حذار من تسليم البرلمان سلطة أحادية

لا شك أن الزلزال المدمر الذي أحدثه انفجار مرفأ بيروت وأعداد الضحايا والجرحى والمفقودين والدمار الهائل، جعل، بالإضافة إلى الألم العميق الحارق، الغضب يعتمل في نفوس اللبنانيين من التقصير الفاضح للسلطة الذي يرتقي إلى مستوى الجريمة. لكن يجب، على الرغم من الآلام، عدم الاستسلام للعاطفة الصادقة والوقوع في فخ السلطة، بل التصويب حيث يجب لمحاسبة كل المتورطين وعدم اتخاذ قرارات مصيرية استناداً إلى الألم والغضب.

تؤكد مصادر برلمانية، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، “خطورة مقاربة مسألة الاستقالات من مجلس النواب من زاوية قد تؤدي إلى عكس المرجو منها من قبل المطالبين بها، فتصب في النهاية بمصلحة الأكثرية الحاكمة ولا يحدث التغيير”.

وتقول، إن “الحملة الناتجة عن الألم والغضب والعاطفة الصادقة التي ولَّدها انفجار بيروت، وخصوصاً في الوجدان المسيحي، والتي تدعو لاتخاذ موقف كبير يعبِّر عن الامتعاض من كل ما يجري، تجسَّدت باستقالة عدد من النواب كردة فعل أولى”، محذرة من أن “الاستقالة النيابية لا يمكن أن تُبنى فقط على ردة فعل عاطفية، لأن لها عواقب تاريخية يجب الانتباه إليها”.

وتوضح، أنه “في حال استقال نائب أو اثنان مثلاً تسجيلا لموقف أو تعبيراً عن الغضب من السلطة جراء حدث معين، قد لا يؤثر ذلك على المسار التاريخي للبلد وقد يؤدي إلى شفاء غليل الناس الغاضبة. لكن في حال استقالة عدد أكبر من النواب المعارضين لكن من دون أن يفقد البرلمان ميثاقيته ويتعطل كلياً ما يُجبره على تقصير ولايته، بمعنى ما لم تحصل استقالات ميثاقية، يفسح المجال لأمرين:

الأول، إجراء انتخابات فرعية تعوِّض عن النواب الذين استقالوا بآخرين ولاؤهم للأكثرية الحاكمة، لأنه بطبيعة الحال من استقال لن يترشح للانتخابات الفرعية انسجاماً مع نفسه. والثاني، أن تُخلق الذرائع والأحداث لمنع إجراء انتخابات فرعية. فقد يُترك الثوار ليعترضوا على الانتخابات الفرعية والاستمرار بالمطالبة باستقالة مجلس النواب، من دون الوصول إليها. وتتغاضى وتتعامى السلطة إلى الحدود التي ترسمها، كي تتذرع بأن الثوار منعوا إجراء الانتخابات الفرعية وعطّلوها. بالتالي يستمر البرلمان بالنواب المتبقين، ويبدأ بالاجتهاد كما فعل في العام 1990”.

وتذكّر، أنه “في 8 آب العام 1990 صدر قانون رقم 11 الذي حدد العدد المعتمد لاحتساب النصاب، ونصَّ في مادته الأولى على أنه (بصورة استثنائية وحتى إجراء انتخابات فرعية أو عامة وفقاً لأحكام قانون الانتخاب وبالنسبة إلى النصاب المقرر في الدستور، يعتبر عدد أعضاء مجلس النواب الأعضاء الأحياء)، إذ إن عدداً كبيراً من نواب برلمان العام 1972 كان قد توفي”.

وتحذر المصادر البرلمانية ذاتها، من أننا “في حالتنا الحاضرة، في حال استقالة نواب تكتل الجمهورية القوية مع المستقيلين الثمانية، نكون أمام واقع استمرار مجلس النواب الحالي بـ105 نواب، ما يعني أن أكثرية النصف زائداً واحداً 53 نائباً وأكثرية الثلثين 70 نائباً تقريباً، ما يجعل مجلس النواب بالنواب المتبقين قادراً حتى على تعديل الدستور وانتخاب رئيس جمهورية كما يشاء من الدورة الأولى، لكونه يبقى متمتعاً بصفاته الدستورية والقانونية”.

وتعتبر أن “خطورة ما يحصل هي أنه قد يتم استغلال مطالب الثورة لإحداث جو وظروف أفضل للسلطة القائمة، التي قامت الثورة أساساً ضدها. بمعنى أولاً، الضغط في مسألة الاستقالات لأن من يستقيل أغلبيتهم من المعارضة، وتحديداً المعارضة التي توصف بالمسيحية كما هو الواقع، وهكذا يُفرَّغ مجلس النواب من كتلة معارضة أساسية تريح الأكثرية الحاكمة. وثانياً، إما تُجرى انتخابات فرعية من دون مشاكل فتضاعف السلطة سيطرتها وتزيد عدد نوابها بشكل كاسح لأن المستقيلين والثوار لن يترشحوا، أو تُستخدم الثورة لمنع هذه الانتخابات، كما أوضحنا، ويبقون على مجلس النواب مستمراً بالعدد الباقي”.

وتشير إلى أن “السلطة تقوم باستغلال الثورة عند كل محطة لتعزيز مواقعها وتحكمها، وتضع الثورة في مواجهة المعارضة الموجودة داخل المؤسسات بدل أن تكون في مواجهة السلطة. بالتالي، الثورة تخسر بفعل هذا الأمر عناصر قوة داخل المؤسسات الدستورية، وتحديداً مجلس النواب، يمكن أن تتصدى للسلطة الحاكمة من الصفوف الأمامية وتساعد الثورة على تحقيق مطالبها”.

وتلفت المصادر البرلمانية، إلى نقطة مهمة وأساسية تبيِّن محاذير الوقوع في فخ السلطة، وتقول، “لنفرض أن نواب تكتل الجمهورية القوية الـ15 الباقون في مجلس النواب لم يتمكنوا من تسجيل أي إنجاز أو تأثير على مستوى التشريع في الظرف الحالي، لكنهم على الأقل يمكنهم بالتأكيد التأثير على الموازين العددية داخل المجلس النيابي، والتي تمنع حصول اجتهادات تؤدي إلى تعديل مفاهيم النصف زائداً واحداً والثلثين في مجلس النواب”.

وتحذر من أنه “في حال حصول هذه الاستقالة، نكون نمنح أكثرية ساحقة للسلطة الحاكمة في مجلس النواب بفعل هذا الغياب من خلال خفض نسبة المعارضة إلى حد كبير جداً، ما يسمح للسلطة باجتهادات وقرارات قد تغيّر في القواعد الكيانية اللبنانية”.

أما عن عدم تأجيل رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسة التشريعية الأخيرة وإصراره على انعقادها وتلاوة الاستقالات التي تقدم بها عدد من النواب كي تصبح نافذة، علماً أنه في مرات سابقة عديدة قام بتأجيل جلسات عدة لوجود خلل ميثاقي يعتريها أو ما يمس بالعيش المشترك، فتعتبر المصادر عينها، أن “هذا يؤكد على أن هذه السلطة مستعدة للذهاب إلى النهاية، تماماً كما حصل في العام 1990، ما يفرض على الثوار والمعارضين الانتباه جيداً وعدم تقديم هدايا مجانية للسلطة وتمكينها أكثر”.

وتضيف، “مهما ضغط المجتمع الدولي، هو ملزم في النهاية بالتعامل مع السلطة الرسمية في أي بلد. لذلك، إذا كان الهدف إسقاط المجلس النيابي، يجب أن يسقط ميثاقياً وكلياً كي لا يعود لديه القدرة للاجتهاد ويصبح حكماً مجبراً على الذهاب إلى انتخابات نيابية مبكرة. أما غير ذلك، لن ترتدع هذه السلطة عن تخطي أي حدود في سبيل السيطرة النهائية المطلقة على البلد وربما تغيير وجهه كلياً”.

وتشدد على أنه “لذلك يُفترض أن ينصب تركيز الثورة على الكتل النيابية التي باستقالتها تُحدث الفرق وتنزع الميثاقية عن مجلس النواب الحالي، وعدم الانجرار إلى لعبة السلطة التي تساعدها على تحقيق أهدافها وإن بطريقة غير مباشرة. فبالضغط لاستقالة عدد من النواب الذين يمنعون بوجودهم من إحكام القبضة الحديدية على البرلمان وتعديل نسب النصاب القانوني باتجاه اجتهادات وقرارات معينة، نكون نُخلي الساحة للسلطة الحاكمة من القوى البرلمانية المواجِهة ونمكنّها أكثر”.

وتؤكد أن “أهم إنجاز يمكن أن تحققه السلطة اليوم هو إخراج المعارضة من مجلس النواب، والدليل السرعة القياسية لانعقاد الجلسة التشريعية وتلاوة أوراق استقالة النواب لتثبيتها. وكأن الثورة والمعارضين أعطوا من حيث لا يقصدون تمريرة للسلطة لتحقق أهدافها، والتخلص من أصوات معارضة في مجلس النواب”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل