بطريرك المسيحيين المدني: كطائر الفينيق لا يموت

“المسيرة” – كريم بقرادوني – من كتابه “السلام المفقود” – العدد 1708

كميل شمعون ساحر كبير. فهو لا يُقنعك، إنه يُبهرك. وقد أقرّ الياس سركيس بمواهبه عندما قال لي في حزيران 1978: «كميل شمعون ظاهرة غريبة. فعلى الرغم من أن فؤاد شهاب كان مسيحيًا ممارسًا، فالمسيحيون لا يشعرون بذاتيتهم إلا من خلال كميل شمعون. في كل إحتفال ديني كنا نطلب الى التلفزيون أن يصوّب أضواءه على فؤاد شهاب عندما كان يرسم إشارة الصليب، أو عندما كان يستعد لتناول القربان المقدس. ولكن بلا فائدة. فالمسيحيون كانوا، وهم الآن، وسيكونون دائمًا مسحورين بكميل شمعون». إنه بطريرك المسيحيين المدني.

هذا البطريرك يعتبره بعضهم ملاكاً والبعض الآخر شيطاناً. ولكن الكل يعترف بأنه من أهم السياسيين على الساحة الإقليمية. يُلقّبه أصدقاؤه بالـ»نمر العتيق»، ويعتبره خصومه «ثعلبًا عتيقاً». والحقيقة أنه هذا وذاك معًا: له شجاعة النمر، وحيلة الثعلب. يردد محازبوه بلا انقطاع: يكفي أن يعقد كميل شمعون حاجبيه، ليرتجف الجميع رعبًا. يمثل كميل شمعون أضخم سوء تفاهم عرفته السياسة اللبنانية. إنه عميد السياسيين في الشرق الأوسط: كان فيصل العراق وشاه إيران صديقيه، وعبد الناصر وبن غوريون نظيريه.

طالب، وهو وطني شاب، بإلغاء الإنتداب الفرنسي. ووقف الى جانب الإنكليز داعيًا الى نوع من العروبة. ودافع، عام 1947، عن القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة، فاستحق لقب «إبن العروبة البار». ولكن، لما تولّى رئاسة الجمهورية عام 1952، فاجأ الجميع بتأييده لحلف بغداد الذي عُقد عام 1955. ولم يُدِن عام 1956 حملة السويس التي شنتها على مصر فرنسا وبريطانيا وإسرائيل. وانضم عام 1957 الى مشروع أيزنهاور، وطلب التدخل الأميركي في لبنان عام 1958. على الرغم من الهزائم والأخطاء والمجازفات، بقي كميل شمعون يحتل مكان الصدارة على المسرح السياسي. إنه يُبعث حيًا بعد كل سقطة، ويقوم من الموت بعد كل ضربة. فهو يعرف أن ينتصر، ويعرف أيضا أن يتغلب على الإنكسار.

بارع. جريء. لا يهاب القوى الخطيرة، ويجابه التيارات الجارفة. في الخمسينات عادى الناصرية. وفي الستينات قاوم الشهابية. وفي السبعينات وقف بوجه ياسر عرفات. ومنذ العام 1978، يواجه سوريا ـ الأسد. ومع كونه رئيس حزب الوطنيين الأحرار، فإنه يفضل العمل من خلال الجبهات السياسية أكثر من تنظيم الأحزاب الشعبية. إنه أرستقراطي شعبي. عام 1952، ألّف مع كمال جنبلاط الجبهة الإشتراكية الوطنية التي حملته الى رئاسة الجمهورية. وعام 1968، أنشأ مع بيار الجميل وريمون إده الحلف الثلاثي الذي أبعد الياس سركيس عن رئاسة الجمهورية، وأوصل سليمان فرنجية إليها. وعام 1977، أخيرًا، أطلق الجبهة اللبنانية وترأسها.

صياد محترف. يعرف كيف يُطلق ناره في الوقت الملائم والإتجاه المناسب فيصيب. ذكي. يحب الأذكياء ويحترم الذكاء. قال لي في تشرين الثاني 1977: «لو كان السادات أوفر ذكاء، لراهنت عليه. يجب أن نراهن دائمًا على الأذكياء». نضاله الطويل مستمر منذ الأربعينات. فقصة حياته هي قصة لبنان في نصف قرن. عصر شمعون لا ينتهي. إنه كطائر الفينيق لا يموت.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل