل إده «الكتلة الوطنية»، فسكتنا على مضض. وفي العام 1938، تسلّمت وزارة المال، ثم عُيِّنت بعد مدة وزيرًا للأشغال العامة. ولم يعش المجلس النيابي الجديد طويلاً، فما أن أُعلنت الحرب العالمية الثانية في أول أيلول سنة 1939، حتى علّق المفوض السامي الدستور وحلّ مجلس النواب بموجب سلطاته المطلقة.

ومن العام 1939 حتى مطلع العام 1943، شهد لبنان حكومات غير طبيعية كانت تُشكّل بقرار يصدر عن المفوض السامي، ولا تتمتع بأية سلطة فعلية وتخضع لإرادة ممثل فرنسا الحرة المطلقة. وبعد إجتماعات متكررة ما بين كميل شمعون وبعض أعضاء الكتلة الدستورية والجنرال سبيرس ممثل الحكومة البريطانية، ومطالبته تنفيذ الوعد البريطاني بتأكيد إستقلال لبنان، تم الإتفاق مع السلطات الفرنسية على إجراء الإنتخابات النيابية في شهر آب 1943، واتخذت البعثة العامة لفرنسا الحرة قرارًا حدّدت بموجبه نسبة التمثيل في مجلس النواب بمعدل ستة مقاعد للمسيحيين وخمسة للمحمديين. وارتدت إنتخابات 1943 النيابية طابع العنف لأن المفوضية الفرنسية ألقت بثقلها في المعركة لتُساند مرشحيها، خصوصًا في جبل لبنان، وفاز كميل شمعون بمفرده في الدورة الأولى من اللائحة الدستورية التي كانت مؤلفة من سبعة عشر مرشحًا، بينما فاز ستة مرشحين من اللائحة المنافسة، ووقع «بالوتاج» ما بين الخصمين الرئيسيين التقليديين: إميل إده وبشارة الخوري. ولكن في الدورة الثانية عاد وفاز بشارة الخوري وخمسة من أصدقائه، كما فاز إميل إده وبعض أنصاره».

ويُتابع شمعون في حديثه الى إذاعة «صوت لبنان»: «إن موقف إميل إده من الإستقلال لم يكن واضحًا، وكان موقفه يميل دائمًا الى الموقف الفرنسي، وكان يريد كبشارة الخوري الوصول الى رئاسة الجمهورية…». ولما أخفق في اكتساب غالبية نيابية تسانده، أقدم على خطوة لم يعرف كيف يكملها. فأبلغ الجنرال سبيرس، رغبة منه في توفير الإجماع لرئيس الجمهورية الجديد، موافقته على سحب ترشيحه شرط أن ينسحب الشيخ بشارة الخوري بدوره من المعركة، واقترح ثلاثة أسماء لاختيار أحدهم رئيسًا للجمهورية: الخوري وإده وشمعون، فوافق بشارة الخوري على ترشيح كميل شمعون كحل للمشكلة، ونام شمعون ليلة رئيسًا للجمهورية. ولما كان ذلك الإتفاق شفويًا وغير مكتوب، فقد حاول شمعون في اليوم التالي أن يكون الإتفاق خطيًا، وراح مع هنري فرعون يبحث عن إميل إده ليلاً في عاليه وصوفر طالبًا منه توقيعًا خطيًا على الإتفاق المذكور، فلم يجداه.

وفي طريق العودة الى بيروت تعطّلت بهما السيارة في محلة «الناصرة»، ونزل شمعون وفرعون يعاونان السائق في شدها و»دفشها»، وحبكت النكتة مع شمعون فقال: «ملاّ رؤسا جمهوريات، بآخر الليل عم يجرّو سيارات». ويقول شمعون: «… ووصلنا في آخر الليل الى منزل إميل إده في بيروت، فوجدناه قد غيّر رأيه، وهكذا لمّا قبل بي الخوري لم يقبل بي إده بسبب رفض البعثة العامة لفرنسا الحرة إقتراح ترشيحي للرئاسة. وتوجهنا الى منزل بشارة الخوري حيث كان أعضاء الكتلة الدستورية وعدد من النواب يعقدون إجتماعًا، فأبلغني الشيخ بشارة رغبته في متابعة دعم ترشيحي، فشكرته على موقفه وأكدت تأييدي التام له، ونصحته بأن يوهم البعثة الفرنسية التي اتصلت به هاتفيًا، بأنني ما أزال مرشح «الكتلة» الوحيد (لأن الفرنسيين يفضلون الشيطان عليّ)، وكانت ردة الفعل عند الفرنسيين، عدولهم عن دعم ترشيح إده والطلب الى بشارة الخوري أن يكون المرشح الوحيد لانتخابات الرئاسة. وهكذا نجح ذلك السيناريو».

إنتُخب بشارة الخوري رئيسًا للجمهورية، وعهد بمهمة تشكيل الحكومة الى رياض الصلح، وتسلّم شمعون وزارة الداخلية، ووضعت الوزارة بيانها راسمة سياسة لبنان المستقبل. وقال رياض الصلح عبارته الشهيرة: «لبنان لن يكون للإستعمار ممرًا ولا مقرًا»، كما قال: «لبنان ذو وجه عربي». وما أن استتب الأمر للحكومة الجديدة، حتى فتحت باب المفاوضات مع المفوض السامي الفرنسي جان هللو لإنهاء الإنتداب نهاية فعلية، وباشر مجلس النواب مناقشة مشروع قرار خاص ينص على التعديلات الدستورية المقترحة، فأقره بالإجماع في غياب إميل إده. وقضت التعديلات الجديدة بإلغاء كل إشارة الى الإنتداب في الدستور، وإثبات سيادة لبنان الوطنية، وإبطال إعتبار اللغة الفرنسية لغة رسمية ثانية، وعلى الفور وقّعها رئيس الجمهورية بإمضائه، فنُشرت في الجريدة الرسمية في اليوم التالي، قبل أن تتمكن السلطات الفرنسية من تقديم أي إعتراض عليها. وبدأت المواجهة ما بين اللبنانيين والفرنسيين.

وبعد ذلك، يروي كميل شمعون في كتابه «مذكراتي» ص 27 ـ 28 ـ 29 ما جرى له ليلة تشرين الثاني 1943، بعدما توترت العلاقات مع السلطات الفرنسية إثر تعديل الدستور، فيقول: «في المساء قمت بزيارة رئيس الجمهورية، ثم عدت الى منزلي حيث كان ينتظرني بعض الأصدقاء ليقفوا على آخر الأنباء»، وآويت الى سريري. وما أن أذنت الساعة الرابعة صباحًا، حتى أفاق شقيقي فؤاد، الذي يرقد في غرفة تُطل على الشارع العام، على جلبة تنبعث من الطريق، وشاهد جنودًا ببزاتهم العسكرية ورجالاً تابعين للأمن العام يتجهون بسرعة الى مدخل المنزل. فحضر بسرعة الى غرفتي ليُبلغني ذلك. فأدركت، على الفور، حقيقة الأمر، ودعوته الى إلهائهم ريثما أرتدي ثيابي في الغرفة المجاورة. وما لبث الجنود أن اقتحموا المدخل الرئيسي بقوة وكادوا أن يحطموا بضرباتهم المتكررة الباب الداخلي. ففتحت زوجتي الباب لتجد نفسها محاطة بعشرين جنديًا شهروا حرابهم ودخلوا القاعة الرئيسية يتقدمهم قائدهم، فسألتهم: ماذا تريدون؟ أجاب القائد: نريد الأستاذ شمعون. أين الأستاذ شمعون؟ قالت زوجتي: إنه في المنزل، وعليكم أن تجدوه. وبينما كنت أوشك على الإنتهاء من إرتداء ملابسي دخل الكابتن جان غرفتي يتبعه ستة جنود سدّدوا حرابهم إلى صدري، وسألني: هل أنت الأستاذ شمعون؟ هل أنت وزير الداخلية؟ قلت: نعم. قال: أود أن أتلو عليك خلاصة القرار الذي اتخذه الممثل العام لفرنسا الحرة بإلغاء الدستور وإلقاء القبض عليك. وكانت الوثائق تحمل توقيع جان هللو. فابتسمت، وأشعلت سيكارة وقدمت أخرى الى الكابتن جان. ثم حلّ دور القهوة التقليدية. لكن الكابتن تردد في قبولها، فألححت عليه مؤكدًا أن إحتساءها لا يلزمه بشيء، وإني مستعد لمرافقته. وساد الجو لحظة من سكون، ثم أمر بإبعاد الحراب عن صدري وهمس في أذني: «الى قلعة راشيا». فطلبت من زوجتي، حينئذ، أن تحشو حقائبي بثياب الشتاء الدافئة. وانطلقنا في الساعة الرابعة والنصف، أستعيد على مسمع الضابط بعض الذكريات التاريخية وأسرد قصصًا شيّقة من الأدب الفرنسي لأُبدّد كل ملل أو سأم قد يسود الرحلة. ويبدو أن حديثي خلّف أثرًا طيبًا في نفس الضابط، فاطمأن إليّ وصارحني بأنني لست الشخص الوحيد المعتقل. فموجة الإعتقالات شملت رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزراء آخرين، فأجبته: «حسناً فعلتم. فالحكومة ستجتمع في راشيا بدلاً من بيروت».

 

في قلعة راشيا

«وما أن بلغنا آخر منعطف يؤدي الى قلعة راشيا، حتى لحقنا بسيارة تُقلّ رئيس الجمهورية. ووصلت السيارتان في آن واحد الى مدخل القلعة. فألقيت على رئيس الجمهورية نظرة ثم لزمت الصمت. ولاحظت أنه يحافظ على هدوئه ورباطة جأشه وأنفته، بالرغم من الشحوب الذي ساد قسمات وجهه. ولم تمضِ لحظات حتى فُتح باب القلعة ثم أُقفل علينا، لنجد أن رئيس الوزراء قد سبقنا الى القلعة، حيث شهد الحادث الطريف التالي:

«حرصًا على أن يُحاط إعتقالنا ونقلنا الى راشيا بسرية مطلقة، لم تُنبئ السلطات الفرنسية أحدًا بالأمر، حتى ملازم الدرك الفرنسي المسؤول عن القلعة. وعندما قرع الحارس الباب معلناً أنه يُرافق رئيس حكومة لبنان، حسب الملازم الفرنسي أن رئيس الحكومة يقوم بجولة تفتيشية على مراكز الحدود، فراح يعتذر عن إضطراره لاستقباله بثياب النوم. لكن اعتذاره وأدبه تحوّلا الى فظاظة وخشونة بعدما أُفهم بأنه يستقبل رئيسًا للحكومة معتقلاً».

وما لبث سليم تقلا وعادل عسيران أن وصلا، بعدما دُوهمت منازلهما أيضًا في الساعة الرابعة صباحًا ونُقلا بوحشية وسوء معاملة الى القلعة.

أُودع رئيس الجمهورية في غرفة، ورئيس الوزراء في آخرى، بينما أُفردت لسليم تقلا وعادل عسيران ولي غرفة ثالثة تُشرف على

الساحة الداخلية والمدخل، وتضم أربعة أسرّة، وكان السؤال من هو المعتقل الآخر، ولمن سيكون السرير الرابع؟

وفي الساعة التاسعة صباحًا لاح عند الباب خيال إنسان نحيل أبيض يسير برأس شامخ يتحدى علامات الإرهاق التي كانت تبدو عليه. ولم نعرفه إلا بعدما توسّط الساحة الداخلية، إنه عبد الحميد كرامي. كان يسير بين حراسه، بقدمين عاريتين، يقتعد جبينه جرح نزف منه الدم ويرتدي قميصًا وسروالاً أبيض ويرتعش من الصقيع. فعكفت على تنظيف جرحه وألبسته بعض ثيابي الدافئة. ثم أخبرنا كيف اقتحمت فرقة سنغالية منزله الكائن في قرية مرياطة، قرب طرابلس، يعاونها فريق من رجال الأمن العام، وانتشلته من سريره ونقلته الى راشيا عن طريق حمص ـ بعلبك ـ رياق، خشية أن تتعرّض لأية عقبات أو متاعب، ومن دون أن تأذن له بارتداء ملابسه».

ويروي الرئيس شمعون فيقول: «لو كنت رسامًا، لرسمتُ عبد الحميد كرامي وهو على تلك الصورة، وما يتخايله أي رسام في «الكرامة المعذبة». ولما سألت عبد الحميد كرامي: معك ثياب؟ أجابني: وهل تركوا هم لي مجالاً لأرتدي ثيابي، فإن «وجبة أسناني» لم أحملها معي. أنظر كيف أتوا بي من فراشي في لباس النوم، بعدما حملوني بالقوة الى السيارة وهم يشبعوني ضربًا ولكمًا. فأعطيته «طقمًا» من عندي، وكان فاتحة خير، لأنه منذ ذلك الحين بدأ يرتدي «الطقم الفرنجي». وكوّنت تلك المناسبة صداقة متينة جدًا ما بين عبد الحميد كرامي وبيني…

ومر اليوم الأول، وبدأ بعض الذين كانوا يخدموننا في القلعة ينقلون إلينا أخبار ما يجري في البلاد. وأصبحوا كلما حملوا لنا الطعام أو إبريق الماء من وقت الى آخر، يحملون معهم ورقة كُتب فيها المزيد من الأخبار عن التطورات الجارية في بيروت وبشامون… ونشاط النواب وزعماء الأحزاب والهيئات المختلفة… ولكن الليل كان ثقيلاً جدًا علينا، ولم نكن نستطيع النوم، أولا بسبب القلق على الحالة العامة، وثانيا بسبب البرد من جهة، وشخير سليم تقلا من جهة ثانية. فكل الناس تشخر «مرة بالطالع أو مرة بالنازل». ولما كان عبد الحميد كرامي «نرفوزًا» وعصبيًا جدًا، كان نومه قليلاً، فيروح يسألني: «كيف بدّنا ننام يا كميل، نْكَعُو شي نَكْعة من حدّك. وانْكَعه بدل النَكْعة نَكْعتين»، فيقلب سليم من ميل الى ميل، فنرتاح قليلًا، ثم يعود الى الشخير».

وهكذا في مدة ثلاثة أيام لم نستطع أن ننام ساعة واحدة، الى أن كانت الليلة الأخيرة، ونحن في جو من القلق والحيرة والتساؤل هل يُفرج عنا أو نبقى سجناء؟ نبقى في البلاد أو نتعرّض للنفي؟ وسألني كرامي: «شو يا كميل بدّنا ننام. وسليم هيئتو بلّش بالشخير. رحْ تْداويه أو ما رحْ تْداويه؟»، فأجبته: «لا. طمّن بالك رحْ داويه». ونَكْعت سليم نَكْعتين تْلاتي قْوايا»، فهبّ سليم من نومه مذعورًا، وسألني: «شو في يا كميل؟ شوفي؟»، فقلت له: لا أعرف القصة تمامًا، إنما تلقينا خبرًا يُفيد بأن الفرنسيين قرروا نقلنا من هنا، خوفاً من أن يأتي إلينا البريطانيون وينقلوننا الى مكان آخر ثم يُطلقون سراحنا. وقد قرر الفرنسيون نقلنا الى الجزائر. ويظهر أن هناك حركة أخرى في الخارج تعمل على خطفنا الى مكان مجهول». فسألني: «وهل تأكدت من هذه الأخبار؟» فأجبته: «هذا ما أبلغنا به الخدم الذين ينقلون إلينا كل خبر». فنهض يتمشّى، ورقدنا نحن في تلك الليلة نتمتع بنوم طويل، وسليم تقلا قضى ليله ساهرًا يُفكر بالمصير…».

وفي هذه الأثناء، كان المفوض السامي هللو قد أصدر جملة قرارات تقضي بتعليق العمل في الدستور، وحلّ مجلس النواب، وتعيين إميل إده رئيسًا للدولة. وهبّ الشعب اللبناني على اختلاف طوائفه بقيادة حزبي «الكتائب» و»النجّادة»، فنظم إضرابًا شاملاً في البلاد، وقامت تظاهرات شعبية إشتركت فيها المرأة اللبنانية للمرة الأولى، ولجأ الوزيران حبيب أبو شهلا ومجيد إرسلان اللذان نجيا من الإعتقال الى قرية بشامون حيث أعلنا أنهما يُمثلان الحكومة الشرعية في البلاد، ثم لحق بهما صبري حماده ونعيم مغبغب وفوزي طرابلسي… وفي بيروت تابع مجلس النواب المنحلّ عقد جلساته في البيوت الخاصة، واعترف بشرعية حكومة بشامون، وألغى العلم اللبناني القديم وتم إستبداله بعلم الإستقلال الجديد. وأمام هذه الإرادة الوطنية، إضطُر الفرنسيون الى تغيير سياستهم وكانت بريطانيا والولايات المتحدة تحثانهم على ذلك. وفي 17 تشرين الثاني، وصل الى بيروت موفد حكومة الجزائر الجنرال كاترو لمعالجة الموقف، فأُقيل هللو من منصبه فورًا، وأُفرج عن رئيس الجمهورية وسائر المعتقلين في راشيا في 22 تشرين الثاني 1943، وعادوا الى بيروت في مهرجان وطني كبير.

وفي غمرة هذا النضال الإستقلالي، وُلد الميثاق الوطني ليُوحّد ما بين اللبنانيين على اختلاف طوائفهم ونزعاتهم، وأكدت الإرادة الوطنية النابعة من وحدة اللبنانيين وتوافقهم على نيل الإستقلال والإبتعاد عن سياسة الشرق والغرب. وتم الإتفاق على «الميثاق الوطني» غير المكتوب، على أن تكون رئاسة الجمهورية للمسيحيين ورئاسة الحكومة للمسلمين، ووافق الجميع على توزيع عدد النواب بنسبة ستة مقاعد للمسيحيين وخمسة للمحمديين كما ذكرنا سابقاً.

وهكذا إلتفّ جميع اللبنانيين حول العهد الإستقلالي الأول، ووافق لبنان على أن ينضم، من خلال سيادته المطلقة، الى مجموعة الدول العربية، فوقّع إتفاق الإسكندرية سنة 1944، وتعهدت الدول العربية الموقّعة على هذا الإتفاق (سوريا، وشرق الأردن، والعراق، ومصر، ولبنان) باحترام سيادة لبنان وكيانه ضمن حدوده القائمة. ثم وقّع لبنان «ميثاق الأمم المتحدة» كعضو مؤسّس سنة 1946.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل