#dfp #adsense

كيف أحرق باسيل صورة “التيار”؟

حجم الخط

في العام 2005 يوم عودة العماد ميشال عون من المنفى الباريسي، عاش المسيحيون نشوة المنتصر. لم يخطئ وليد جنبلاط بتوصيف عون يومها بتسونامي. تلك التسونامي التي صنعها عون بأرضية شباب وشابات حافظوا على وجوده منذ نفيه. عاد عون وبدأ حياته السياسية. إلى جانبه مجموعة من “المناضلين” الذين قرروا الانتقال معه من النضال ضد السوري إلى المعترك السياسي، منزهين عن كل الحسابات الأخرى. يومها كان العونيون حين يدخلون أي قاعة أو لقاء أو اجتماع يقول لهم من معهم ومن ضدهم إنهم الأوادم الخلوقون.

اليوم، كيف تحوّل ذاك التسونامي إلى ما هو عليه التيار الوطني الحر اليوم؟ وكيف أصبح ما بقي من هذا الجمهور منبوذاً إلى الحد الذي وصل إليه في لبنان؟

“الهيلا هو” والغرق

في 17 تشرين الأول من العام الماضي، بدأت انتفاضة في الشارع اللبناني. ورغم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة في البلاد، ورغم معرفة المنتفضين بأن الطبقة السياسية كاملة تتحمل مسؤولية ما وصل إليه لبنان، إلا أن الشارع اختار  شعار الانتفاضة مختلفاً عن كل ما سبق. فكان شعار “الهيلا هيلا هو”. في اليوم الذي أصبحت “الهيلا هيلا هو” شعار المرحلة أصبح ملحاً طرح السؤال. كيف حصل هذا التحول في هذا التيار وكيف أصبح تسونامي ميشال عون ممثلاً بجبران باسيل الشخصية السياسية الأقل شعبية في البلاد؟

عام 2007، وبعد أن تصاعدت موجة الاعتراض داخل التيار الوطني الحرّ، على تولي جبران باسيل، الناشط في التيار وزوج ابنة العماد ميشال عون يومها، مجموعة من الملفات السياسية. أدرك المراقبون أن هذا التيار مقبل على أزمة كبرى مع استفحال الخلافات الداخلية بين شبابه. فالرفيق في النضال ضد الاحتلال السوري تحول مع الوقت إلى منافس على كل منصب، ومعني بكل شاردة وواردة في التيار، من نظامه الداخلي إلى علاقاته السياسية مع القوى الأخرى. مع الوقت حصل باسيل على كل شيء. وتوالت الاستقالات والإقالات من التيار. معظم المستقيلين والمقالين من الناشطين أصحاب الكفاءات. تلك الوجوه الطيبة خرجت وبدأ مع خروجها الانحدار الكبير.

في العام 2005، أتت نتائج الانتخابات النيابية لصالح التيار الوطني الحر، لتكرس أكبر كتلة نيابية مسيحية منذ انتهاء الحرب اللبنانية. بعد مجموعة من الأخطاء، متزامنة مع أزمة التيار الداخلية، تضاءل حجم التأييد الشعبي. فاستعان جبران باسيل الذي أصبح رئيساً للتيار بالتزكية، بحلفاء من أصحاب النفوذ والمال أو من أهل السياسة الذين كانوا خصوماً. في العام 2020 وبعد خمسة عشر عاماً، بدأ مركب التيار بالغرق فانقسم من عليه. منهم قرر الاستمرار بالعزف، ومنهم من قرر الهجوم بمركب يغرق على المراكب الأخرى. أما رجال الأعمال والمنتفعين، الذين أحاط باسيل نفسه بهم، فقرروا تباعا القفز من المركب.

إحصاء صادم

في آخر إحصاء نشره القاضي بيتر جرمانوس مؤخراً على حسابه على تويتر، تشير المعلومات أن تراجعاً هائلاً حصل في حجم جمهور الأحزاب المسيحية كافة. إلّا أن التراجع الأكبر كان بين جمهور التيار الوطني الحر. جاءت الأرقام في الدراسة على الشكل التالي: 45% لا أحد من القيادات يمثلنا، 24% قوات لبنانية، 15% تيار وطني حر، 6% كتائب لبنانية، 10% أحزاب وشخصيات اخرى.

لا تعكس هذه الأرقام تحديداً لدى التيار الوطني الحرّ سوى مجموعة من الخسارات راكمها صاحب الشخصية المكابرة الفوقية. فباسيل الذي استعان بخزان الدعم لرئيس الجمهورية مُنيَ بخسارة تلو الأخرى.

في السياسة خسر علاقته مع السنّة، بعد أن دفع ثمن تسويته مع الرئيس سعد الحريري في الشارع المسيحي، وبعدما أسقط المواقف والدفاتر القديمة وأهمها “الإبراء المستحيل”. خسر مع حزب الله عامل الثقة، بعدما تأرجحت مواقفه من “اللامشكلة أيديولوجية مع اسرائيل” إلى “الحلف المتين مع المقاومة”. لا ود ولا كيمياء بينه وبين الرئيس نبيه برّي. وحدها المصلحة المشتركة تجمعهما أحياناً. والأهم، خساراته المتراكمة في الشارع المسيحي واستنزافه للمخزون الشعبي للرئيس عون. فمع مرور السنوات خسر الطبقة الوسطى التي كانت عصب جمهوره، وخسر بعض جمهور الجيش اللبناني مع خسارة تأييد الضباط المتقاعدين. ثم ما لبث أن خسر تأييد العائلة الصغيرة مع ظهور الخلافات بين الصهرين.

حزب جديد؟

بناء على هذا الإحصاء الأخير، يحاول رئيس الجمهورية ميشال عون لعب الدور الذي طالما لعبه مع باسيل، الرافعة. هناك من قال لعون إن هذا الدور لم يعد ينفع كما كان في السابق. فانتقل رئيس التيار الوطني الحر إلى استراتيجية أخرى. باسيل أصبح مدركاً لحجم خسارته. وفي المعلومات، أنه شكل لجنة تضم شخصيات من كل الأقضية اللبنانية، مطالباً الجميع التعاون معها. من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال مروراً بالعاصمة، اختار باسيل أسماء شخصيات في التيار يعتقد أنها قادرة على التواصل مع محيطها. اختارها لتشكل لجنة.

تهدف هذه اللجنة إلى تأسيس تيار آخر بالتوازي مع التيار الوطني الحر. هو “تجمع لبنان المدني” الذي سيتم اطلاقه في مؤتمر يعقد في 12 أيلول المقبل. يهدف هذا التجمع إلى محاولة إعادة استقطاب الشارع الذي خسره التيار لصالح “المجتمع المدني”.

تقول المعلومات بأن ورشة الانتخابات النيابية بدأت تحديداً في الشارع المسيحي. فرغم تفوق أرقام القوات اللبنانية عليه، أدرك ولو مكابراً، أن خزان عون الشعبي أصبح في خانة المجتمع المدني، الذي يشكل الخطر الأكبر على الأحزاب، في حال توحّد ممثلوه في لوائح في المعركة الانتخابية. وخوفاً من حصول لوائح المجتمع المدني على نسبة أصوات عالية مسيحياً، سيعمل هذا التجمع الذي يشكله باسيل على إعادة استقطاب المجتمع المدني المسيحي، على اعتبار أن صورة التيار الوطني تحولت إلى ورقة محروقة في الشارع.

تحسين الصورة

هل ينجح في ذلك؟ يقول من عرفه بأنه عنيد صعب الاستسلام. هل ينجح عناده هذه المرة؟ وكيف؟ هل يستطيع النجاح بصورة محروقة؟ نجح الفريق الذي كان في السلطة بعد الطائف أن يستعمل خطايا باسيل للتصويب على العهد. وان لم يتحمل العهد كامل مسؤولية الانهيار، إلا أن شخصية باسيل وصدامه المستمر مع الأقربين والأبعدين جعل منه هدفاً سهلاً في ما اعتبره أكثر من مرة “اغتيالاً سياسياً”.

وبالحديث عن الاغتيال السياسي، اقتنع اخيرا باسيل بأنه بحاجة ماسة لتحسين صورته. فنواب تكتله تحولوا إلى هاربين من وجوه الناس. لايواجهون الاعلام الا في الاستثناءات. آخر المواجهات الفاشلة كانت لنائب سابق في التيار اضطر ان ينسحب من عشاء في منزل أخ زوجته هربا من هجوم الحاضرين عليه. بلغ الهجوم على شخص باسيل إلى حد رواية زملاء ابنته في الدراسة بأن المدرسة اضطرت ان تلغي استدعاء الطلاب في حفل تخرجهم بالمناداة عليهم بالاسم الثلاثي خوفا من تنمر الحاضرين على ابنة باسيل.

خلافات داخلية بالجملة ونميمة وتحريض بين أبناء التيار الواحد أطاحت بما تبقى من صورة للتيار الذي كان يوما تسونامي المسيحيين.

يبدو أن باسيل استدرك متأخراً حجم الخسارة، ورغم نفي الشركة الفرنسية image 7 توقيعها لعقد مع باسيل، إلا أن معلومات أشارت إلى استعانته بشركة متخصصة لتحسين صورته، بعد اقتناعه بضرورة القيام بمقاربة جديدة تجاه الرأي العام. هل نجح في ذلك حتى الآن؟ يقول المراقبون لمقاربته الجديدة هذه، إن محاولات التحسين باءت بالفشل. فمنذ أن انتشر الفيديو الذي تحدث فيه ابنه “غابريال” عن التنمر الذي يتعرض له على موقع انستغرام رافق هذا الفيديو حديث عن استخدام باسيل والشركة الاستشارية لابنه في الدعاية لمصلحة باسيل. سرعان ما انقلبت بعدها موجة التضامن إلى موجة اعتراض وإدانة على استخدام طفل لتحسين صورة أبيه.

أما المقابلات التي عملت عليها الشركة المتخصصة لباسيل، عبر وسائل إعلام أجنبية فهي انعكست عليه سلباً أيضاً. في المرة الأولى وعبر أول اطلالة له بعد تفجير الرابع من آب، الذي أودى بحياة أكثر من 180 ضحية وأكثر من أربعة آلاف جريح، ارتكب باسيل خطيئة عند قوله إن “السؤال ليس من هو المسؤول عن وصول هذه المواد المتفجرة إلى مرفأ بيروت. بل ما هو سبب تفجيرها”. كانت هذه العبارة كافية لتدمير أي طوق للنجاة .

بعد هذه العبارة بأيام، أطلّ باسيل على محطة أجنبية أخرى عساها ترمم ما سبقها. فتعرض لأكثر العبارات إهانة من محاورته، وبقي جالساً ذليلاً أمام الشاشة لإجابتها. تحدّت المحاورة في CNN بيكي اندرسون باسيل، فانهالت عليه بالاتهامات والتوصيفات التي إن عكست شيئاً، فهو انحدار الرجل الذي حظي بكل شيء ليصبح استثنائياً بنجاحه.

انحدر باسيل نحو الهاوية مصطحباً معه عائلته الصغيرة والكبيرة.

المصدر:
المدن

خبر عاجل