كميل شمعون بقلم طبيبه

“المسيرة” – الدكتور زيدان كرم – من كتاب “كميل شمعون بقلم طبيبه” – العدد 1708

كميل شمعون بقلم طبيبه
قصة اللقاء الأول: قلب النمر

 

عندما قررت أن أكتب سيرة حياة الرئيس كميل نمر شمعون لم يكن مُرادي أن أكتب تاريخ لبنان في هذه الحقبة من الزمن، فهذا من شأن المؤرّخين. أما أنا، فأردت بذل جهدي لإعادة إحياء ذكرى رجل عاصرته لمدة إثني عشر عامًا.
إستطاع الرئيس شمعون، من خلال شخصيته الفريدة والإستثنائية أن يبرز على الساحة السياسية اللبنانية والعربية خلال فترة طويلة من القرن العشرين: نجح في صون إستقلال لبنان وسيادته والحفاظ على كرامة شعبه. كما عرف وطننا خلال فترة حكمه إنتعاشًا اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا قلّ نظيره.
منذ رأيته للمرة الأولى، شعرت بأن هذ الرجل لم يكن عاديًا ولن يمرّ مرور الكرام في وطنه. وعندما تعرفت عليه أكثر، علمت أن هذه الشخصية الفذّة ستترك أثرًا كبيرًا في الحياة السياسية، وأن في إطلالته سحرًا لا يُقاوم وفي نظرته الثاقبة إرادة وعزم وإقدام لا نجدها إلا في الرجال الأبطال الذين، وحدهم، يكتبون تاريخ الأمم.
هو لم يرحل عنا، بل احتلّ في أفئدتنا مكانة لن يتمكن أحد من منازعته عليها نتيجة لما آل إليه هذا الرجل العظيم.
وأنا أكتب سيرة حياته تمنيت أن يتخذ منها الآخرون، الطامحون الى السلطة، عبرة عندما يقرأونها، وأن يتمعّنوا بما فعله هذا الرجل وما أقدم عليه راضيًا بذلك ضميره وعاملاً لأجل هدف وضعه منذ دخوله المعترك السياسي، ألا وهو جعل لبنان وطناً مثاليًا لجميع طوائفه، مشرقاً، مزدهرًا ومنارة لمحيطه.
لقد نجح كميل شمعون بفضل ذكائه وحكمته في القيام بدور رائد في سياسته في الشرق الأوسط المتخبّط في الصراعات والشكوك والتقلبات.
لكل أمّة بطلها يُغيِّر مجرى الأحداث فيترك بصماته في تاريخها، فتتغنّى به وتجلّ إنجازاته ونجاحاته: فللولايات المتحدة الأميركية جورج واشنطن، ولفرنسا شارل ديغول، ولألمانيا أوتّو بيسمارك، وللفاتيكان البابا يوحنا بولس الثاني، ولبريطانيا ونستون تشرشل، ولجنوب إفريقيا نيلسون مانديلا، ولتركيا كمال أتاتورك، وللبنان كميل شمعون.
لعلّ القارئ يتساءل لماذا قررت أنا، طبيب كميل شمعون، أن أروي قصته بعد مرور 24 عامًا على رحيله. في الواقع، يدفعني الى ذلك الوضع المأساوي الذي آل إليه لبنان، عسى أن أُحييَ في قلوب الكثير من الطامحين الى السلطة والتسلّط، وخاصة الموارنة منهم، بعضًا من إنجازات هذا الرجل كي يكون عبرة لهم، على أمل أن يحاولوا أن يتخطّوا أنانيتهم ليُنقذوا ما تبقّى لنا من هذا الإرث الذي لا يُقدَّر بثمن، والذي تركه لنا أجدادنا وهذا البطل العظيم.
فهل تُرانا نشهد ذات يوم بروز «نمر» جديد يهرع الى نجدتنا وإنقاذنا ويُعيد الى لبنان أمجاده وحضارته وإشعاعه؟
ألا يحق لنا أن نحلم؟

 

لقاؤنا الأول
ذات يوم من شهر أيلول 1976، في العاشرة مساء، كانت منطقة الأشرفية غارقة في سواد حالك لا يُعكّره، بين الحين والآخر، سوى دويّ إنفجارات قنابل تنهمر على رؤوسنا من كل حدب وصوب. وإذ بي أسمع طرقاً عنيفاً على بابي. كانت عائلتي تحتمي من القصف في طبرجا، في حين مكثت في المنزل، لكي أبقى على مقربة من المستشفى إذا ما دعت الحاجة وتم إستدعائي. لمحت من خلال الناضور رجلين بثياب عسكرية مدجّجين بالسلاح، يخبطان قدميهما على الأرض وينتظران بفارغ الصبر أن يُفتح الباب لهما. مما لا شك فيه أن الأمر كان ليُرعبني في تلك الظروف، لكنهما توجّها إليّ بكثير من اللطافة: «دكتور، دكتور، رافقنا بسرعة، الرئيس كميل شمعون مُصاب بوعكة صحية خطيرة».
تنفست الصعداء، وهدأ روعي، وركبت سيارتي بسرعة البرق، مع حقيبتي الطبية. لم يكن منزل الرئيس يبعد عن منزلي سوى حوالى خمسماية متر، قُل على مرمى حجر. وصلت لأجد الرئيس ممددًا في فراشه، عاري الصدر، والى جانبه مدبّرة المنزل (جانيت)، منكبّة على تغيير المناشف لتمسح بها العرق المتصبِّب بغزارة من جسمه.
كان جسمه الناصع البياض يتصبَّب عرقاً كمثل إسفنجة مُشبعة بالماء. كان شاحبًا، بالكاد واعيًا، رمقني بنظرة العارف من رأسي الى أخمص قدميّ، وأومأ برأسه إستجابة لتحيتي: «مساء الخير يا فخامة الرئيس، سوف أبذل جهدي…». كانت شلّة من الحراس والموظفين تحيط بسريره، يهيمن عليها طيف رئيس جهازه الأمني عبدو جابر بشاربيه المفتولين. كان عبدو متجهّمًا عاقد الحاجبين، غابت عن وجهه الإبتسامة لتحلّ محلّها علامات القلق. كان بعض الحضور في غاية من الإضطراب، في حين بقي بعضهم الآخر غير مبالٍ، يتابع مجرى الحدث دونما إكتراث.
للحظة ذكّرني هذا الجمع المتحلّق حول الرئيس بلوحة للرسام رَمْبرَند (Rembrand): «الدرس في التشريح» «La leçon d’anatomie». لحسن الحظ أن الرئيس لم يكن يخضع للعملية نفسها في تلك اللوحة الشهيرة.
كان أحد أطباء القلب الذي استدعاه أحد الحراس على عجلة قد وصل الى المكان قبلي. بصراحة وصدق، كان ذلك الطبيب يرتجف ولم يكن يقوى لا على تعداد نبض القلب، ولا على قياس الضغط الشرياني، بل كان فريسة ذعر لا يوصف عاجزًا تمامًا عن تمالك نفسه. كما كان عليه إجتياز إختبار آخر، لا يقلّ أهمية عن الأول، إلا أنه بدا أيضًا عاجزًا تمامًا عن تثبيت الأقطاب الكهربائية في المواضع المحددة لها على جسم المريض، ومن ثم وصلها بجهاز التخطيط للحصول على مخطط كهربائي يسمح بتقييم حالة القلب وما إذا كان تعرّض لأية إصابة. كانت العملية بالنسبة إليه أشبه بمعضلة يصعب حلّها.
لم يكن الرئيس يُفارقني بنظرته، وكأنه يسألني «ما الذي تنتظره كي تتحرّك»؟ لكنني وقبل أن أنتقل الى العمل، هدأت روع الطبيب الشاب بكثير من التهذيب والكياسة، ثم أخذت مكانه بلباقة ولطف مما بعث الإرتياح لدى الرئيس والحاضرين حوله. لم تمضِ بضع دقائق على هذه الشكليات، حتى شرعت في العمل بسرعة وبدقة وهدوء لمعالجة الطارئ وتفادي أي خطأ.
وفي أقل من خمس دقائق، كنت قد أنهيت فحصًا سريريًا شاملاً كالذي كنا ننجزه خلال فترة التمرين في حضرة الطبيب الفاحص. ثم تمتمت على مسمع المريض، بُغية طمأنته، خلاصة تشخيصي لحالته الصحية، قبل أن أتوجّه إليه بالقول بصوت عالٍ: إطمئن يا فخامة الرئيس، ليس في حالتك ما يدعو الى القلق: ضغط الدم 12/7، النبض 80 في الدقيقة، جميع الشرايين سليمة، لا إصابات، لا في المعدة ولا في الرئتين، وردود فعل الجسم العصبية كلها طبيعية». وعلى الأثر، إنتقلت لإجراء تخطيط للقلب، والحق يُقال، كان قلبي يدقّ بسرعة وأنا أترقّب المُخطّط، خشية أن أرى علامات جرحة قلبية ترتسم أمام ناظري. لم تكد إبرة جهاز التخطيط تنتهي من رسم مخطّط نشاط القلب حتى تنفست الصعداء وكأن حملاً أُزيح عن كاهلي. بنبرة واثقة وهادئة، توجّهت من جديد الى الرئيس المُنتظِر لأزفّ إليه الخبر السعيد: «فخامة الرئيس، ما من جرحة قلبية».
بعد بضع ساعات، أدركت أن أكثر ما كان يخشاه الرئيس هي إصابات القلب، وكان قد تعرّض في العام 1948 لنوبة قلبية حين كان يدافع عن القضية الفلسطينية من على منبر الأمم المتحدة.
«ما من جرحة قلبية يا فخامة الرئيس». لا شك أن وقع هذه الكلمات كان قويًا لدى الرئيس ولدى جميع من تحلّق حوله. ولتكتمل صورة المشهد، لا بدّ من الإشارة الى أن الطبيب الزميل توارى عن أنظارنا من دون سابق إشارة.
إنقضت المرحلة الأولى بسلام، وبقيت المرحلة الثانية التي لا تقلّ صعوبة ودقة.
ما سبب ذلك التعرُّق الغزير الذي كاد يصيب جسم الرئيس بالجفاف؟ كنت وحدي. في الخارج دويّ القنابل يُثابر على عزف موسيقى القبور. لم يكن في متناولي أي وسائل مخبرية، وكان من المخاطرة نقل المريض الى المستشفى. أعطيت نفسي حوالى ربع ساعة للتفكير قبل أن أطلب سيارة إسعاف، لا سيما وأن القلب، ذلك العضو النبيل، كان سليما. كنت أشهد على تعرُّق غزير ومشتّت، لا ألم في الصدر، ولا جرحة في عضلة القلب، وعليه، كان لا بدّ من إيجاد الحل في ضوء هذه المعطيات.
وإذا بصاحب الشاربين المفتولَين ينتصب أمامي ويُبادرني بنبرة جافّة تخلو من أي لباقة: «حسنا ما من جرحة قلبية، ما المشكلة إذاً يا دكتور؟ هل تحتاج الى طبيب آخر؟». فأجبته بهدوء وتهذيب: «كلا، لا داعي لذلك في الوقت الحاضر، شكرًا». إنكببت على التفكير في هدوء وتروٍّ… وفجأة هبط عليّ الوحي. خلال لحظات، رجعت بي الذاكرة الى مستشفى أوتيل ديو الى فترة تدريبي مع البروفسور أنطوان مرعب.
ففي الحادية عشرة صباحًا من أحد الأيام، أحضرت سيارة الإسعاف الى المستشفى فتىً في الرابعة عشرة من العمر تقريبًا، في شبه غيبوبة ويتصبَّب عرقاً حتى ابتلَّ جسمه من رأسه الى أخمص قدميه. كان البروفسور مرعب يعرف هذا الولد، إذ كان يعالجه منذ نحو سنتين. كان والد الصبي قد اتصل بالطبيب الأستاذ ليُنبئه بوصول إبنه الى المستشفى. طلب مني البروفسور فحص المريض، بينما انصرف هو الى إعداد إبرة مصل بسائل «سكر مكثّف» سرعان ما حقنها في أحد أوردة ذراع الصبي. أصابني ذهول شديد وأنا أرى تبخُّر عرق الشاب مع وصول الحقنة الى نهايتها، ومن ثم إستفاقته من غيبوبته. في الواقع، كان ذلك الصبي مصابًا بما يُعرف «بداء السكري الكلوي». في العادة، تخزِّن الكلية السكر في الدم بمعدل ثابت. أما في هذه الحال، فإن السكر يتسرّب بغزارة من خلال الكلية، بحيث لا يبقى منه في الجسم إلا ما يكاد يكفي الحاجة. هكذا، وبعد نشاط بدني قوي (جمباز على سبيل المثال)، تعمل العضلات على حرق هذه الكمية القليلة من السكر، فيُصاب المريض بهبوط معدّله في الدم ويُصبح الدماغ عاجزًا عن تحمّل هذا الإفتقار الى هذه المادة، مما يؤدي الى إضطراب في الوعي واختلال الجسم برمّته من خلال خسارة غزيرة للماء بهدف زيادة كثافة السكر في الجسم، ما ينعكس من خلال تصبُّب شديد للعرق. لم يكن الرئيس يُعاني من «داء السكري الكلوي»، لكنه كان مصابًا «بهبوط عجزي» في معدّل السكر في الدم بسبب العمر.

 

هللويا، وجدت الفكرة الضائعة!
على الأثر، توجّهت الى عبدو جابر صاحب الشاربين المتدلّيين (الذي أصبح صديقاً في ما بعد) بنبرة جدية، مُفعمة بشيء من السلطة، طالبًا منه كوب ماء وسكر. وإذا بجانيت، مدبّرة المنزل، التي كانت متربّصة وتراقب بقلق تطوّر الأمور، تقترب مني وتهمس في أذني: «إنت على حق يا دكتور، كان الرئيس في السعديات يُصاب بين الحين والآخر بنوبات بسيطة كهذه سُرعان ما يتجاوزها بتناول كوب مُحلّى بالسكر كانت السيدة زلفا تُعدّه له». مما لا شك فيه أن تلك النوبة لم تكن عارضًا بسيطاً كما في السابق، بل في غاية الخطورة، لكن السعادة غمرتني بعد أن وجدت مفتاح الحلّ.
لم يكن يلزمني أكثر كي أؤكد تشخيصي وأهرع لخوض مغامرتي بثقة وعزم. وبعد أن أذبتُ بيديّ كمية جيدة من السكر في كوب من الماء، تولّيت إعطاء الرئيس ذلك المحلول السحري (إكسير الحياة)، جرعة تلو الأخرى. كان التعرُّق يتلاشى رويدًا رويدًا، والرئيس يستعيد وعيه. تشجّعت وتعزّزت ثقتي بنفسي، ففتحت حقيبة الطوارئ وتناولت منها إبرة كبيرة، ثم حقنت الرئيس بهدوء في أحد أوردة ذراعه بالمحلول «السكري المكثّف» ذاته الذي عالجنا به ذلك الفتى، لأُكمل بذلك المشهد نفسه، وأرفع الى الذروة درجة ذهول الرئيس، ناهيك بالحاضرين حوله، الذين راحوا يترقّبون حابسين الأنفاس حركات يديّ، وأنا أحقن السائل في وريد الرئيس. وما أن إنتهيت حتى كان المريض واقفاً على قدميه، بل إنه توجّه للإستحمام وإزالة ما ترسّب عليه من تعرُّق.
الى هنا تنتهي قصتنا بالفرح والتهليل. ولعل أول المُصفقين المهنئين كان صاحب الشارين المفتولّين المتدلّيين، ثم توالت سُبحة التهنئة لتنتهي بجلبة، ولئن تخلّلتها لدى البعض دموع الفرح الدافئة. لقد كنت بمثابة المخلّص المُنتظر. تمّت عملية الإنعاش تلك بحضور عدد المُتحلّقين الذين راحوا يتزايدون شيئاً فشيئاً نتيجة تدفق المحازبين القلقين السّاعين للإطمئنان على صحة «النمر». وقد وصل الأمر بأحد العمالقة المُفرطي الحماس أن حملني على كتفيه وراح يؤرجحني الى اليسار واليمين، فصعودًا ونزولاً، حتى كان يوقعني أرضًا (وهذا تقليد قديم في لبنان). بعد نصف ساعة، كان الرئيس مرتديًا ثيابه، وإن من دون ربطة العنق، وجالسًا بيننا في غرفة الإستقبال. ناداني الى جانبه وأمسك يدي وحدّق إليّ ثم قال بصوت مرتفع: «شكرًا دكتور، لقد أنقذت حياتي». فأجبت باحترام، وبصوت منخفض: «لم أقم إلا بواجبي يا فخامة الرئيس».
في اليوم التالي، تناولت طعام الفطور الى مائدته.
لم يكن الرئيس يُحب كثرة الكلام. كان لا بدّ من إنقضاء بضعة أسابيع قبل أن يُصارحني بالقول: «منذ وصولك الى داري، ولّدت لدي شعورًا بالثقة. ما إن أخذت زمام الأمور بيدك حتى شعرت بالإطمئنان، وما إن إنتهيت من حُقنة السكر في وريدي حتى كنت قد اتخذت قراري باعتبارك مثل إبن ثالث لي، وطبيبي مدى الحياة». مرة جديدة، رددت باحترام: «لم أقم إلا بواجبي يا فخامة الرئيس».
لم أكن سوى طبيب قلب يشقّ طريقه المهنية في بداياتها، لأن أسمع مثل هذ المديح من الرئيس كميل شمعون شخصيًا لَزمني الكثير من الجهد ورباطة الجأش لأتمكن من ضبط أعصابي واحتواء فرحي العارم في حضرة رجل طالما أُعجبت بشخصه، وأحببته منذ طفولتي. في تلك اللحظة، لم يعد الكون يسعني من الفرح. لقد منحني لقب «طبيب الرئيس» هالة من الفخر لا تُضاهى. لقد مهّدت لي تلك الحادثة التي جمعتني بالرئيس الطريق للوصول الى عقول الناس وقلوبهم. كانت تلك المرة الأولى التي ألتقي فيها شخصيًا ذلك الرجل العظيم. كان إسم كميل شمعون يَرنّ في مسمعي منذ طفولتي، كما أن صورته كانت تحتلّ صدر غرفة الإستقبال في بيتنا. لقد كان يمثل لنا صورة البطل والمدافع عن اللبنانيين والضامن لاستقلال لبنان. وها أنا أقف في حضرته بعد زهاء ثلاثة عقود، بل إنني سرعان ما أصبحت طبيبه الشخصي الى آخر أيام حياته، على مدى 12 عامًا.

طلب «الحكيم» الغفران (mea culpa)
في سياق روح «المغفرة» المسيحية، كان لا بد لشمعون من التعليق على الدور الذي لعبه سمير جعجع في المعسكر المسيحي. أسرّ لي يومًا: «إن هذا الطبيب شرّ لا بدّ منه (un mal nécessaire) في استراتيجية النضال من أجل الإستقلال وحماية لبنان».
لا شك في أن اللبنانيين المعاصرين يدركون مراحل حياة «الحكيم»، ويعرفون بالتالي أنه، وفي أوقات معيّنة، إتخذ قرارات صعبة وخطرة بالنسبة للمسيحيين وله شخصيًا.
ليست الغاية من التذكير بهذه المراحل تحريك السكين في الجسم اللبناني والمسيحي المُثخن بالجراح، بل القول بأن هذا الرجل، سمير جعجع، تحلّى بشجاعة طلب السماح والمغفرة عن كل ما قام به من أخطاء ومساوئ، أمام الجماهير والله والبشر. ألم يقل المسيح: «من منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر»؟
في الحياة، لا بدّ من إعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله». لقد خرج «الحكيم» من الزنزانة التي زُجّ فيها أحد عشر عامًا، وما من شك في أنه بلغ النضوج والحكمة على مدى تلك الأعوام وفكر مليًا بمستقبله ومستقبل بلده. وما إن تنشّق هواء الحرية النقي، حتى راح يلتزم بشجاعة وبسالة تعاليم كميل شمعون. بل إنه التحق بروحه وعقله الى مدرسة «الرئيس» السياسية، ومع إنضمامه الى 14 آذار، وقربه من دوري شمعون، وصداقتهما مستمرة في خدمة لبنان والذود عن القيم المسيحية.
نعم، يستحق كميل شمعون بكل حق وجدارة لقب «حارس الهيكل» المسيحي عامة والماروني خاصة. هكذا لَبِس شمعون في القرن العشرين جبّة البطريركية السياسية لمسيحيي لبنان والشرق الأوسط.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل