
مقدمة معيوشة: إن النظر في توزيع الناس، وتنوعهم، في مجتمعات العالم، يؤكد على وجود أكثريات، وأقليات مختلفة الأصول، والثقافة، والمعتقد. فمن المستبعد، إذاً، أن نقع على مجتمع أحادي العرق، أو المذهب، أو اللهجة. لكن هذا التنوع يستتبع طرح قضية الاندماج، والاستيعاب، والتي كانت نتائجها متفاوتةً، بشكل كبير، بين دولة ودولة، وبين أمة وأمة. وقد تبدى ذلك في بروز الشعور الحاد “بالأقلوية” في أمكنة، وبعدم الإحساس به، مطلقاً، في أماكن أخرى، تبعاً لمستوى التفاعل بين المجموعات المتعايشة، ولمستوى توغلها في مسار الحضارة.
إشكالية غير موسمية: في العالم العربي شرائح اجتماعية بانورامية التوجه، لما تزل محكومةً بنظام الملل. من هنا، فالتعايش بينها، إن لم نقل التساكن، يحكمه قانون الطوارئ، وتراكمات التعصب، والفوقية العددية. وقد جاءت العوامل السياسية، والاقتصادية المتعاقبة، لتصب زيت العدائية على نار الخلافات، فتراجع مؤشر الاندماج، وتفاقمت مشكلة التناقضات، وتعددت مصادر الاضطراب والتوتر، ما أدى الى عدم الاستقرار، وقد تجاوز ذلك الى ممارسات قمعية، من جانب الأغلبيات المشحونة بالعزف على الوتر الطائفي، والمذهبي. هذه الحال التي عايشها أكثر دول العالم العربي، أو فرضها، هل يخشى أن تستمر، بعد ما سمي بموسم الربيع العربي، إذا لم يسارع التجاوزيون الى انتزاع المبادرة من الرجعيين الأصوليين الذين شوهوا أهداف الحراك الشعبي التحرري، وعملوا على إعادة عقارب الزمن الى عصور الظلام؟ وهل ينسحب هذا العامل الخطير على مصير مسيحيي لبنان، على ضوء السعي الى استيلاد الخلافة، والإمبراطوريات البائدة، ما يجعلهم، إذا بقوا، مسحوقين بالظلم؟
تفصيل لمشهد يتكرر: هذا الواقع، وإن جرى تمويهه، أحياناً، بانفتاح صناع السياسة الذين اعتبروا، في خطبهم، الأفراد، جميعاً، مواطنين متساوين في الحقوق، غير أنه قد ساد في الفسيفساء العربية، انهيار منظومة حقوق الإنسان، وانتهاك الحريات، وإقصاء الفئات الضامرة العدد عن المشاركة في صنع القرار. وإذا وفقنا في الوقوف على حالة من نوع المشاركة، فهي انتقائية، وعابرة، ليس إلا، وبالتالي، هي خطة ادعائية، ترويجية لديمقراطية المجموعة المهيمنة، وهي ديمقراطية مزيفة تستر ديكتاتوريةً منغلقةً ذات إستراتيجية سافرة، قوامها نبذ التعددية، والتخلص من الأقليات، طوعاً، أو قسراً.
لا تزال الديمقراطية رخوةً، هشةً، في العالم العربي، ربما عن قصد، ولا تزال حقوق الإنسان تنتظر فرصةً لتناميها، في أرض ليس مبدأها الأساسي احترام التنوع الحضاري. ويبدو هذا الأمر جلياً في انحسار إمكانيات المساواة، والتكافل، والتكافؤ في الحياة السياسية والاجتماعية، ما يضمن، حكماً، استمرار العنصرية، والتمييز المنظم بين “درجات” الرعايا. وقد أورث هذا الواقع شعوراً بالظلم لدى الأقليات التي شاركت في الانتفاضات على الحكم ” غير الرشيد ” الذي لم يراع منطوق المواثيق الدولية، المتعلقة بحقوق الإنسان، ولا سيما حقوق الأقليات. وقد اعتبرت الأغلبيات العربية المتسلطة أولئك الأقلويين من غير السلالة العربية، فتسترت على اضطهادهم، وهمشت دورهم، وأطبقت على حقوقهم، وتعاملت معهم كلاجئين.
غير أن الشرائح الأقلوية التي لم تغب عن مكوناتها عناصر المواطنة، لم تعتبر نفسها، يوماً، حالةً مقيمةً لأجل، أو مجموعةً ” أجنبيةً ” بحاجة الى حماية، لكونها، بحسب تصنيف الغيارى، من غير السكان الأصليين، وهي حال المسيحيين، في المشرق العربي، وفي لبنان على وجه الخصوص. وبالتالي، فالجدل المثار حول قضية الأقليات، يضعف، حتماً، الشعور بالانتماء، وينمي، بالمقابل، مشاعر الانفصال، والشك، والعزلة، ويدفع الى صراع إثني، وعرقي، والأمثلة لدعمه لا تفوت ثاقبي النظر. لذلك، يواجه مجتمعنا أزمةً متعددة الجوانب، منها ما يتعلق بالأغلبيات المتشنجة التي، لطالما، غيبت الديمقراطية، وصادرت حركة الحقوق، وأنتجت استبداداً حرم رعاياها حق التمتع بمواطنيتهم، من خلال التمتع بالمجاهرة بأديانهم، وبإقامة شعائرهم، والمحافظة على خصائصهم، والمشاركة في الحياة العامة، وقراراتها. ومنها، أيضاً، ما يتعلق بالفئات الأقلوية التي عليها أن تدرك أن حقوق الإنسان هي قضية التزام، لا قضية امتياز، وهي تجاوز لخلفيات الاستبداد، وليست إعادة إنتاج لها. والأقلويون مواطنون كغيرهم، وهم تحت مظلة القانون، والانسجام الوطني، وينبغي أن يواجهوا الانتهاكات على مستوى وجودهم، واستمرارهم، واستقرارهم، وألا يملوا من المطالبة بحقوقهم الدستورية، والميثاقية، بالطرق المؤاتية، فهم ليسوا عبئاً يرتضي مصادرة حقه، تحت أي شكل، وبالتالي، يجب أن ينعموا بالعدل، والمساواة، والحرية، واحترام الحقوق.
خاتمة بمقياس المنطق: لم يسع المسيحيون، في المشرق وفي لبنان، الى طلاق بينهم وبين الأغلبيات التي لم يقابلهم أكثرها بالإعتراف بتجذرهم في هذه المنطقة، في حين، كان، من الأجدى، اعتبارهم جزءاً من ثقافة الانتماء. وإذا ووجهنا بأننا مجحفون ببعض الأكثريات التي اعترفت بحقوق الأقلويين، في لبنان خصوصاً، ليتبوأ، من هؤلاء، حكام ومسؤولون، فالعودة الى التاريخ الحديث والمعاصر، يقود بنا للإشارة الصارخة الى إستراتيجيات القضم، ونشل الوطن، وتراجيديا الولاء، والإخلاص لما وراء الحدود، ومشاريع استبدال الكيان والنظام، وغير ذلك من طروحات المثالثة، وفرض استعمار جديد مستورد، واستبطان حراك لخلخلة المنظومة الوطنية بمشروع عنصري يتمدد بمختلف الوسائل… ما يدفع الى الاقتناع بأن “الناشلين” يسعون لتحويل لبنان الى جثة متكلسة جاهزة لإعادة تدويرها، ولكن، بتركيبة مختلفة. واستناداً، كان، من السذاجة، اطمئنان المسيحيين الى مستقبلهم، من دون المطالبة بالحياد، والعودة الى مشروع الدولة العادلة المشمولة بالرعاية الدولية، ولا سيما من منظمة الأمم المتحدة… وما ذلك بفائدة تعود عليهم، فقط، بل على اللبنانيين، جميعاً، لينعموا بوطن يرفض ذرية الشياطين.
يقول غاندي: “الحكم على حضارة ما يجب أن يعتمد على معاملتها للأقليات الموجودة فيها”.