.jpg)
أولا، امام ازدياد الخناق التركي ـ الايراني على العالم العربي والخليج، ووقوع العرب بين فكي كماشة امبراطوريتين تاريخيتين، ونتيجة لفشل الربيع العربي الذي خطفه البعض فأصبح ربيعا اسلامويا معاديا للأنظمة العربية التقليدية، لا ربيع الشعوب العربية التواقة الى الحرية والعدالة والتنمية، وبعدما ازدادت الانقسامات العربية العربية والاسلامية السنية الاسلامية السنية والشيعية السنية والفلسطينية العربية، وتعاظم نفوذ ايران في المنطقة وتدميرها بنفوذها كل دولة عربية دخلتها من العراق الى اليمن فسوريا فلبنان، فيما الاتراك امعنوا في ضرب الدول العربية في شمال العراق وشمال سوريا وليبيا وسواها من مناطق عربية احتلوها او هم في صدد احتلالها، بقي السؤال الكبير مطروحا، “لماذا الاتراك والايرانيون منكبون على محاربة العرب وغزو الدول العربية بدل مهاجمة اسرائيل؟ المفترض ان تكون العدو الصهيوني المحتل والغاصب والغاشم والواجب القضاء عليها، بحسب ادبيات الايرانيين خاصة والاتراك بدرجة اقل.
وبعد اكثر من عقد من الزمن توصل العرب الى استنتاج يؤكد ان لدى الامبراطوريتين النيوـ فارسية والنيوـ عثمانية مشروعا ركنه الاساسي اسقاط الدول العربية الواحدة تحت شعار تصدير الثورة الاسلامية الصفوية الشيعية الى المنطقة والثانية تحت شعار الاسلام السياسي المدعوم اميركيا منذ عهد الرئيس باراك اوباما.
فلم يعد مستغربا ان ينحو العرب منحى التقارب والتطبيع مع اسرائيل كما لم يعد مستغربا ان ينقلب المشهد الشرق اوسطي عشية انتخابات رئاسية اميركية، تتصارع فيها كل الاوراق والخيارات لتأمين ولاية ثانية للرئيس دونالد ترمب، راسا على عقب ويجر معه حسابات جديدة وخلط اوراق كبير، قد يجعل اوراقا كانت حتى الامس القريب محيدة من الصراع كلبنان في عقر دار هذا الصراع وتلك المنازلة الموعودة والمتوقعة.
ثانيا: لبنان والمنطقة اذا وبمعزل عن كارثة 4 اب الحالي، امام مرحلة جديدة، معها اصبح كل ما يمكن تقديمه من تنازلات ايرانيا، لإراحة لبنان وحل ازمته، مجمدا ان لم نقل ملغياً، ومن هنا التخوف الكبير في الدوائر الاوروبية ولا سيما الفرنسية من فشل المبادرة التي دشنها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بالتنسيق مع الرئيس دونالد ترمب، من اجل مساعدة لبنان وشعب لبنان ،من خلال خريطة طريق كانت خطوطها العريضة تبدأ بتشكيل حكومة مستقلة وحيادية وتوحي بالثقة للمجتمع الدولي ولا تنتهي بانتخابات نيابية مبكرة وفق القانون الانتخابي الحالي بعد تقصير المهل وبترسيم الحدود البحرية والبرية جنوبا وشرقا والقيام بالإصلاحات المطلوبة دوليا وعربيا لمساعدة لبنان مجددا، وتلبية رغبات الشعب اللبناني الثائر، وكلها مراحل اكد عليها مساعد وزير الخارجية ديفيد هيل خلال لقاءاته أخيراً في لبنان.
فلا حكومة حيادية كما قالها الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، اذ لا حياد في لبنان ولا حياديين، قاطعا الطريق امام اية مبادرة لا تعيد تشكيل حكومة سياسية ـ تكنوقراطية، تبقي يد الحزب ومكتسبات ايران في لبنان كاملة في قبضتهما.
فهل فشلت المبادرة الفرنسية ومن خلالها الانفتاحة الاميركية؟
عندما اتفق الرئيسان الفرنسي والاميركي على المبادرة للتدخل لإنقاذ الشعب اللبناني بعد كارثة 4 اب، كان رهان الجانب الفرنسي ان يتمكن من تحييد حزب الله ليقف جانبا الى جانب كل الاحزاب والقوى السياسية، لمحاولة تشكيل حكومة انقاذ مستقلة تحظى بدعم وتوافق وطني (لا حكومة وحدة وطنية كما اسيء تفسير كلام ماكرون)، من دون الذهاب الى حد معاداة الحزب باعتباره في القراءة البراغماتية الفرنسية جزأ من التركيبة السياسية والشعبية اللبنانية لا يمكن تجاهله ولا محاربته، بل يجب محاولة استقطابه للتمكن من التوصل الى ما يسهل الحل في لبنان.
يومها اراد الاميركي اعطاء الفرنسي كل الفرصة لمحاولة ايجاد تسوية ما، ضمن شرط اساسي: ابعاد ايران وحزب الله من الحكم. وفي وقت كان الاميركي منغمس في الاعداد للحملة الانتخابية وفي مواجهة المحور الصيني ـ الروسي ـ الايراني، ولكل دولة من تلك الدول الثلاث، ملفاتها المثقلة اميركيا، انطلقت المبادرة الفرنسية وكانت زيارة الرئيس الفرنسي الى لبنان ولقاؤه الشعب والقوى السياسية والمسؤولين الرسميين.
والجدير ذكره ان المبادرة الفرنسية ـ الاميركية وضعت لبنتها في الاجتماع الباريسي الذي انعقد منذ حوالي شهرين وضم في العاصمة الفرنسية ممثلون عن كل من فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا والفاتيكان خصص للبحث في القضية اللبنانية وكيفية تحريك الوضع في لبنان باتجاه الفصل بين الازمة الاقتصادية الخانقة التي تنذر بسقوط لبنان نهائيا في الفوضى والتفكك وبين الملف السياسي المرتبط بأزمة المنطقة والصراع الاكبر بين اميركا والعالم العربي من جهة وايران من جهة ثانية.
فانفجار 4 اب سرع من وتيرة المبادرة وسرع في الكشف عن المبادرة في نفس الوقت الذي فيه تدور حرب عالمية اخرى في شرق حوض البحر المتوسط بين الاتراك من جهة والعرب والاوروبيين من جهة ثانية، تبدأ من حرب التنقيب في المياه القبرصية اليونانية وتمر بالأزمة الليبية وتصل الى لبنان حيث التوغل التركي في الشمال اللبناني.
فالأساطيل الحربية الغربية في مياه بيروت تذكرنا بالأسطول السادس الاميركي الذي نزل على الشواطئ اللبنانية عام 1958 لدعم حلف بغداد انذاك ضد محور عبد الناصر والقوميين العرب، استنادا لمبدا ايزنهاور الشهير مع فارق ان الاسطول الغربي الجاسم في بيروت وفي المياه اللبنانية اليوم حمال رسائل حازمة لكل من ايران وحزب الله وتركيا في المنطقة ولبنان حيث الورقة الايرانية الاقوى المتبقية لها بعد خسارة القبضة الكلية في العراق وفي اليمن وفي سوريا، وخارج اي تكليف بتدخل عسكري مباشر، اي وبعبارة اوضح الاساطيل الغربية في لبنان رسالة دبلوماسية غربية وعربية شديدة اللهجة ومعسكرة انطلاقا من الموقع الجيو ـ سياسي والجيو ـ استراتيجي لمرفأ بيروت على المتوسط.
ثالثا: تلقفت ايران ومن خلالها حزب الله الرسالة، ما دفع وزير الخارجية محمد جواد ظريف الى الهرولة الى بيروت للطلب من الجميع عدم التدخل في الشؤون اللبنانية وترك اللبنانيين تقرير الحكومة التي يريدون باعتبار لبنان دولة سيدة ومستقلة، متناسيا ان الدولة اللبنانية محتلة ومنقوصة السيادة بسبب حزب ايران في لبنان وان الشعب مسلوب الارادة وثائر ضد السلطة الموالية لحزب الله وان الشعب الذي يقرر شكل الحكومة والتركيبة الحكومية هو تحالف السلاح والفساد او تحالف مافيا الفساد مع مافيا السلاح الايراني.
فكان خطاب نصرالله الناري الذي لم يخل من التهديد الموجه الى الداخل كما الى الخارج، ولسان حاله يقول: لم يعد امامنا شيء نخسره ان انتم سلبتمونا السلطة في لبنان فاحذروا غضبنا الذي يحرق كل شيء.
اذاً لبنان في مأزق خطير ومنعطف سياسي امني لا تحمد عقباه، ففشل المبادرة الفرنسية يعني حكما المواجهة الاميركية الايرانية من خلال اسرائيل، ولبنان افضل الساحات لتلك المواجهة خصوصاً أن تقارير استخباراتية غربية واسرائيلية تتكلم عن تخزين وتصنيع صواريخ دقيقة وبالستية في بيروت ومناطق سكنية حساسة وصولا الى المطار ومرافق أخرى. وإيران برفضها حكومة لا يكون لها ولحزب الله التأثير المباشر عليها تجد نفسها امام خطوة الامارات بالتطبيع مع اسرائيل محاصرة بالخطر الاسرائيلي على بعد 50 كيلومترا، وهي المسافة الفاصلة بين ابو ظبي وطهران، ما سيدفعها الى التشدد والمزيد من التصعيد لان محاصرتها في الخليج مسألة حياة او موت كما محاصرة حزب الله بالمبادرة الغربية مسألة حياة او موت.
بالأمس، وجه نصرالله تهديدات واضحة لقوى سياسية لبنانية بالانقلاب على الدولة والتسبب بحرب اهلية، علما ان الوحيد القادر على الحرب الاهلية هو حزبه المسلح، ما يعني استباحة الساحة اللبنانية مجددا، وفتحها امام كافة الاحتمالات، لا سيما ان هناك اصراراً اميركياً على تقليب الشعب اللبناني على الحزب المزعور والمستشعر للأخطار المصيرية التي تتهدده بتحميل الشعب مسؤولية التغيير، فيما التغيير يبدأ بالتخلص من تأثير سلاح الحزب وسطوته على الدولة والقرار، وبالتالي مواجهة اهلية دموية ستعيد خلط الاوراق الداخلية بموازاة اوراق المنطقة، ويتخللها وضع امني خطير لن يخلو من محاولات اغتيالات وتفجيرات الى ان يحين موعد المنازلة الاسرائيلية الايرانية عبر حزب الله والتي سيكون لبنان مسرحها.
وهل يكون طرح الحياد وصل متأخرا او في توقيت تمهيدي لما بعد المنازلة؟
