.jpg)
لا شعارات تشير الى أي حزب او ما شابه. وحدها لافتات كُتب عليها “بيتي مش للبيع”، تتعمشق فوق دمار الجميزة ومار مخايل، تحمل دمغة القوات اللبنانية. هذه حملة معلنة وهادفة. لم تكتفِ القوات بتعليق تلك اللافتات، بل وعبر نائب بيروت عماد واكيم، والوزيرة السابقة دكتورة مي شدياق، اشتعلت الاتصالات في كل الاتجاهات ومع المعنيين كافة، خصوصا الدوائر العقارية والمخاتير ومحافظ بيروت وسواهم، لوقف هذه المجزرة الديمغرافية، والتصدي لوطاويط الليل الذين يتربصون وجع الناس وهولهم لاقتناص الفرصة والانقضاض على تاريخ بيروت وعراقتها وتغير ديمغرافيتا ووجهها الثقافي الجميل. واكثر بعد من اجراء الاتصالات اللازمة، يقوم شباب المنطقة بجولات ميدانية على الاهالي لتحذيرهم مما يجري.
في ليل الاشرفية، يرى الاهالي مشهدا مختلفا عن النهار، فحركة خيم المساعدات والاسعافات اليومية وان تخف حركتها في ساعات الليل المتقدمة، الا انها تترافق مع جولات ليلية لشباب المنطقة في الساحات المدمرة، وفي كل الاحياء المنكوبة. لا لم يعد زمن الميليشيات ولا نقبل بأن يعود، لكن الشباب من اهل الاشرفية يحرسونها برموش العيون من السارقين الذين هبّوا عليها مثل ريح كوانين، ينهبون ما تبقّى من محتويات البيوت المشرّعة في دمارها، فقرر الشباب حماية البيوت والتبليغ عن اي لصوص يتعرضون للناس. احب الاهالي الخطوة، شعروا ببعض من أمان مفقود نهائيا، بعدما حوّلت تلك الجمهورية بيوتهم الى عراء، وحياتهم الى جحيم غير موصوف في كل الاتجاهات.
قلنا في تقارير سابقة، ان العمل الكبير يتوزع بين الخيم المنصوبة في ساحة ساسين ومار مخايل. اللقاء هناك والتعب هناك والحب كله هناك. مصلحة الطلاب اضافة الى مستوصف الارز وجمعيات والقطاع النسائي، يعملون ليل نهار وتُوزّع المهمات ابتداء من الاسعافات الاولية الى رفع الانقاض واعمال التنظيفات وصولا الى المساعدات الغذائية اضافة الى اقامة مطبخ يومي يتولى تأمين وجبات طعام يوميا لثلاثمئة عائلة من المتضررين، تُوزع عليهم في منازلهم.
لم تتوقف الامور عند هذا الحد، فزيارة الدكتور جعجع للأشرفية الجريحة، واعلانه من خيمة ساسين تأليف لجنة لإغاثة بيروت، برئاسة مي شدياق وعضوية ريشار قيومجيان وعماد واكيم ورئيس مصلحة الطلاب طوني بدر ومنسق بيروت دانيال سبيرو، اخذت العمل التطوعي الكبير الى غير مكان، الى رحب التكاتف بين لبنان المقيم ولبنان المغترب، هدف الهيئة التحضير لعملية اعادة اعمار فعلية، وتجنّدت لأجلها كل قطاعات القوات اللبنانية، ابتداء من المهندسين الى الاطباء الصيادلة قطاع المرأة الشؤون الاجتماعية وغيرهم من القطاعات، ولكل منهم مهامه الصعبة والدقيقة، فكان موقع www.donatetolebanon.org صلة الوصل بين من يريد ان يعطي من ذاته لهذه الارض المنكوبة، وبين المواطنين المنكوبين من حكام هذه الارض. هو فلس الارملة اذن الذي تحول الى حجر زاوية لتتمكن الهيئة من جمع المبالغ الكافية، للانطلاق في أكبر ورشة اعادة اعمار، ومد يد العون لأهلنا ليتمكنوا من النهوض من تلك النكبة التي فرضت عليهم بالأشلاء والدمار.
صباح الجمعة، انتقلت اذاعة “لبنان الحر” الى خيمة مار مخايل. قررت ان تفتح الهواء مباشرة للناس هناك، لتكون الاذاعة صلة وصل بين الناس المتضررة والناس التي تلهف لمد يد العون. لم تهدا الخيمة ولا هدأ طوني نصار. لقاءات وناس موجوعة تعلن الصراخ، وتعلن الغضب والأسى، وتعلن ما هو اكبر من ذلك بعد، تعلن صمودها الغريب ذاك. صمودها العجائبي في ارض ما قدمت لهم حتى اللحظة، الا الهول والانقاض. هيئة الاغاثة كانت في الخيمة. مي شدياق، ريشار قيومجيان، عماد واكيم، والأمين العام للحزب دكتور غسان يارد “24 ساعة على 24 نحنا حاضرين هون للمساعدة، وعملنا صار اكثر تنظيما، كل يوم نحو 350 شب وصبية بتتوزع عليهم المهام بكل الشوارع المتضررة، عم توصلنا مساعدات عينية وتبرعات ومنجمع مصاري كمان من بعضنا البعض حتى نقدر نوسّع اطار المساعدات. ما النا بالفضل، عم نشتغل لشعبنا هيدا واجب وطني وانساني ونحنا كل عمرنا هدفنا الانسان اولا. الاهالي كتير متعاونين معنا الحمدلله، هالشباب والصبايا بيفرحوا القلب رغم الحزن والغضب الكبير. شبابنا عملوا جولة ع الناس المتضررين حتى نشجّعهم ما يبيعوا بيوتهم لاحد، شي بيكبّر القلب هالعنفوان والعناد على البقاء. ما حدن بدو يبيع. الناس قاعدة فوق الركام ومتمسكة بالحجار لـ قشطت عليها. الله كبير ورح ترجع بلدنا، ونحنا هون باقيين طالما الناس بحاجة النا”، يقول يارد.
في خيمة مار مخايل، ناس اتت وحصلت على مساعدات مادية مباشرة وقسائم شراء، واناس سجّلت اسماءها في طلبات المساعدة لأجل رفع الانقاض والتنظيفات وما شابه. خلية نحل لا تهدأ.
في آخر الشارع جلس شاب الى أنقاض بيته الاثري. حزين مدمّر، يشرب القهوة فوق الباطون المبعثر، “شو عم تعمل هون؟” شرب آخر مجّة سيجارة نظر حوله وشرر الغضب يتطاير من عينيه “شو عم بعمل هون؟ هيدا بيتي شوف، وهيدي ارضنا، ويللي زلزلوا الأرض هني لـ بدن يتحاكموا ويفلوا. بتقولوا عنا عنصريين؟ ولك ايه انا عنصري. عنصري لان بدي المساعدات تروح بس لأهل المنطقة المتضررين. عنصري لان ما بدي الايراني المجرم يحكمني ولا الرئيس يجرجرني لمصالح العميل الايراني. هبّط بيتي صرلي عشرين سنة بشتغل فيه، وانجرح بيي وتشردت ومش عم أقدر ابعد عن الركام. كل يوم الساعة 2 الصبح بحمل قهوتي وبجي بعقد على أنقاض بيتي… لاه هيدي أنقاض بلادنا يا ولاد…” وذهب يبكي مثل طفل فوق اكتاف… وطنه المنكوب. نهبوه احلامه ارضه بيته. نهبوا ارضنا لكن… وحياة خيمة الرب التي تظللنا، سنبقى.
