.jpg)
لم يكد ينقشع غبار انفجار بيروت حتى علت من كل حدبٍ وصوب صرخات شعبٍ منهكٍ يطالب بإسقاط النظام السياسي في لبنان فوق رؤوس أهل السياسة أنفسهم.
لم تثنِ عمليات الإغاثة والبحث عن المفقودين المستمرة الشعب اللبناني عن استعادة تحركات ثورته تحت عناوين عريضةٍ كان أبرزها تعليق المشانق لأهل السياسة وبالتالي للنظام الذي قامت عليه الدولة اللبنانية منذ أن حطت الحرب رحالها عبر اتفاق الطائف.
في ما يلي، قراءة واقعية للوضعية السياسية اللبنانية بعيدةً كل البعد عن العاطفة مستندةً إلى اختباراتٍ وخبرات تاريخية مر بها لبنان التعددي في عصوره الحديثة، قراءةٌ تلخص مجموعة وجهات نظر تضع لبنان عام 2020 على طريق الدولة المدنية.
منذ إنشاء لبنان الكبير، مروراً بالحرب العالمية الثانية والاستقلال، وُضع لبنان الدولة أمام تحدياتٍ كبيرة أبرزها التماشي مع لبنان، الفكرة العميقة في التاريخ والمرتبطة ارتباطاً عضوياً بالهوية المجتمعية لمكوناته الإثنية والدينية المختلفةِ جوهراً والمتناقضة تفكيراً وممارسة.
فُرضت على لبنان بحكم موقعه الجغرافي الدقيق على ساحل المتوسط صراعاتٌ عديدة أثرت في طريقة تفكير كل فردٍ فيه، كما أدى تظهير صورة لبنان تاريخياً وعبر العصور كملجأ للأقليات المضطهدة والمستضعفة إلى تنمية نظرية الانغلاق المجتمعي لكل مكون إيماناً منه أن هذا الانغلاق هو وسيلة أساسية لمواجهة الخطر الوجودي الداهم. مع انتشار فكر القوميات وتبشيره بالوحدة العربية ترسخت لدى الأقليات المسيحية قلة الثقة بديمومة كيان الدولة في لبنان التي اصطدمت منذ الاستقلال بعوائق عدة أبرزها نكبة فلسطين والحروب العربية الاسرائيلية التي اودت بلبنان ليصبح الدولة التي حملت وحيدةً أوزار تهجير الفلسطينيين ولجوئهم إليه ليصبح في ما بعد الجبهة الوحيدة المفتوحة للصراع العربي الإسرائيلي، وبالتالي مشروع الوطن البديل للفلسطينيين.
أدى التحاق الجناح المسلم في لبنان بركب الموقف العربي الذي سعى لحل المعضلة الفلسطينية على حساب التعددية اللبنانية إلى انفجار التناقضات الداخلية اللبنانية اكثر من مرة كان أبرزها عامي 1958 و1975 وكانت كبرى نتائج هذا الانفجار تعميق الهوة بين مختلف مقومات المجتمع اللبناني ما جعل البلد عرضةً لوصايةٍ استغلت عمق اللاثقة بين اللبنانيين لتحويل كل ما كان يجمعهم إلى مواضيع خلافية تتناتش تفاصيلها طوائف متنازعة دون ضوابط واضحة و لو بالحد الأدنى.
أدى سوء تنفيذ اتفاق الطائف إلى إخراج المسيحيين من السلطة في لبنان بعدما سلبهم الطائف نفسه امتيازات تأسيس لبنان الكبير من صلاحيات رئيس جمهورية وأغلبية عددية برلمانية نتيجة خسارتهم للحرب رغم استعمال مصطلح لا غالب ولا مغلوب.
أدت بعض الأحداث والتغيرات العالمية، وفي مقدمتها عملية 11 أيلول الارهابية دورها في إعادة لفت انتباه الغرب الى منطقة الشرق الأوسط التي اختيرت مسرحاً للحرب على الارهاب بعد اسقاط حكم طالبان في أفغانستان، فأتت الضغوط الدولية لسحب جيش بشار الأسد من لبنان إثر اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق الشهيد رفيق الحريري وما تبعها من تحركات شعبية وسياسية.
كان للتوسع الايراني وبرنامج طهران النووي دوراً في رسم خارطة المحاور التي قسمت الشرق الأوسط وتقاسمت النفوذ فيه إلى حين اندلاع ثورات الربيع العربي التي أطاحت بعض الأنظمة الديكتاتورية العربية واصطدمت بتقاطع مصالح روسي وايراني منعت سقوط نظام الأسد وأعادت تسليط الضوء على الجناح السني التكفيري عبر داعش والنصرة العاملين اللذين استعملهما ما يُعرف بمحور الممانعة ذات الأغلبية الشيعية لتمكين وجوده وإحكام سيطرته على البلدان التي تقع في نطاق عملياته العسكرية وأدت مواقف قيادات الشيعة تجاه دول الخليج ذات الأكثرية السنية كما العمليات العسكرية التي ساهم فيها حزب الله في اليمن والبحرين والكويت إلى إخراج لبنان من الحضن العربي والغرب ورمي قراره الاستراتيجي في أحضان محور الممانعة.
مع اشتداد الصراع بين الغرب وإيران يبرز الإصرار الغربي اليوم على تحرير لبنان من الهيمنة الإيرانية المتمثلة بحزب الله وحلفائه، ويستفيد الغرب من اندلاع ثورة 17 تشرين المطلبية للضغط على أركان دولة حزب الله بغية تحرير القرار اللبناني من أيديهم، وشكلت الثورة منصة اساسية للمطالبة بنظام جديد غير طائفي للحكم في لبنان. تبرز هذه الفكرة خصوصاً عند الأجيال الشابة التي لم تعش الحرب اللبنانية بل ورثت نتائجها بكل اعوجاجها.
تصطدم هذه المطالب بمخاوف الشرائح الأكبر سناً من كل المكونات اللبنانية والتي عايشت الصراعات اللبنانية الداخلية المتتالية فترفع هذه الشرائح مخاوف مبررة خاصة مع تعاظم نفوذ التيارات الايديولوجية في بعض الطوائف على حساب الاعتدال والانفتاح، فتتناقض دعوات رئيس البرلمان نبيه بري مثلاً لقيام دولة مدنية مع السيطرة المحكمة لحكم التكليف الشرعي الذي يستخدمه حزب الله لفرض سيطرته على جمهور الطائفة، كما تتأرجح كفة الولاء السني بين الحريرية السياسية وتأثير العثمانيين الجدد، ويعود زعماء الدروز لاعتماد لغة حماية الطائفة المهددة للحفاظ على سلطتهم كما تتنافس الأحزاب المسيحية بين من ينادي باستعادة حقوق المسيحيين ومن ينادي باستعادة الدولة الكفيلة بإعطاء كل ذي حق حقه.
في ظل هذه الممارسة السياسية وغياب علم المواطنية عن مجتمعاتنا سيكون اي نداء لديمقراطية خارج القيد الطائفي مجرد سرابٍ سيضيع في دوامة الهاجس الوجودي المترسخ في ذهنية اللبنانيين والتي تؤججه حكماً صراعات المنطقة. لذلك فالأجدى اليوم هو المناداة بنظام جديد مبني على إيصال الأكفأ إلى اي منصب مع الحفاظ على حقوق الطوائف ضمن مبدأ المناصفة في توزيع المواقع وذلك لا يمكن اي يستوي إلا عبر آلية تعييناتٍ وتوظيفات توصل الأكثر جدارةً عبر الامتحانات إلى مرحلة الاختيار للوظيفة.
تعديل بنود قانون الانتخاب الحالي لإضافة بنود تحدد بما لا يقبل الشك والنقض عدد الولايات التي يُسمَح لأي فرد بالترشح إليها يساهم بضمان تداول السلطة وعدم تكريس زعامة الأفراد بل ريادة المشاريع الأمر الكفيل بتحويل الأحزاب والتيارات من مجموعات تابعة لأشخاص إلى مجموعات تلتف حول برامج عمل، كل ما تقدم قد يفيد في تطوير مفهوم العمل السياسي في لبنان أكثر من هدم هيكل النظام القائم.
أولى خطوات التوجه نحو الدولة المدنية تكمن، بعكس ما يؤمن به البعض من اعتماد قوانين جديدة، في تحييد لبنان عن صراعات المنطقة ذات المقومات والأبعاد الطائفية في الاساس عبر اعتماد مبدأ الحياد القوي في مقاربة المسائل والاشكاليات المطروحة. إبطال سيطرة الإيديولوجيات الدينية على المجتمعات يبدأ من انتفاء علل وجودها، بذلك يكون الالتفات إلى برامج المدارس أجدى من تغيير تركيبة المجالس، لأن أي تغيير يبدأ من رأس الهرم من دون انعكاسه على القاعدة يكون أشبه بذر الرمال في الهواء وما التجربة التركية التي وجه لها قرار تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد سوى دليل قاطع على هشاشة أي تغيير يطال النظام السياسي حصراً.
الثورة اللبنانية القائمة تواجه تحديات كبرى أبرزها تكوين رؤيا سياسية واضحة وخارطة طريق نحو قيام دولة تطمئن اللبنانيين جميعاً، إن أي ثورةٍ يقودها الانفعال من دون أي مشروع يوحد جهودها مصيرها السقوط لا محالة. كي لا تنتهي الثورة إلى دفن ما تبقى من أملٍ بإمكانية قيامة لبنان يجدر بالثوار عدم الانجرار خلف طروحات لا عقلانية بل عليهم الالتفاف حول مشاريع تتماهى بموضوعية مع واقع المجتمع اللبناني لأن أي محاولة لأخذ لبنان نحو اللاواقعية السياسية والاجتماعية ستؤدي حكماً إلى انفجارٍ تكون ارتداداته أضعاف مضاعفة من ارتدادات زلزال بيروت.