لعيونك يا كميل شمعون

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1708

كان جدي لوالدي من أشد المعجبين بكميل شمعون، وكان كثيرون يشبّهونه به وسامة وقامة، علمًا أن جدي فقد النظر في منتصف الأربعين عمرًا نتيجة إنفجار غادر للديناميت لدى تفجير الصخور من  أجل شق الطريق العام في القرية، كما أصيب عدد من أترابه الذين هبُّوا «للعونة»، وكان يردد مازحًا أنه وجد «التعويض» لما التقى الرئيس الذي يشبهه في بيروت عندما كان يراجع أحد كبار الأطباء.

لقد اعتبر جدي دائمًا، وعلى غراره والدي وشرائح كثيرة من اللبنانيين وبخاصة من المسيحيين، أن كميل شمعون هو الشخصية التاريخية التي يمكن الإعتماد عليها في مختلف الظروف، وكان كلما عنّ على باله أن يطلق «كم ضرب» في الهواء و«عالعمياني بحق وحقيق» من بارودته «المعدَّل» التشيكية، يهتف مع الرصاص: لعيونك يا كميل شمعون. وإذا أراد أحدهم أن يستفزه، يذكر أمامه إسم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وذلك على خلفية دعم الأخير للثورة التي هبّت في وجه شمعون في أواخر عهده والتي صمد حيالها حتى اليوم الأخير من ولايته، وكم اشتهرت صورته وهو يطلق النار من نافذة قصر القنطاري في وجه محاولات الثوار التقدم للسيطرة عليه.

وروى لي والدي أن ذات يوم خلال حرب السنتين، صدف عندما كان يزور مريضًا في مستشفى سان لويس في جونيه، وصول الرئيس شمعون والشيخ بيار معًا لتفقد عدد من المقاتلين الجرحى. فميّز بين شخصيتين: الشيخ بيار كان يرد على ترحيب الناس هتافاً وتصفيقاً برفع اليدين والإبتسامة العريضة والشكر، بينما كان الرئيس شمعون يتجنب الإلتفات نحو المرحبين وهو يتقدم بشيء من العبوس مكتفيًا بهزة رأس خفيفة.

لقد قُدّر لي أن أشاهد الرئيس شمعون مرتين الأولى وهو يدخل إلى أحد الإجتماعات بكامل أناقته وشعره الفضي ونظاراته الداكنة، والثانية وهو يستريح في إحدى المحطات البقاعية قبيل الحرب ببزة الصياد، حيث أقبل عليه رجال من شيعة بعلبك يحيّونه ويدعون له بطول العمر لأن «أيامه كانت أيام عز وبحبوحة».

قيل الكثير في وسامة كميل شمعون وأناقته وجرأته في الإنتقاد وفي ظرفه وعنفوانه، وهو الذي شكل ثنائيًا رائعًا مع زوجته زلفا التي أحبها حبًا جمًا وحزن جدًا لغيابها، وقد ساهم حضورها الجميل والراقي في تعزيز إطلالته لقربها من الناس ولإتقانها التواصل مع الكبار، فنسج علاقات ود مع عدد من الملوك والقادة شرقاً وغرباً حيث كان يشع مع زلفا إلى جانبهم ويشكل محط أنظار الصحافة العالمية.

وقيل الكثير عن جاذبيته لدى النساء. وأذكر ما قرأته في إحدى الصحف في مطلع السبعينات، وكنت فتى أحب متابعة السياسة، ومفاده أن المير مجيد إرسلان أحد رجال الإستقلال والوزير الأكثر شهرة للدفاع الوطني، ولدى خروجه من قصر بعبدا بعد لقاء الرئيس سليمان فرنجيه حيث تم حل إشكال ما، أقبل عليه الصحافيون والمصوّرون وهم يتزاحمون، فيما راح مصوّر يأخذ له لقطات وهو راكع، فقال له المير مجيد: شو قصتك عم بتصوّرني من تحت؟ بعدني منيح، إنتو ما بتعرفو إنو كل ما شابت كلما طابت؟

فقال له أحد الصحافيين اسم لله عليك كل عمرك قبضاي فأجابه ضاحكاً: كنا بإيامنا ما نعوّف شو ما بيطلع بدربنا، مش متل الرئيس شمعون بينقّيهم عالطبلية!

كان قد مر عليّ بضع سنوات في عملي في إذاعة لبنان الحر، وكان الرئيس شمعون في أواخر أيامه يمضي وقتاً لا بأس به صيفاً في أحد الفنادق الكبرى في برمانا.

وطلب مني حينها رئيس التحرير أن أتصل به لأحصل منه على تعليق على موقف للدكتور سمير جعجع الذي كان في طور إعادة تنظيم «القوات» بعيد انتفاضة 15 كانون.

طلبته مرتين فقيل لي إنه نائم وفي الثالثة حوّلوني إلى غرفته، حييته فأجاب بامتعاض. وسأل شو في لاحقينّي لهون؟ قلت له أريد منك فخامة الرئيس تعليقا على تصريح… فلم يدعني أكمل وقال بانفعال. شو قصتكن كل ما واحد فقع… بدكن تحكوني، وأردفتُ: إن الموقف للدكتور سمير جعجع، فهدأ وقال إذا هيك طيب، شو قايل؟…

لقد شكّل كميل شمعون حالة متمايزة في تاريخ لبنان الحديث قبل الإستقلال وبعده وخلال الحرب التي غاب قبيل نهايتها، لدرجة سُمّي بطريرك السياسة اللبنانية أو البطريرك السياسي للموارنة، بعدما كان لقبه في البدايات فتى العروبة الأغر، كما عُرف بالنمر تيمناً اسم والده وتنويها بجرأته وقوة شكيمته، ومن وحيه سُمّي مقاتلو حزب الوطنيين الأحرار خلال الحرب بالنمور.

والملفت في السيرة السياسية «للنمر ابن النمر» تطوره في سلّم النفوذ والمواقع الرسمية، بتسلمه مواقع دبلوماسية ووزارية رفيعة إلى نيابته التي استمرت منذ العام 1929 وحتى وفاته في السابع من آب 1987 وهو المولود في غرّة القرن العشرين وتحديدا في الثالث من نيسان 1900.

فأولى الحقائب الوزارية كانت وزارة المال في العام 1938، وهي وللصدفة آخر حقيبة تولاها أيضًا في العام 1984 أي بعد نحو خمسين عامًا، في حكومة الرئيس رشيد كرامي في عهد الرئيس أمين الجميل، علمًا أنه في أواخر عهد الرئيس سليمان فرنجة تولى حقائب وزارية بالجملة إلى منصب نائب رئيس الحكومة في ما عُرف بحكومة الكفور.

ومعروف أن شمعون كان من بين رجال الإستقلال عندما اعتُقل إلى جانب الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح ورفاقهما في قلعة راشيا يوم كان وزيرًا للداخلية.

أما دبلوماسيًا، فلفت بمداخلاته وتوقد ذكائه عندما ترأس الوفد اللبناني إلى مؤتمر الطاولة المستديرة في لندن لبحث القضية الفلسطينية الناشئة آنذاك، وهو الذي كان منذ العام 1944 وزيرا مفوضًا لدى بريطانيا، وبعدها مثّل لبنان لدى الأمم المتحدة في العام 1948، وكان له مواقف معبّرة دفاعًا عن قضايا العرب وفلسطين ما جعله يستحق لقب فتى العروبة الأغر.

وخلال حقبته الدبلوماسية في لندن إصطدم أكثر من مرة بحميد فرنجية الذي كان رفيقه في تأسيس الحزب الدستوري بزعامة الشيخ بشارة الخوري، إذ تولى فرنجية وزارة الخارجية، وراح شمعون يناكف إلى فرنجية، الرئيس الخوري نفسه، معتمدًا على علاقاته الوثيقة بالإنكليز وعلى قدرته على الجمع بين الصلابة والمناورة، لا سيما وأنه وجد في ابن زغرتا منافسًا له على الرئاسة خلفاً لبشارة الخوري، وقد تقدّم عليه في العام 1952 بعدما نام فرنجية رئيسًا واستيقظ مرشحًا خاسرًا. أما معارضة شمعون لبشارة الخوري فبرزت في أواخر عهد الرئيس الأول بعد الإستقلال، إذ كان شمعون يُمنّي النفس بالحلول مكانه، ولذلك كان من أشد المعارضين للتجديد له.

كميل شمعون هو من الشخصيات النادرة التي حافظت على وهجها وحضورها الطاغي في مختلف الحقبات، بل إنه لعب أدوارًا أساسية قد تفوق أهمية دوره كرئيس للجمهورية، بدءًا بقيادة الحلف الثلاثي الشهير في مواجهة النهج الشهابي وقصة سيدة لبنان التي «برمت» دعمًا له، وصولاً إلى قيادة الجبهة اللبنانية خلال مرحلة الحرب وما تولاه من مهمات تفاوضية مع موفدي عواصم القرار ومن مواجهات مشهودة مع محاولات الهيمنة الفلسطينية والسورية.

وعلى الرغم من صبغته كبطريرك سياسي للمسيحيين ودوره خلال الحرب التي اتخذت أبعادًا طائفية، فقد عرف كيف يحافظ على علاقاته مع أصدقائه وحلفائه المسلمين من سنة وشيعة ودروز، وبينهم سليمان العلي وعادل عسيران ومجيد إرسلان وكاظم الخليل ومحمود عمار، وبعضهم كان في صلب رموز حزب الوطنيين الأحرار الذي تمتع بفضل حضور الرئيس شمعون بإحدى أكبر الكتل النيابية.

ولا غرو أن شمعون كان كبيرًا في مواجهة التحديات الشخصية والسياسية المحرجة، بدءًا بالعفو عمن حاول اغتياله وهو شاب طرابلسي يدعى نبيل عكاري أصابه مباشرة بالرصاص في وجهه وجبهته. كما تعاطى بروح المسؤولية وكأب للقضية بعد عملية 7 تموز 1980 تحت عنوان توحيد البندقية المسيحية.

لقد كان كميل شمعون من الشخصيات التي يمكن للناس أن تنام مطمئنة إلى وجودها. كان حالة نادرة لكنها قابلة للتكرار، لأن التاريخ سيذكر رجالاً تنكبوا القضية والمسؤولية بعد عصر الكبار وسيكونون كبارًا بحرصهم على الحق وخيارهم بالمواجهة حتى السجن أو الإستشهاد عوضًا من الهرب أو الهروب إلى الأمام.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل