كميل شمعون… الرئيس القوي للجمهورية القوية

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1708

لم يولد كميل شمعون وفي فمه ملعقة من ذهب. ولم يمت وهو جالس على جبل من ذهب. سيرة حياته التي امتدت بين العام 1900 والعام 1987 تكفي لتثبت أن إبن عائلة متواضعة كان يمكن أن يصبح رئيسًا للجمهورية في لبنان، وأن يصنع جمهورية على قدر أحلامه وأحلام أبناء وطنه، وأن يخوض المواجهة من أجل بقاء هذه الجمهورية قوية بهويتها الأساسية وبروحها وبحدودها الجغرافية والسياسية والفكرية الممتدة على مساحة «عالم متسع عريق، عالم من التقاليد المجيدة تقاليد الحرية والعزيمة والعلم» كما كتب بنفسه.

من بيت صغير أتى كميل شمعون ليسكن في بيوت كثيرة ويبقى مسكنه في قلوب اللبنانيين الذين تعلقوا به وأحبوه وشاركوا معه في معارك الدفاع عن لبنان ليبقى وطناً سيدًا حرًا مستقلاً ورفضاً لإلحاقه بأي محور دولي أو إقليمي. طيلة حياته بقي كميل شمعون ذاك المقاتل الشرس دفاعًا عن لبنان حتى وكأنه قضى شهيدًا أكثر من مرة بعدما تعرض لأكثر من محاولة إغتيال.

الرئيس كميل شمعون لم يكن رئيسًا فقط بين العام 1952 والعام 1958. دخل إلى القصر الجمهوري المتواضع في القنطاري رئيسًا وخرج منه في 23 أيلول رئيسًا دائمًا ولو من دون قصر.

ذلك الفتى الذي عرف الحياة البسيطة وعاش في ساحات دير القمر وساعد في تأمين المساعدات للمحتاجين في الحرب العالمية الأولى وعرف الظلم بعدما تم سجن والده نمر الموظف في مالية سراي بعبدا في العام 1916 في الديوان العرفي في عاليه ثم نفيه وحده إلى القدس قبل أن يتم نفيه مع العائلة إلى بر الأناضول. هناك عاش كميل شمعون سنوات المنفى والعزلة ومن هناك سيعود بعد تحرير لبنان من الأتراك وإعلان دولة لبنان الكبير ليسير على درب السياسة وحلم الرئاسة.

موظفاً عاديًا بدأ كميل شمعون حياته العملية وتدرّج في المهمات الوظيفية والمحاماة والصحافة حتى اقترب رويدًا رويدًا من الصفوف الأولى وتقدم إلى ساحة اللعب مع الكبار. هكذا بعمر ال29 عامًا صار نائبًا، ومنذ ذلك التاريخ لم يخرج من الحياة السياسية وبقي من صنّاع التحوّلات التاريخية في لبنان.

لم تكن مسيرته كلها إنتصارات. عرف الهزائم والإنتكاسات ولكنه كان دائمًا يعرف كيف ينتفض ويقوم من بين العثرات، ولكنه في كل مسيرته بقي كبيرًا ونظيفاً وبعيدًا عن الشبهات، وبقي المثل الذي يُعطى عند الحديث عن لبنان الحلو والزمن الجميل والجمهورية القوية والقرار الحر.

كما عرف المنفى على أيام الأتراك عرف السجن أيضًا على أيام الإنتداب الفرنسي. كان وزيرًا للداخلية عندما تم اعتقاله وتوقيفه في قلعة راشيا مع الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح وعادل عسيران وسليم تقلا وعبد الحميد كرامي. في تلك المرحلة كاد أن يكون رئيسًا ولكن الإرادة الفرنسية كانت ترفضه لأنها كانت تحسبه مؤيدًا للبريطانيين.

وفي العام 1952 بات رئيسًا للجمهورية قبل أن ينتهي عهد الرئيس بشارة الخوري الممدد. فقد كان سيد محور المعارضة. إستقال الخوري قبل أن يتم إنتخاب شمعون الذي تسلّم السلطة من رئيس الحكومة الإنتقالية اللواء فؤاد شهاب. منذ دخل شمعون إلى المقر الرئاسي عرف كيف يرسم صورة الوطن الجميل الذي طالما حلم به أغنية ولحناً ومهرجانات فرح ومشاريع ومؤسسات وإدارة وملاعب ومنشآت ورحلات صيد. لم تكن لكميل شمعون في المقر الرئاسي حاشية أو عائلة أو منتفعين. كان له حلفاء وأخصام ولكنه في صداقاته وتحالفاته وخصوماته بقي كبيرًا لأن السياسة في تلك المرحلة كان لا يزال لها معنى بنّاء وإيجابي، ولأن الفساد لم يكن قد تفشّى بعد ولأن الدولة كانت لا تزال قوية. وضع كميل شمعون لبنان في عهده على مستوى الدول الكبرى في المنطقة، وعندما حاول الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلحاق لبنان بالجمهورية العربية المتحدة كان له كميل شمعون بالمرصاد. وقد خرج من الرئاسة في 23 أيلول وهو يعتبر أن المعارضة خسرت محاولة قلب النظام وقد نصح فؤاد شهاب الذي كان يتسلم منه الرئاسة بأن لا يعطي أدوارًا أساسية لمن كانوا في المعارضة. ولكن شهاب لم يفعل.

تنقل كيمل شمعون في أكثر من بيت قبل أن يستقر في قصر السعديات في العام 1962. ذلك القصر كان حلم حياته. صار وقتها للبنان قصر جمهوري في زوق مكايل وقصر آخر في السعديات وبدأت الحرب بين القصرين.

لماذا حاول فؤاد شهاب إلغاء كميل شمعون مع أنه لم يكن قادرًا على بناء زعامة شعبية موازية لزعامة كميل شمعون؟ ربما أراد شهاب أن يضعف كميل شمعون حتى لا تبقى شمسه الشارقة حاجبة لنور الرئيس الجديد الذي كان على تفاهم مع عبد الناصر. ولكن هذه الحرب ضد شمعون لم تجعل منه إلا الرئيس الدائم للجمهورية والقائد الفعلي على الأرض حتى عندما تمت محاصرته وجرت محاولة محاكمته ولوحق مؤيدوه وتم اعتقالهم واغتيل أبرزهم النائب نعيم مغبغب وتركيب ملف قضائي في حقه في قضية قتل وثأر عائلية في دير القمر. بقي كميل شمعون الزعيم المنتظر حتى وهو يخسر الإنتخابات بالقوة في العام 1964 وحتى عندما كانت الشهابية تعتمد على دعم الكتائب وكمال جنبلاط.

بعد أربعة أعوام كان شمعون يرد. في العام 1966 بدأ التخطيط للحلف الثلاثي الذي كان هو رمزه وطليعته إلى جانب بيار الجميل وريمون إده. لولاه لما كان من الممكن أن يتم الجمع بين الجميل وإده. صحيح أن الحلف كان ثلاثيًا ولكن كميل شمعون كان هو الرئيس، ذلك أنه كان خاض المواجهة مع الشهابية منذ العام 1958. ولذلك جرت محاولة إغتياله في العام 1968 أمام مقر حزب الوطنيين الأحرار في السوديكو. أنقذته سيدة التلة في دير القمر ومن أجله استدارت سيدة حريصا في المخيلات الشعبية وأمامه تم قطع الطريق في جونيه فانتظر حتى فتحت ليمر ويسجل إنتصارًا إنتخابيًا في كل لبنان. هذا الإنتصار لم يكن عدديًا بل معنويًا وسياسيًا. كان إنتصارا للعودة إلى المواجهة مع المحور الذي يريد استتباع لبنان وتقوية النفوذ الفلسطيني المسلح فيه. كان إنتصارًا للإرادات الحرة ولكنه كان أيضًا دخولاً في مواجهة قوى أكبر من تلك التي كانت في حوادث العام 1958.

ذلك الإنتصار لم يكتمل إلا بوصول مرشح الحلف الثلاثي سليمان فرنجية إلى رئاسة الجمهورية في أيلول 1970. قد يكون من الطبيعي أن يشعر كميل شمعون أنه «بيّ» العهد. لقد استطاع أن ينتهي من تضييق المكتب الثاني عليه وعلى أنصاره وأن يبدأ السير نحو استعادة ما فات من سيادة في عهد فؤاد شهاب وبعد توقيع إتفاقية القاهرة في العام 1969. ولكن الرحلة كانت صعبة وشاقة. تجربة المعركة مع المسلحين الفلسطينيين في أيار 1973 كانت تحولاً أساسيًا. لم تستطع السلطة أن تستمر في حسم الوضع عسكريًا وبدا كأن لبنان مقبل على حرب تنتظر الرصاصة الأولى. منذ ذلك التاريخ بدا وكأن مهمة حماية الدولة قد انتقلت إلى الأحزاب المسيحية بعدما بدا أن مؤسسات الدولة لن تكون قادرة على القيام بهذه المهمة. تلك كانت مهمة كميل شمعون وبيار الجميل والأحزاب التي شكلت في ما بعد الجبهة اللبنانية وقاتلت على الجبهات العسكرية بعد اندلاع الحرب في 13 نيسان 1975.

20 كانون الثاني 1976 كان صعبًا ومرًا على كميل شمعون عندما صعد إلى  الطوافة العسكرية التي نقلته من قصر السعديات بينما كان يتم نقل المهجرين من الدامور والجية عبر البواخر إلى الكسليك. كانت تكتب يومها نهاية لحلم جميل عاش معه وفيه ولكنها كانت تكتب أيضًا بداية جديدة لكميل شمعون. إنتقل من السعديات فورًا إلى قصر بعبدا إلى جانب الرئيس سليمان فرنجية وبقي متمسكاً باستمراره في الرئاسة على رغم العريضة النيابية التي طالبته بالإستقالة.

في أواخر العام 1975 كان كميل شمعون رمز المقاومة اللبنانية ضد محاولات السيطرة العسكرية على الدولة وإسقاط الجمهورية، ومن هذه الصورة بات رئيسًا للجبهة اللبنانية التي تولت هذه المهمة. في حرب المئة يوم التي شنها جيش الإحتلال السوري ضد المناطق الشرقية أذهل العالم عندما صمد في الأشرفية وأعلن أن شعبه يرفض الإستسلام ويفضل الإستشهاد، وأنه من الممكن إعادة بناء الحجر ومن المستحيل إستعادة الكرامة متى هُدرت.

عرف كميل شمعون كيف يبقى كبيرًا وقويًا. كان يستطيع أن يتنازل عن كل شيء إلا عن كرامته وتمسكه بالدفاع عن لبنان وعن قضيته. لذلك كان يمكنه أن يلغي قوة حزبه العسكرية من أجل أن تكون «القوات اللبنانية» الموحّدة بعد كل ما حصل من أحداث بين الكتائب والأحرار، خصوصا بعد عملية 7 تموز 1980. كان يعرف أنه قد يخسر على المستوى الشخصي ولكنه كان يرى أن التضحية هي من أجل أن تنتصر القضية اللبنانية. ولذلك صار الأب الروحي لقائد القوات اللبنانية بشير الجميل وتبنَّى ترشيحه باسم الجبهة اللبنانية لانتخابات رئاسة الجمهورية في آب 1982.

بقي كميل شمعون قائد شعبه المختار ورئيسا للجبهة اللبنانية. اسمه بقي يدوي. وصوته بقي ينادي بانتهاء الإحتلال السوري للبنان وباستعادة السيادة اللبنانية الكاملة. ربما لهذا السبب جرت محاولة اغتياله مع الجبهة اللبنانية في العام 1985 لتسهيل عبور الإتفاق الثلاثي وربما لهذا السبب أيضا تكررت محاولة اغتياله في مطلع العام 1987. وبعد كل محاولة كان كميل شمعون يخرج من بين الأنقاض وكأنه أقوى من الموت ودائما كان يعيد سبب نجاته إلى العناية الألهية وسيدة التلة في دير القمر.

عاصر كميل شمعون رئاسات بشارة الخوري وفؤاد شهاب وشارل حلو وسليمان فرنجية والياس سركيس وأمين الجميل ولكنه بقي دائما يحمل صورة الرئيس الذي لا يشيخ ولا يتقاعد ولا يتنازل ولا ينحني حتى للسنين والأيام والعمر.

وعاصر كميل شمعون أكثر من بطريرك ماروني وبقي هو البطريرك السياسي الدائم للموارنة والمسيحيين عمومًا. من البطريرك أنطون عريضة في آخر أيامه إلى البطريرك مار بولس بطرس المعوشي الذي كان ضده في العام 1958 ثم وقف إلى جانبه ضد الرئيس فؤاد شهاب في بداية الستينات، إلى البطريرك مار أنطونيوس بطرس خريش الذي كان يوفد المطران نصرالله صفير للمشاركة في لقاءات الجبهة اللبنانية ويستضيف قادتها في بكركي، إلى البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الذي كان يعتبره مثلاً ومثالاً وكانت له كلمة تأبينية رائعة يوم تشييعه. وصولاً إلى البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الذي عرفه مطراناً وعاد إليه وإلى تجربته في مقاومة محاولة نزع لبنان من حياده في العام 1958 حيث أن صدى تجربة شمعون تردد في الصرح البطريركي في الديمان في النداء الجديد الذي أطلقه الراعي من أجل فك الحصار عن الشرعية وتثبيت حياد لبنان في ظل القرارات الدولية التي تحفظ سيادته وحياده ومن خلال تذكيره بقدسية تضحيات شهداء المقاومة اللبنانية المسيحية الذي سقطوا دفاعًا عن لبنان الحقيقي وهويته الرائدة.

كأنها روح كميل شمعون تنبعث من جديد. كميل شمعون الذي بقي مؤمنا بقيامة لبنان وبلبنان الحر السيد المستقل وبأن هوية لبنان التي نشأ على أساسها تبقى هي القضية التي تستحق الدفاع عنها حتى الإستشهاد وآمن بأن هذه القضية لا يمكن أن تموت لأنها إرث مستمر من جيل إلى جيل من أكثر من ألف وستمئة عام وأن هذه القضية مقدسة طالما أنها على مر هذه الأجيال تعمدت بالدم وبالتضحيات وبأنها من أجل كل ذلك ستبقى حية وفي النهاية ستنتصر.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل