
أسوأ ما يمكن أن يتصوره عاقل، مسرحية المؤامرات الكونية التي يتخيلها عهد لبنان اليوم، اذ تجرأ رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل على القول إنه “تخلّص من المؤامرات الكونية المحاكة ضد عهد لبنان اليوم”، في الوقت الذي لم تجف فيه بعد دموع الشعب اللبناني على الضحايا الذين سقطوا بسبب لعنة فسادهم وسمسراتهم وصفقاتهم وإجرامهم.
من المؤسف أن يشهد لبنان انحطاطاً أخلاقياً وسياسياً بامتياز. فاليوم، يُدقّ آخر مسمار في نعش “العهد القوي”، اذ في ظل كل المصائب التي تمطر على لبنان، لا تزال الطبقة السياسية تخيّط وتفصّل وتتقاسم جبنة الدولة العفنة بين بعضها البعض. وكشفت معلومات “اللواء” عن أن الوزير السابق جبران باسيل يسعى إلى تحسين شروط فريقه في حال تسمية رئيس الحكومة السابق سعد الحريري لتأليف الحكومة.
وتستمر المراوحة في عملية التكليف وتتواصل عرقلة المسار الديمقراطي الدستوري تحت وطأة “عقدة سعد الحريري” التي لا تزال مستحكمة ومتحكمة بالمقاربة العونية الحكومية، وفق تأكيد مصادر مطلعة على أجواء لقاء عين التينة أمس لـ”نداء الوطن”.
وأوضحت أنّ اللقاء الرباعي الذي ضم إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، كلاً من الوزير السابق جبران باسيل والخليلين، فشل في الخروج بموقف موحد لقوى 8 آذار إزاء ملف الحكومة على وقع إبداء باسيل الاستعداد لتسهيل وصول أي شخصية إلى رئاسة الحكومة “إلا سعد الحريري”.
في سياق متصل، أكدت معلومات “الجمهورية” الا اسم متداولاً لرئاسة الحكومة حتى الآن، غير اسم الحريري. وعلى ما تقول مصادر موثوقة لـ”الجمهورية”، فإنّ المشاورات القائمة بوتيرة سريعة في هذه الفترة، لم تفضِ حتى الآن، الى ما يؤكّد انّ حظوظ الحريري قد ارتفعت الى حد افتراض انّ رئاسته للحكومة الجديدة باتت محسومة، بل انّ الامور لا تزال في حاجة الى مزيد من المشاورات التي لم تخرج عن طاولتها الذهاب الى مرشح بديل عن الحريري.
وفي هذا الإطار، كشفت المصادر عن أنّ بري “طلع الشعر على لسانو” طيلة نحو ثلاث ساعات وهو يحاول لفت انتباه رئيس “التيار الوطني” إلى أنّ “الضرورات الوطنية الراهنة تقتضي تسمية الحريري باعتباره رجل المرحلة الذي يمكن أن يتصدى لمقتضياتها محلياً وعربياً ودولياً”، غير أنّ باسيل استمر على رفضه المطلق لتسمية الحريري، مبرراً ذلك بأنّ الشروط التي يضعها لتشكيل حكومة تكنوقراط “لا يمكن لرئيس الجمهورية السير بها”.
توازياً، أكدت مصادر واسعة الاطلاع لـ”الجمهورية” انّ رئيس الجمهورية ميشال عون يرفض إبقاء الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الحكومة معلّقة بالشكل الذي هي عليه حالياً، ولن يقبل ببقائها مربوطة من تأخير الى تأخير، وهو ما أكد عليه في اللقاء الاخير بينه وبين رئيس المجلس النيابي نبيه بري.
واذا كان الرئيس نبيه بري قد أكد صراحة موقفه لجهة تسمية الحريري لرئاسة الحكومة «لأنّ مصلحة البلد تتطلب ذلك، ومن لديه مرشّح بديل يؤمّن هذه المصلحة فليطرحه»، فإنّ المصادر الواسعة الاطلاع تلفت الى انّ رئيس الجمهورية الذي لم يكن يحبّذ فكرة عودة الحريري قبل استقالة حكومة حسان دياب، والانفجار الرهيب في مرفأ بيروت، لم يُبد موافقة حاسمة على هذه العودة كما لم يُبد ممانعة. وبالتالي، يمكن وصف موقفه حالياً بـ«لَعَم» للحريري.
وكشفت معلومات “نداء الوطن” عن أنه يبدو أنّ عون وباسيل لم يلتقطا بعد إشارة حزب الله بإيكال ملف التفاوض في الشأن الحكومي إلى بري، مع ما تعنيه هذه الإشارة من أنّ الحزب بات أقرب إلى عين التينة من قصر بعبدا في مقاربة هذا الملف”.
في المقابل، توقعت مصادر مطلعة لـ«اللواء» ان تتم الدعوة للاستشارات النيابية الملزمة الأسبوع المقبل اذا توافرت عوامل توضح مواقف الكتل من هوية الشخصية المرشحة لرئاسة الحكومة.
واكدت ان المشاورات قائمة وسيحصل تقييم لمسار الأمور وخصوصا لمواقف الأطراف التي لم تعلن بوضوح.ِ
وقالت مصادر معنية بالمشاورات إن الثابت، هو الذهاب الى حكومة مختلطة من سياسيين واختصاصيين، وعدم استنساخ حكومة حسان دياب بحكومة تكنوقراط إنما بأسماء جدية.
في سياق متصل، كشفت مصادر “الجمهورية” عن انّ اشارات فرنسية وردت في الساعات الاخيرة، تحث على الإسراع في حسم الامور، ذلك انّ لبنان في هذه المرحلة ترى باريس وجوب ان تكون له حكومة، اذ انّه لا يستطيع ان يكمل هكذا من دون حكومة، في وقت تتعاظم فيه ازمته الداخلية، تُضاف اليها الأعباء الرهيبة التي نتجت من الانفجار الكارثي في مرفأ بيروت.
وبرز في الأيام الأخيرة دخول الروس على هذا الخط، عبر اتصالات اجراها نائب وزير الخارجية الروسية ميخائيل بوغدانوف بكل من الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، وكذلك عبر ما اعلنته المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، التي لفتت الى انّ موسكو تأمل ان يلقى الحكم الصادر في 18 آب في لاهاي، فهماً صحيحاً لدى جميع اللبنانيين، وحثهم على تعزيز تضامنهم حول المصلحة الوطنية الجامعة.
واشارت زاخاروفا الى انّ موسكو، تقدّم المساعدة اللازمة للشعب اللبناني الصديق، وتدعو الى حلّ القضايا الحادّة بأيدي اللبنانيين انفسهم، في اطار القانون والحوار البنّاء المفضي الى الوفاق الوطني الشامل، ومن دون التدخّلات الخارجية. وقالت انّ موسكو تأمل ان تقوم الجهات الخارجية المعنية بسلوك ما يفضي الى المساعدة الحثيثة في عودة الاوضاع الاقتصادية والسياسية في لبنان الى طبيعتها.