يترقّب اللبنانيّون بحذر الأحداث السياسيّة المتسارعة المرتبطة بالملفّ اللبناني بشكل مباشر، ولعلّ أبرزها اليوم جلسة مجلس الأمن المخصّصة للتجديد لقوات اليونيفيل العاملة في جنوب لبنان، والتي ستنعقد في 28 آب الحالي. وتشير بعض التسريبات من أروقة الأمم المتحدة إلى أنّ هذه الجلسة ستعلن عن قرار عدم التجديد لقوات الطوارئ الدولية.
وبحسب ما أشارت بعض المواقع الاخباريّة عن مصادر غربيّة بأن القوى الغربية في الأمم المتحدة أعلنت عن توجهها لسحب قوات اليونيفيل عند نهاية تجديد العقد، وستُسحب قوات الطوارئ على مراحل. في حين أنّ التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي قيّم فيه مهمة اليونيفيل كان واضحاً في ضرورة “تعزيز” مهمتها ضمن منطقة عملياتها area of operation حتى لو تراجع عديدها وعلى طول الخط الازرق لناحية تكثيف عمليات المراقبة لمنع أي خرق من الجانبين.
وبغض النّظر عن الموقف السياسي من هذه المسألة، استبق مجلس الامن جلسة التجديد بجلسة التمويل للقوات الدولية التي عقدت أوائل الشهر الحالي، إذ وافق معظم الاعضاء بمن فيهم الاميركي على موازنة العام 2020-2021 من دون تخفيض التمويل. لكنّ ذلك لا يمنع السير قدماً في تعديل ما لمهام هذه القوّات الدّوليّة. وفي ذلك مؤشرات خطيرة جدًّا لما قد يترتّب عن هكذا قرار من تداعيات إقليميّة ودوليّة، لاسيّما بعد الرابع من آب واستفحال الأزمة اللبنانيّة سياسيًّا؛ فضلا عن ازدياد الاهتمام الدّولي بلبنان، وعمليّة تطويق النّظام الايراني التي تقودها الديبلوماسيّة الأميركيّة.
واللافت في هذا السياق الحراك الدبلوماسي الأميركي الذي بدا للوهلة الأولى محصوراً في عمليّة ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل بحسب خطّ هوف، وإنهاء معضلة مزارع شبعا للانتهاء من ملف الحدود اللبنانيّة بالمطلق. إلا أنّ الضغط السياسي الذي تمارسه دول الغرب على لبنان لإحداث الخرق المرتقب في الحياة السياسيّة اللبنانيّة على قاعدة تشكيل حكومة انتقاليّة بعد استقالة حكومة حسان دياب التي كانت تمثّل حكومة حزب الله، هو سيّد الموقف حتّى هذه اللحظة. فعلى ما يبدو بأنّ الحزب ليس بوارد تقديم تنازلات في الملف اللبناني، وذلك سيتجلّى بحسب ما بات واضحاً بموقفه من قرار المحكمة الدّوليّة بتجريم القيادي فيه سليم عيّاش. والمهمّ في هذا الحكم كان عدم تبرئة حزب الله وإصرار المحكمة الدوليّة في حيثيّاتها على إثبات علاقة عيّاش مع حزب الله والنظام السوري.
وهذا ما سيتمّ ترجمه دوليًّا من خلال تغيير ما في قرار التجديد لليونيفيل قد يصل في حدّه الأقصى إلى سحب هذه القوّات نهائيّاً من لبنان. وهذا المؤشّر هو الأخطر لما سيحمله من تداعيات أمنيّة وسياسيّة ستجعل الوضع اللبناني مكشوفًا أكثر فأكثر. من
هنا، لا بدّ من الاستجابة سريعًا إلى المطالب الدّوليّة من خلال السير بحكومة واضحة الأهداف الاصلاحيّة لتدير هذه المرحلة الانتقاليّة في لبنان حتّى الوصول إلى إعادة إنتاج السلطة السياسيّة استجابة لمطالب الشارع اللبناني الثائر، كذلك لامتصاص النّقمة الشعبيّة التي ازدادت على هذه السلطة السياسيّة على خلفيّة إهمالها الواضح الذي كان من أبرز الأسباب التي أدّت إلى كارثة الرابع من آب في مرفأ بيروت.
لكن حتّى هذه الساعة، لا مؤشّرات تدلّ على أيّ تنازل قد تقدم عليه هذه السلطة. لا بل عكس ذلك تمامًا حيث بات من الواضح أنّ المواجهة ستأخذ مداها، لا سيّما أنّ الدفع الذي تستمدّ منه السلطة السياسيّة قوتها مبنيّ على فترة الانتظار حتى الانتخابات الأميركيّة، إذ تعوّل على ضربة ما قد يسدّدها الدّيمقراطيّون لترامب، ما سيزيد من عناصر قوّتها وبالتّالي ستحكم قبضتها أكثر على لبنان. أو في الحالة الثانية قد تدخل في عمليّة تفاوض دولي تأمل منه الحصول على لبنان كجائزة ترضية لتنازلاتها الاقليميّة.
بين الواقع والمرتجى، يبقى الترقّب سيّد الموقف، والحذر بأعلى منسوبه لأنّ ما قد تحمله جلسة 28 آب سيكون المؤشّر الواضح بتخلّي المجتمع الدّولي عن لبنان، وفتح الساحة أمام مواجهة كبرى. إلا أنّ الأمل بزيارة الرئيس الفرنسي الثانية بعد ثلاثة أيّام يبقى في قيامة ما، علّه يستطيع إحداث هذا الخرق المطلوب. لكن المفاجأة غير المتوقّعة قد تكون في السقف العالي الذي قد يحمله ماكرون فيسير مع المجتمع الدّولي في المواجهة الكبرى. حمى الرّبّ لبناننا الحبيب.
