ان قطاع الاتصالات في لبنان هو من اكثر القطاعات تأثيرا على التحول الاقتصادي والاصلاح المالي في البلاد الى جانب قطاع الكهرباء. من المتعارف عليه عالميا أن قطاع الاتصالات عامل تمكين للنمو الاقتصادي لأنه يؤمّن البنية التحتية الحديثة للشركات والمستهلكين للعمل بشكل أكثر فعالية.
من المؤسف أن تنظر الدولة الى هذا القطاع على أنه مصدر دخل للخزينة، أي ضريبة إضافية على المواطن، بدل معاملته كرافعة للاقتصاد. ولطالما نبهنا من مخاطر هذه المقاربة منذ عام 1999 وما زلنا، لما لهذه المقاربة من أثر سلبي على التطور الاقتصادي والخزينة معا. وسمعنا من البعض ان قطاع الاتصالات هو نفط لبنان. لكن الأرقام اليوم تشير الى عكس ذلك، وهو أقرب الى كهرباء لبنان التي تتطلب دعم الخزينة. فمدخول القطاع لم يتخطّ 5% من موارد الخزينة في الربع الأول من عام 2020 علما أن الموارد الأخرى انخفضت بسبب الكورونا.
كانت تحويلات قطاع الاتصالات تشكل 13% من موارد الخزينة في السابق. لكن هذا الزمن ولّى، كما حذرنا، بسبب انخفاض بعض العائدات التقليدية وارتفاع المصاريف التشغيلية بسبب سوء الإدارة والمقاربات الاستراتيجية الخاطئة من قبل الوزراء الذين تعاقبوا على الوزارة بعد 2007 وتحديدا عندما اتخذ قرار تحويل مسؤولية النفقات التشغيلية من الشركات المشغلة الى الوزير عام 2013 حيث ارتفع عدد الموظفين بشكل كبير وعمت الفوضى في عقود المقاولين، والأبراج والمساهمات وغيرها، كما بينت تقارير لجنة الاتصالات النيابية. إضافة الى ارتفاع التكاليف الاستثمارية في شبكات الألياف البصرية التي ما زالت قيد الانشاء منذ عام 2014 ولم تنجز كاملة، وزيادة في حجم التوظيف في هيئة أوجيرو في السنوات الأخيرة، كما أبرز تقرير لجنة المال والموازنة البرلمانية.
من التحديات التي تواجهها الدولة اللبنانية أن شراء التجهيزات يحصل لكمية صغيرة بحسب حجم السوق اللبناني بينما تشتري الشكات العالمية تجهيزاتها بكميات أكبر ولعدة شبكات تملكها في بلدان مختلفة. فغالبية شبكات الاتصالات مملوكة من شركات تعمل في أكثر من دولة.
يضاف الى هذه التحديات خطر التغيرات في سعر صرف العملة، لأن الفواتير تحصل بالليرة اللبنانية وتكاليف التجهيز والصيانة وموظفي شركات الخليوي تصرف بالدولار. أصبحت خسائر سعر صرف العملة على عاتق خزينة الدولة، ولتعويضها، إما تتجه الى زيادة الأسعار، وهذا أمر غير ممكن أو مقبول شعبيا، وإما تستمر بدعم كلفة القطاع فيصبح قطاع الاتصالات أشبه بقطاع الكهرباء. علما أن هذا الدعم يأتي من جيب المواطن من مصادر ضريبية أخرى، فلا مال عام يأتي من لا شيء بل من جيب المواطن بطريقة أو بأخرى.
لقد تأخر لبنان في إصلاح قطاع الاتصالات ما يفوق ثماني عشرة سنة، تاريخ صدور قانون تنظيم القطاع رقم 431/2002. هذا القانون لم يطبق رغم انشاء الهيئة الناظمة ومن ثم تفكيك مفاعيلها واستقالة مجلس ادارتها مع إبقاء الموظفين بكلفة 8 مليار ليرة سنويا. وبعد انتهاء عقود شركات الخليوي، لم تتمكن الدولة من استرداد المسؤولية الإدارية الكاملة بعد، وقد مضى أشهر على ذلك. كل هذا يعني أن إصلاح قطاع الاتصالات أصبح أكثر الحاحا وتعقيدا ويتطلب مقاربة جدية.
يمكن أن يبدأ الإصلاح في مرحلته الأولى بتطبيق القانون 431/2002 بتفعيل الهيئة الناظمة بتعيين مجلس إدارة لها لوضع الأسس والمعايير للمنافسة في السوق، وإعادة تشكيل الهيئة الناظمة وتشركة الاتصالات الثابة، أي دمج بعض إدارات الوزارة وهيكلية أوجيرو في شركة ليبان تيليكوم المملوكة من الدولة، كما نص القانون.
وفي قطاع الخليوي، يبدأ الإصلاح بخفض الهدر القائم بإيقاف كل المصاريف الرأسمالية وعصر النفقات التشغيلية ودمج البنى التحتية غير الاكترونية للشبكتين مثل الأبراج المتكررة لشركتين تستعملان المواقع الجغرافية عينها.
بالتوازي مع ذلك، يعدّل دور الوزارة الى مستثمر مالي وليس مشغلاً، للشبكات الثابتة والخليوية، ويفسح المجال لمساهمة من يرغب من المودعين اللبنانيين الذين حجزت أموالهم في المصارف لاستخدامها في شراء أسهم في الشركات بنسبة 20% بمزاد عام.
وتشكل مجالس إدارة مستقلة من المساهمين والدولة كما تخضع مالية الشركات لتدقيق مستقل وشفاف من الدولة ومؤسسات تدقيق مالي واداري مستقلة.
في المرحلة الثانية تطرح الشركات للاستثمار الدولي من مشغلين عالميين ذوي خبرة وانتشار واسع، من خلال مزاد دولي باشراف وإدارة الهيئة العليا للخصخصة لاشراك مشغل استراتيجي في حصة جزئية من الشركتين، مع صلاحيات إدارية كاملة للمشغل الدولي. كما تتم الافادة من التمويل الميسر المتاح للبنان دوليا عبر “سيدر”، في حال قامت الدولة بمثل هذه الإصلاحات، لتحفض كلفة تمويل الاستثمار تحفيزا للشركات العالمية المترددة في القدوم الى لبنان.
تستمر الدولة في تملك حصة في الشركات كمساهم، وتستوفي رسوم التراخيص والترددات والضريبة على الأرباح والقيمة المضافة كما يمكنها الاحتفاظ بنسبة ٥٪ من الإيرادات لتغذية الخزينة. كما يمكن في أي وقت طرح أسهم إضافية في سوق الأسهم اللبناني لاكتتاب المواطنين والتداول بالأسهم كافة.
وبما أن الهيئة الناظمة تكون قد فعِّلت، يجري الحفاظ على تنافسية أسعار السوق وجودة الخدمات وعدم الاحتكار، ويتم اصدار تراخيص إضافية لتقديم الخدمات التنافسية حسب الحاجة.
بذلك تكون الدولة استعادت إيراداتها من خلال اشراك القطاع الخاص والرسوم والاستمرار بملكية جزئية، وتخلصت من عبء التكاليف وحسّنت جودة الخدمة وساهمت في تنمية الاقتصاد من خلال التنافس والخدمات المتطورة بدل استعمال القطاع كضريبة على المواطنين.
