شمعون من الرئاسة الى الزعامة

“المسيرة” – العدد 1708

شمعون من الرئاسة الى الزعامة: عندما دقّت أجراس الكنائس 

ترجمة عن الفرنسية من كتاب «أزمة في الشرق الأوسط» للرئيس كميل شمعون

 

كانت لحظات مؤثرة عندما ودع الرئيس كميل شمعون المقر الرئاسي في القنطاري مسلّمًا السلطة والرئاسة الى الرئيس المنتخب اللواء فؤاد شهاب. أن يروي الرئيس شمعون شخصيًا تلك اللحظات يعطيها الكثير من المصداقية والعاطفة. كان يغادر موقعه كرئيس لينتقل الى موقع آخر، الى كرسي الزعامة والقيادة الدائمة. نصح فؤاد شهاب بتشكيل حكومة حيادية ولكنه لم يستجب، ولذلك كانت الثورة المضادة التي يبدو أن شمعون كان يقودها. تلك كانت مقدمة لمواجهة شاملة ستدور لاحقاً بين شهاب وشمعون الذي تعرّض لحرب إلغاء كُتب له فيها النصر في النهاية ليبقى ذلك الرمز الذي لا يستسلم.

ماذا قال شمعون عن اليوم الأخير في القنطاري وعن خروجه من الحكم ومن السلطة؟

23 أيلول 1958 عين القبو وغابة بولونيا

«الله يباركك! الله يحميك! لقد أنقذت لبنان! لا تتخلَّ عنا».

هكذا كانت الصرخات يكررها، كترنيمة، حشد كثيف من الرجال والنساء والأطفال، بينما نحن ننزل، مع مرافقينا، درج المقر الرئاسي، في حي القنطاري. تجمعت هذه الحشود في الشارع، وجوه كئيبة، وعيون مليئة بالدموع، في انتظار أن نطل. فجأة، بعد أن كسرت الحشود الحاجز الذي شكله الحرس الجمهوري، أحاطت بسيارتنا وأمطرتها بقبلات الوداع.

في الحي، كانت أجراس الكنائس تدق منذ أربع وعشرين ساعة. كان ذلك في 23 أيلول 1958، الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً، في الوقت الذي غادرت فيه المقر، بعد أن ودعت رئيس الجمهورية الجديد، الجنرال فؤاد شهاب، وعقب استكمال الإجراءات الرسمية للتسلم والتسليم.

كانت وجهتنا، في الوقت الحالي، بلدة عين القبو الجميلة، الواقعة بالقرب من بسكنتا عند سفح صنين. صديقي السيد فرنان أرسانيوس، مدعي عام محكمة التمييز – الذي ينوي الإستقالة حالاً لتجنّب الإضطرار إلى الخدمة في ظل نظام آخر – وكذلك السيدة أرسانيوس، وضعا بتصرفنا منزلهما الصيفي.

بعد خروجنا من بيروت، وصل موكبنا بسرعة إلى ساحة أنطلياس، ثم الى الطريق إلى بكفيا. عند كل مفترق طرق كان يزداد عدده. من خمس سيارات في البداية، إرتفع عدد السيارات المرافقة لي إلى عشر، إلى عشرين، ثم إلى خمسين، ومن بعد إلى مئة وأكثر. على طول الطريق الذي سلكناه مررنا، على جانبيه، بين تجمّعين بشريين.

كانوا يرحّبون بنا بالتصفيق وكثيرًا ما كانوا يوقفوننا لنثر الزهور والعطور وفق العادة التقليدية التي يعبّر بها سكان الجبال عن تعاطفهم وتضامنهم. المشهد المثير للدهشة لآلاف اللبنانيين الذين بكى الكثيرون منهم بعاطفة، طال قلوبنا بقوة.

بالكاد استطعنا، أنا وزوجتي إحتواء فرحنا واعتزازنا. من أين أتى إنفجار الحماس هذا الممزوج بالحزن؟ ربما كان قدري بعد انتصاري ووصولي لأعلى سلطة في الدولة في العام 1952، أن أنهي ولايتي كمنقذ للبنان بعد الأحداث التي تسببت، خلال أربعة أشهر، في الكثير من الكراهية وفي إراقة الكثير من الدماء.

لم تقتصر العاطفة التي أظهرتها لي الجماهير اللبنانية على يوم 23 أيلول، ولكن إستمر التعبير عنها خلال الأسابيع العديدة التي تلت ذلك. قامت قرى بأكملها من أبعد المناطق اللبنانية بزيارتي. زادت أعداد هذه الوفود الشعبية لدرجة أن عين القبو بدت بعيدة جدًا وكان من الضروري أن أقترب أكثر من مراكز الإتصالات. قدم لي فرانسوا جبر وأخواه ريمون وفيكتور فيلا الصيف خاصتهم في غابة بولونيا. إستفدت من هذه الضيافة الكريمة وأمضيت ستة أسابيع تحت سقفهم وسط احترام الجماهير وتعبيرها عن مودتها المؤثرة.

في حديقة آل جبر ظهر أحد الأيام، بينما كنت أتمشى مع مجموعة من الأصدقاء، خرجت سيدة محترمة من سيارتها، واقتربت مني، ركعت بشكل عفوي وأمسكت يدي لتقبلها. عندما حاولت منعها، إحتجت: «لا تسحب يدك، أنا سورية، وأنا قادمة من دمشق ونذرت الركوع أمام الرجل الذي كان بطل مثالنا وحرياتنا، وتقبيل يده. بارك الله فيك!». لم أعرف ماذا أقول، جاءت زوجتي للترحيب بها ثم اصطحبتها إلى الصالون. وقبل أن تغادرنا، طلبت صورة لكلينا. عندما أعطيتها لها، أوصيتها بإخفائها بعناية إذا كانت لا تريد أن يلقى القبض عليها لحملها «أسلحة محظورة» على الحدود السورية.

 

الثورة والثورة المضادة

مع إقتراب الثورة من نهايتها، إختُطف كاتب موهوب، فؤاد حداد، رئيس تحرير جريدة العمل التابعة لحزب الكتائب، إختُطف من سيارته وقتل بجبنٍ بعد تعرضه لتشويه فظيع. أثارت هذه الجريمة، بعد العديد من الجرائم التي مرت من دون عقاب، شرارة ما يعرف بالثورة المضادة. كانت نقطة البداية لسلسلة من الأعمال الإنتقامية، التي قتل فيها عدد كبير من المتمردين، تفاقم الوضع المتوتر للغاية بسبب خطأ إستهلالي..

ورغم أن الثورة كانت هزمت فعلياً، لأنها لم تحقق أيًا من أهدافها السياسية، فقد قبلت البلاد، بروح من المصالحة، صيغة «لا غالب ولا مغلوب». إعتقد الرأي السياسي بصدق أن هذه الصيغة حل وسط من شأنها أن تؤدي إلى إنفراج عام وتسهّل وصول حكومة إلى السلطة تلهم الثقة وتستطيع التسريع بعودة الحياة الطبيعية.

رئيس الدولة، الذي في ذروة الأزمة، لم يقطع إتصالاته مع قادة التمرد، فكر بأنه سيؤمن مساعدتهم الإيجابية من خلال تكليفهم بالسلطة. في 21 أيلول، قبل يومين من تنصيبه، أبلغني بعزمه على تكليف زعيم طرابلس رشيد كرامي بتشكيل الحكومة الجديدة التي يجب أن تضم بعض الشخصيات التي سمّاها..

صودف أن جميعهم كانوا في معسكر المتمردين أو بين مؤيديهم. نصحته بالتخلّي عن هذا الحل الذي اقترحه، مشدداً على أنه بصرف النظر عن جميع الإعتبارات الحزبية، لا ينبغي أن ننسى أن رشيد كرامي، شارك في الإنتفاضة شخصيًا، وجاء مباشرة من وراء الحواجز، وأنه من حيث المبدأ لن يتم النظر إلى ترشيحه برضى. أضفت أنه إذا تمسك به الرئيس رغم  كل شيء، كان من الضروري، لكي يتم قبوله، أن يحيطه بوزراء لا غبار عليهم من وجهة النظر الوطنية. ومقابل هذا المشروع، اقترحت حكومة وحدة وطنية، وإن تعذر ذلك، فلتكن حكومة موقتة محايدة، مهمتها الوحيدة تهدئة النفوس وضمان الحفاظ على النظام والأمن.

في 23 أيلول، إستأنفنا الحديث، وهذه المرة أعلنت صراحة أن تعيين وزارة كهذه سيشكل إستفزازاً يقترن بإهانة للشعب اللبناني وستكون له عواقب لا يمكن توقعها. وجاء الرد فورياً، لقد فهم اللبنانيون، إذا لزم الأمر، أن الثورة كانت سارت في مسارها بخياناتها وأهوالها، وأنه باعتماد نَفَس التهدئة، فإن صنّاعها والمتواطئين معهم ظلوا بدون عقاب. لكنهم لم يستطيعوا أن يفهموا أو يتقبلوا أن السلطة العليا غدت تحت سيطرة رجال عملوا في الأمس بلا كلل لتدمير لبنان.

إتُخذ قرار المقاومة في بيروت كما في القرى الرئيسية في الجبل، أغلقت المتاجر، وقطعت حركة المرور. بدأت الطلقات النارية والإنفجارات تتوالى ليل نهار. عند مدخل أحياء العاصمة، كما هو الحال في القرى الساحلية، أقيمت الحواجز. أطاع السكان بشكل عفوي أمر الإضراب، بهدوء ورضا من أجل الثأر لعزة النفس الوطنية. إحتل الرجال الخنادق، حاولت النساء من جميع الطبقات، ولا سيما نساء الطبقات الشعبية، اللواتي شعرن بروح البطولة، حاولن عرقلة توغل الدبابات بأجسادهن. في غضون ذلك، عقد غالبية النواب لقاء في مقر إقامتي الحالي، في غابة بولونيا، ووقعوا بياناً يطالب بعقد جلسة إستثنائية لمجلس النواب، مؤكدين أنهم سيحجبون ثقتهم عن الحكومة.

في نهاية الأسبوع الثاني، وعلى رغم الإنقطاع التام للنشاط الاقتصادي والإداري، وعلى رغم الموقف الرافض للأغلبية البرلمانية، لم يتبدل موقف المسؤولين.

 

المبادرات الأميركية

قام السفير الأميركي، بحجة تقديم خدماته المفيدة، برحلتين مكوكيتين بين بيروت وغابة بولونيا. خوفاً من حوادث الطرق والرغبة في تجنّب الحواجز، كان، في كل مرة، يستعير واحدة من طائرات الهليكوبتر التابعة للبحرية الأميركية. لكن جهوده لم تنجح، ما أراده هو أن نقبل الصيغة الحكومية، والتي كانت مدعومة من دمشق والقاهرة.

قاربتُ محادثاتي مع السفير الأميركي بحسن نية مطلقة، لم أكن أظن في أن هذه التدخلات ستشكل نقطة الإنطلاق لسياسة جديدة، إفتتحها روبرت مورفي وأقرتها وزارة الخارجية، سياسة إسترضاء بأي ثمن تجاه الجمهورية العربية المتحدة، ولكن أيضاً سياسة تخلٍّ: أصدقاء الأمس، الذين طَلب منهم، سابقاً، البيت الأبيض ووزارة الخارجية التعاون، ما عادوا في الوقت الحالي رأسمال يمكن توظيفه، بل أصبحوا عبئاً يجب التخلص منه.

في نهاية الأسبوع الثالث، لم يتضاءل عنف الثورة المضادة. بل على العكس من ذلك، هددت باتخاذ منعطف أكثر جدية. قرر اتحاد نقابات الموظفين والعمال، الذي سبق أن وقف جانباً كهيئة، البدء بالتحرك. إلتقيت ممثليه في غابة بولونيا، أكدوا لي أن قرارهم اتُخذ، لا رجعة فيه.

الأمر بإضراب عام، كان هذا يعني التوقف الكامل لجميع خدمات المرافق العامة الضرورية للحياة اليومية للمواطنين. وهذا التهديد كان الحجة التي ساعدت في إقناع رئيس الجمهورية بضرورة تغيير الحكومة. وسميّت الحكومة الجديدة بالحكومة الإنتقالية. بقي رشيد كرامي على رأسها، لكن كان لديه وزراء أمثال: بيار الجميل رئيس الكتائب، ريمون إدة  رئيس الكتلة الوطنية والحاج حسين العويني مناصر خجول للثورة.

وصلت الثورة المضادة إلى نهايتها وبدأ اللبنانيون يعتقدون أن التسوية التي قبلوا بها، وإن لم تتفق تماماً مع ما ينشدونه، كان من المرجح، أنها على الأقل تعزز الإستقرار والشرعية.

 

السعديات

في وقت كتابة هذه السطور، إستقريت، بصورة نهائية، في منزلي الجديد في السعديات، في منتصف الطريق بين بيروت وصيدا القديمة. قبالتي يمتد، بقدر ما يمكن أن ترى العين، البحر الأبيض المتوسط مع الأزرق الياقوتي المتلألئ. لقد حلمت بالسعديات منذ طفولتي. عندما كان والدي يأتي لزيارة ممتلكاته في الدامور، كان يصطحبنا إلى هناك لقضاء عطلة عيد الفصح. كان الصيد يحتل وقت فراغه، وكنا نهرول أنا وإخوتي  إلى جانبه، وكنا نمكث في النزل الوحيد – والمتداعي جداً – في المنطقة. لم يكن التنقل بالسيارات موجوداً بعد. كانت قوافل طويلة من العربات تمر دون انقطاع، واهتزازها يصدر النغمات المنخفضة لأجراسها. وكانت الألحان الجميلة لسائقي الجِمال تعلو في الهواء وتضيع في المسافات. كانت الطبيعة أكثر توحشاً هناك ولكنها لا تزال بالجمال نفسه.

تركت السلطة بلا ندم، على رغم بعض خيبات الأمل، من دون مرارة. أن لا تعود على الصفحة الأولى في الصحف اليومية، أن تشعر أنك أُقصيت إلى دور غير فعّال، بعد أن كنت كل شيء في إدارة شؤون الدولة، أن ترى بعض أولئك الذين كانوا الأكثر حماسة من حولك يهجرون منزلك وصداقتك: كل هذا مؤلم بالتأكيد ومخيّب للآمال. لكن يجب على السياسي أن يفهم أن السلطة ليست أبدية وأن العلاقات الشخصية لا تهيمن عليها دائمًا إعتبارات المشاعر أو المبادئ. في الوقت الذي تكون فيه المادة في طليعة اهتمامات معظمنا، تصبح المصالح هي المرشد الوحيد والهدف الرئيس لأفعال الإنسان. مثل كل الذين سبقوني، عرفت هذه التجربة الحزينة. أولئك الذين سيأتون سيعيشون بدورهم التجربة نفسها.

من ناحية أخرى، أن تكون رئيس الدولة وأن تمسك بالسلطة العليا في يديك وأن تحصل على كل التشريفات، أمر يمكن أن يسكر العديد من الكائنات ويقودهم إما إلى جني فوائد شخصية من السلطة، أو الإنزلاق، حتى دون وعي، نحو التعنّت أو الإنتقام السياسي أو الديكتاتورية. لحسن الحظ، لقد نجوتُ من هذه المخاطر المتعددة. قد تكون حدثت أخطاء خلال إدارتي البلاد، الطبيعة البشرية، مع نقاط ضعفها، ليست معصومة عن الخطأ. هذه الأخطاء، عندما لا يبالغ فيها الخصوم السياسيون والحاسدون، تبدو خطيرة، لأنها على قياس المسؤوليات التي يتحملها من قام بها. ولكني في إدارتي، سعيت بصدق، ليس فقط للحفاظ على سلامة بلدي وكرامته، وعلى ضمان ازدهاره الاقتصادي، وإنما لتوسيع نفوذه ومكانته الأخلاقية والثقافية إلى أبعد من حدوده، في الشرق الأوسط، وعبر قارتي أوروبا وأميركا.

هذا الكتاب بعيد كل البعد عن كونه تأريخاً للأحداث التي وقعت في الشرق الأوسط منذ نهاية القرن الماضي. الجزء الأكبر منه يغطي، بخطوطه العريضة، الفترة الممتدة من إستقلال لبنان العام 1943 حتى الأزمة الدموية لعام 1958.

تعكس فصوله الأولى ردود أفعال وحالة جيلنا. هذا الجيل الذي ولد في بلد عثماني رسمياً من دون أن يكون له أي شيء مشترك مع باقي الإمبراطورية، محاطًا بالسكان العرب في المناطق المجاورة، الذين وباستثناء حركة التحرّر التي ظهرت بشكل خجول في أذهان بعض المثقفين، يبدو أنهم فقدوا فرديتهم الصحيحة وخدم أبناؤهم في الجيوش الإمبراطورية وتعلموا في المدارس التي تسودها اللغة التركية. بمعزل عن هؤلاء السكان وأفكارهم، لجأنا إلى الغرب، وبشكل رئيسي إلى فرنسا التي نحب تقاليدها ونستوعب حضارتها. بالنسبة لنا، أصبحت النموذج  الذي يجب أن نتبعه. جيلنا طمح إلى الحرية، لكنه رأى أنها تأتي عبر فرنسا، في إطار شراكة ومساواة كاملة في الحقوق والإمتيازات والإلتزامات. الإحتكاك الأول مع الإنتداب كان للأسف، خيبة أمل عاطفية في المقام الأول وأصبح السبب الجذري للصراع الذي لم تظهر نتائجه التراجيدية إلا في الأربعينات. هذا الجيل، الذي أصبح مسؤولاً عن سياسة دولة ذات سيادة، لم يعد قادراً على تجاهل التوافق مع الدول العربية التي استعادت أيضاً حريتها. بالنسبة لهذا الجيل، لم يكن على لبنان فقط أن يخضع لمطالب بيئته، ولضرورات التعاون اللازم والحاسم، ولكن ضمان أنه يكون ذلك عفوياً وإيجابياً وصادقاً. وهكذا أصبحت مشاكل الدول العربية مشاكله، وكان أهمها فلسطين. صراعات دائمة تهدد بإضعاف الجسم العربي ككل، حاول لبنان إن لم يكن حلها، على الأقل عندما اتضح أنها غير قابلة للحل، التخفيف من آثارها الضارة، ليس ذنبه أنه لم ينجح دائماً.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل