
“كل هالطقم ما بيشبهنا ولا نحنا منشبهو”، قال نائب رئيس حزب القوات اللبنانية النائب جورج عدوان من باحة القصر الجمهوري. عدوان كان برفقة نواب “الجمهورية القوية” الذين شاركوا في الاستشارات النيابية الملزمة، وأعلنوا مرشحهم نواف سلام لرئاسة الحكومة.
لو اختارت “القوات” مصطفى اديب اسوة بالجميع لكان الموقف لا يشبه حزب المقاومة ذاك. اختارت القوات الاصعب كما العادة. اختارت غير التقليدي كما العادة. خالفت الجميع وراحت مباشرة الى قناعتها وقناعة مستوجبات المرحلة المريعة، اختارت صوت الشعب الحر في الشارع. خالفت حتى تمنّي الرئيس الفرنسي لتسمية اديب، وبرهنت مرة من جديد انها حزب لا يخضع لإملاءات لا قريب ولا بعيد ولا حتى صديق، اذا كانت تلك الاملاءات مناقضة لمصلحة لبنان.
لو اختارت القوات مصطفى اديب رئيسا للحكومة، لكنت، انا المحازبة الملتزمة حتى العضم لقرارات القيادة، اصبت بخيبة قاسية بيني وبين نفسي، ولكان من الصعب عليّ اقناع رفاقي والمناصرين بصوابية القرار القواتي، لأني في داخلي لست مقتنعة، لكن وكما دائما تأتي خيارات القوات من صميم القلب، وصراخ صراخ الغضب اللبناني الذي ما عاد يجد له توصيفا فعليا ليحكي ويعبّر عن حاله.
نحن صرنا اعجز من ان نصف وجعنا، صرنا اضعف من ان نتمكّن من تحديد اشجاننا، صرنا من الهزال بمكان اننا فقدنا الثقة حتى بقدراتنا على الحياة، ولك حتى الصراخ لأجل حقوقنا المنهوبة ما عدنا قادرين عليه! كل المصائب سبقتنا، صارت في المقدمة ونحن في آخر آخر آخر صفوف الشعوب السعيدة المتحضّرة المتقدمة.
نحن صرنا عجائز ولا نزال بعد في ريعان الشباب، لم نتمكن من ان نكبر على الهدى لنختبر ونمزمز مراحل عمرنا كما تليق بنا الحياة، وكما يليق بوطن الارز ان يكون عليه هذا الشعب. نحن صرنا شحادين ببلدنا وارضنا كلها خيرات، صرنا الـ ما حدن وغول الموت يحكمنا، وغول السلاح يقضمنا، وغول الفساد يلتهمنا…
وتأتي خيارات القوات اللبنانية الخارجة عن مألوف هذه السلطة المجرمة، لتجعلنا نشرب جرعة شجاعة، هيك جرعة تفاؤل ولو صغير يأتي من مكان ما، فنعود ونشهّل حالنا ونقول “مع صليبك ربي، يللا من جديد شدّوا الهمة بلكي نرفع قطعة خشب من الصليب عن كاهل لبنان”… بلكي، ونحن نعلم ان الصليب مغروز فيه ابشع واقسى المسامير، الخيانة. صليب لبنان مغروز بيوضاساته. هم كثر ونحن وحدنا. هم عديدهم لا يعدّ ولا يحصى، ونحن المساكين بالكاد مرئيين. نحن في عيونهم زمرة زعران متمردين تافهين، ننادي بما يشبه الكفر. المطالبة بلبنان حر، هو الكفر عينه بالنسبة لتلك السلطة المحتلة. ونحن القوات “الكفار” لا ننطق الا بعكس ما يريدون. وهكذا فعلنا في الاستشارات. لم نجمّع اصواتا، لكننا حصدنا اصوات الشارع الرافض لخياراتهم. لم يصل مرشحنا السفير نواف سلام الى رئاسة الحكومة، لكن وصلت اصواتنا الى قلوب الناس، والناس ما عادت تتلاقى قلوبها الا على الصدق المتبادل.
بيننا والسلطة بيرعى الغزال، ولن نتلاقى يوما. نحن والشعب اللبناني الحر في واد، وهم في واد آخر بعيد سحيق، ولن نلتقي الا على الفراق. وحده النضال سيجعلنا في المواجهة المباشرة معهم. سنقاومهم، بكل ما اوتينا من صدق وشفافية وقوة وشجاعة، سنواجههم. يملكون السلاح القاتل للأرواح، ونملك السلاح القاتل لعزيمتهم بقتلنا، سلاحنا الحق ولا شيء سواه.
سنقاوم، سنناضل، سنبقى نقول تلك الـ”لا” المدوية في آذانهم. سنبقى نزعجهم. سنتخطى أحزاننا لنجعلهم يغرقون في شجن فراق السلطة ليفرح لبنان. سنعدهم كل يوم كل ساعة كل دقيقة، اننا مش رح نحلّ عن سماهن، رح نضل نقّ، سنبقى نهمهم فوق آذانهم الصماء كي نفتح رغما عنهم فجوة السمع لصراخ الناس والارض والكرامة. نحن لا نستسلم، نحن لا نعرف السكينة، نحن لا نقبل الموت السريري لوطننا. سنتسلل الى نومكم لنصرخ فيكم “أنتم فاسدون محتلون كاذبون ونحن لكم بالمرصاد”، وسيكتب عنا التاريخ كما اعتاد ان يفعل رغما عنكم. سيقول عنا التاريخ ان القوات اللبنانية ومن تبقى من اشراف في هذه البلاد، واجهوا بالمستحيل زمرة الاحتلال الغريب لارض الارز ولكيانه المقدس. وستكون لنا مئوية جديدة مكللة بالغار. و… على قلوبكن #باقيين.
