البطريرك صفير في وداع الرئيس شمعون

كتبت “المسيرة” – العدد 1708

البطريرك صفير في وداع الرئيس شمعون:

أيها المناضل القوي الحكيم

نص الكلمة التي ألقاها البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في تأبين الرئيس كميل شمعون في أثناء الصلاة لراحة نفسه في كاتدرائية مار الياس أنطلياس:

«الحكمة خير من القوة» (الجامعة 9/16).

الراحل الكبير، الرئيس كميل شمعون الذي نودع اليوم ويودعه لبنان بأسره، كان يؤمن بما قال الكتاب: «الحكمة خير من القوة». فبنى حياته السياسية على النضال بسلاح القوة والحكمة. فكان مناضلاً قويًا لأنه كان حكيمًا.

باشر النضال حدثاً، يوم رافق والده نمر شمعون الى المنفى مع نفر من اللبنانيين الأحرار في أواخر العهد التركي. وراح منذ ذلك الحين يتمرّس بالشدّة، فانطلق موظفاً من المكتبة الوطنية، ثم محاميًا يُحامي غالبًا من دون مقابل، وما لبث أن لبّى داعي السياسة فجال جولته الأولى في ميدانها وعرّابه فيه خازني شعبي عريق هو المرحوم الشيخ فريد الذي فسح له المجال للفوز بالنيابة على لائحة الكتلة الدستورية. وكان، كلما ترشّح لاحقاً، فاز إلا مرة واحدة وكان يترشّح حيثما حلا له من المناطق التي له فيها محازبون من دون أن يخشى السقوط. وناضل في سبيل الإستقلال فكان أحد أبرز أركانه وناله ما ينال المناضلين، في كل مكان وزمان، من نفي وتشريد. وقلعة راشيا شاهد صدق. وناضل في سبيل نصرة القضايا العربية العادلة وفي مقدمها القضية الفلسطينية التي حملها الى المحافل الدولية في لندن حيث كان سفيرًا لامعًا، وباريس حيث له كثير من الأصدقاء، والأمم المتحدة بصفته وزيرًا وممثلاً للبنان. فلُقِّب بفتى العروبة الأغرّ بمعناها الصحيح. وناضل فتبوأ سدّة الرئاسة الأولى في لبنان، وجمع في عهده الملوك والرؤساء العرب في قمة أبرزت دور لبنان الأصيل، دور الوسيط اللبق. وظلّ يناضل بعد الرئاسة، على مدى ثلاثين سنة في النيابة والوزارة وعلى رأس حزب الوطنيين الأحرار الذي أسّسه، والجبهة اللبنانية للمحافظة على لبنان واحة حرية وديمقراطية، وأرض قِيم روحية وإنسانية، ومثال عيش مشترك بين إسلام ومسيحية، حتى ليُخيّل الى بعضهم أن وجهه، ولو غاب، باقٍ على المسرح السياسي في لبنان، بقاء قمّة من قِمم جباله الشامخة.

عُرف بصلابة العود وشدّة المراس، لا يخشى الصدام إذا بدا له أن لا مفرّ منه. يوم اندلعت الثورة عليه في آخر عهد رئاسته وانفضّ عنه بعض صحابته وضيّق عليه المهاجمون الحصار، كان يصعد الى سطح قصر الرئاسة في القنطاري ليشارك في صدّ المهاجمين وكانت هواية الصيد عنده قد جعلته من أمهر الرماة. ويوم أمطرت الراجمات الأشرفية الحديد والنار، ظلّ على مدى مائة يوم في الملجأ يُعاني ما يُعانيه المواطنون من قلق وحرمان ولا يتزحزح من مكانه. ما نسي يومًا أنه قدّ من صخر الجبل في الشوف.

تعرّض للإغتيال أربع مرات وصفح عن الجاني، بناء على طلب قرينة له كان لها دور بارز في تكوين شخصيته، فجعل من الجاني ومن ذويه أخلص المؤيدين له. أوتي طبيعة مبارز. مات وسيف الكلمة على لسانه يقرع السيف فكان آخر ما فاهت به شفتاه ونشرته له الصحف: «أما نحن فسائرون في طريقنا… فالبلد مقبل على إفلاس محتّم وعلى مجاعة. قلناها بأصرح العبارات ونُكرّرها بأصرح العبارات». وكأن قوة شكيمته أبت عليه أن يموت إلا وهو واقف، ميتة الربان يُصارع العاصفة والسفينة تمخر عباب بحر هائج، وما توقف عن الجهاد حتى توقف قلبه عن الخفقان. كانت إطلالته في عهد الرجولة مثار إعجاب لدى جماهير مؤيديه. كلما أطلّ عليهم بوسامته وأناقته المعهودتين، إلتهبت الأكفّ بالتصفيق. وكلما لاح لهم وجهه، في وقار المشيب، من خلال الشاشة الصغيرة، وسمعوا نبرة في صوته تُغلّفه بحّة خفيفة، هتف هذا أو ذاك من مناصريه: نقص الله من عمري وزاد في عمره. وكان رأيه ينمّ عن قوة حجة، وصفاء ذهن، وسرعة خاطر، ونفاذ بصيرة، وتسلسل فكري لافت في سن بلغ معها السبع والثمانين.

عرف الرئيس شمعون كيف يقرن القوة بالحكمة، والشدّة باللين، والخشونة بالدماثة، فكان يُحسن التوقيت لكل حالة وينتظر الظرف المؤاتي للإقدام أو الإحجام، وقلما خطئ عنده الحدس أو أخطأ في الحساب. وهذا ما جعله رجل دولة من طراز رفيع، كيلا نقول ما يقوله بعض مؤيديه: كان رجلاً في دولة أو دولة في رجل، تجاوزت قامته السياسية لبنان وما جاوره من بلدان بما وثّق من علاقات صداقة مع بعض الحكام شرقاً وغربًا، حتى ليصحّ القول إن سيرة حياته قد تختصر نصف قرن من تاريخ لبنان، يشهد على ذلك ما نشره في مؤلّفات بالفرنسية التي كان يُتقنها إتقاته الإنكليزية والعربية كتابة وحديثاً. لم يخف عليه حدث، كبُر شأنه أم صغُر، من أحداث لبنان. فكان يعرف منه كل قرية ودسكرة ومدينة ويُسمّي الناس بأسمائها ويصف الأشياء والمواقع بأوصافها. حمل هموم المهجرين ولا سيما أبناء الشوف منهم، وقد أصابه ما أصابهم، فهُدم بيته في السعديات كبيوتهم، وشُرِّد على مثالهم، وامتنع عليه حضور عيد سيدة التلّة في دير القمر مثلما امتنع عليهم الإحتفال بالأعياد في كنائسهم التي زالت منها المعالم وخرست الأجراس، وشيّع من شيّعوا من أبنائها الذين سقت دماؤهم تربة الجبل لتُزهر مجددًا ألفة ومحبة وسلامًا.

ورقد بعد طول جهاد ليرتاح راحته الكبرى، على ما تمنّى، في جوار سيدة التلّة، وإذا تعذّر ذلك في جوار سيدة لبنان، إيماناً منه بشفاعتها، وقد خصّها بإكرام بنوي، واحتفظ دائمًا بصورتها يضعها الى جهة القلب، يقيناً منه أنها هي التي وقته ما تربّص به من شرّ، على ما أعلن غير مرة.

أرقد بسلام الله، أيها المناضل القوي الحكيم، رقدة تمنّيتها في تربة نبتَّ منها في ظلال دير القمر وفي حضن سيدة التلّة، على ما طاب لأحدهم أن ينشر لك رسمًا، وأسألها أن تستمد من إبنها الإلهي لهذا الوطن ما طالما سألت له وعملت في سبيله من أمان وازدهار وسلام.

وإنّا بإسم صاحب النيافة وأصحاب الغبطة والسيادة، وهذا الحشد الكريم، نتقدّم بأحرّ التعازي وأخلصها من صاحب الفخامة رئيس الجمهورية الشيخ أمين الجميل، وكل من صاحبي الدولة رئيس المجلس النيابي ومجلس الوزراء وأصحاب المعالي والنواب والجبهة اللبنانية وحزب الوطنيين الأحرار، وولدي الراحل الكبير وشقيقيه وذويه وآل شمعون الكرام، وجميع اللبنانيين، سائلين لهم طول البقاء، وللبنان عودة الإستقرار والسلام، وللفقيد الكبير جزاء المناضلين، الأقوياء، الحكماء، في دار الخلود».

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل