ثقافة الحياة من عداد الشهداء

مقدمة انتظارية: لن أتطرق، اليوم، الى قرار المحكمة الخاصة بلبنان، فمشاهد المآتم التي أنتجها الشر، أمهات تنتحب، وأطفالاً أشلاء أو ما يماثلها، ودمعات بيروت الموجوعة، أصلت في وجداني حزناً لم يترك في نفسي بقعةً صغيرةً تستدعي فجر الخلاص.

 

إشكالية محفزة: ألم يحن الوقت، بعد، إثر التفجيرات المتتالية والمختلفة التداعيات، لإيجاد مفتاح مخضب بالمواجهة، لاستعادة لبنان مقومات وجوده؟

 

تحليل تراجيدي: بعد أسر الحياة الوطنية، وشل التركيبة السلطوية من جانب المجمع الذي لم يعد سرياً، والانزلاق الى تغذية التعصب بالتعديات والقتل والتفجير، تشكلت صفعة مباشرة لما يسمى دولةً، وشعباً، وسلطةً، ومؤسسات، وتم شطب أمن الناس، من المعادلة، واشتقت مفردات اللغة الخشبية، من هيمنة، وتسلط، وتهديد، وإخطار بالإلغاء، بعزم مستقو، وثبات.

 

من غير الممكن تجاهل تداعيات هذا العرف الجديد القديم، أو القرار بتوزيع الموت، ومن دون تقصير، أو رفة رمش. لا سيما وأن هذا القرار كان مرسوماً، سلفاً، وممسوكاً التحكم به، ومستحيلةً استقالة المرجعية العنفية التي يعود إليها الأمر والنهي. وآخر نتائجه، كارثة بيروت، رأس الرعب المجرم الذي غسل من اقترفوه أيديهم من التسبب بارتكابه، وأحالوا المسؤولية على “الغامض”! واستقرت بورصة ردودهم في الحزن المباغت على ضحايا “الحادثة” الذين تساقطوا. نعم، “الحادثة”، كما وصفها الرسميون الجلادون الذين يلحسون من دمنا، ويبصقون على قبورنا، ويستغلون معرض جثثنا ليستعطفوا ويستعطوا، لاستكمال سرقاتهم الموصوفة. شيوع صورة الاضطراب، والخوف، المستمرة من دون “حتى إشعار آخر “، أنتج رعباً مفتوحاً على احتمالات الكفر بالوطن، وبجدية، والمسارعة الى الهجرة، تصدياً لحتمية التحول الى أشلاء.

 

ثقافة التمويت بالاغتيال، والتفجير، والترهيب، أدخلت، من جديد، وبعد جريمة بيروت، في البرامج اليومية للناس، بالرغم ممن يدعون رعاية أمن الشعب، وأصبح لديها وكلاء معتمدون يتعاملون مع لبنان كساحة مفتوحة، أو رهينة مخطوفة. وكأن هذا البلد النازف، لم يحن، بعد، شعوره بالسأم من العنف والمحرقة، فاستتب فيه موت يأكل الرؤوس. إن ثقافة التفجير والترهيب، التي لما تزل مسترسلةً، قد حولت لبنان، على خطى البلدان التي تجاوره، كفناً ينزف ضحايا وركام جثث، وآلةً منتجةً لحزن أدخل الاحتفال بالحياة في حداد دائم.

 

ثقافة التمويت والتفجير، كابوس لا ينفع، معه، تذاكي المسحورين ممن في السلطة، وهم يتباكون على الضحايا، على جري عادتهم، بخطابات مستنسخة، آملين في أن تكون “الحادثة”، في بيروت، مرحلةً عابرةً لن تتكرر، بإذن الله. وهم مصيبون، فقط، في أن الله، وحده، قادر على المنجاة، وصون العباد، وليس، بالتأكيد، حرصهم على السلامة العمومية، إذ أوكلوا رعايتها الى حفاري القبور. أما نظم استنكاراتهم المجترة، فلم يعطل، مرةً، استدامة المأساة، ولم يجهض استيلاد موت جديد، بل أصبح نهجاً متبعاً يتذاكى، فيه، أصحابه للاستخفاف بعقل من تبقى له عقل، عندنا، باستنباط حجج تجافي المنطق والحقيقة، وبإحالة ” الحادثة” على المجلس العدلي، لتعبر الى غياهب الذاكرة، فينظف سجلها!

 

ثقافة التمويت والتفجير عقيدة إرهاب أدخلتنا عصر القبر المفتوح، عصر تيئيس البحث عن ظروف استمرار الحياة، عصر الهبوط الى الهاوية، من دون ترك أثر. والواضح أن هذه الثقافة باتت الأكثر نفوذاً، اليوم، في وطننا، لأن لا وجود لدولة تسائل مرتكبي المجازر، وكأن يوم الحساب ليس من هذا العالم.

 

خاتمة: لما لم تلتزم ثقافة التمويت والتفجير بأي هدنة، وكانت كلفة الوطن باهظةً، بما راكمته في ضرباتها، من ضحايا، وشهداء، ودمار، وانحطاط، وعودة لشريعة الغاب، لا بد من إجماع على الجرأة، ونبذ سياسة النعامة، وترشيد مفهوم الحياد، ودعم مشروع قيام الدولة الحقيقية، والمطالبة بتنفيذ القرارات الدولية، ورفض هدايا الذعر… وهذه ورشة إلزامية، حتى لا نضيع الفرصة على خارطة طريق لثقافة الحياة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل