
كتب نعمة الله القاعي في “المسيرة” – العدد 1709
بالأمس تلوت صلاتي عن أرواح ضحايا إنفجار المرفأ متمنيًا الشفاء العاجل للجرحى، وألقيت برأسي المثقل بالأفكار على وسادتي عليِّ أحظى بالقليل من النوم… عبثا حاولت. لم يغمض لي جفن. لقد ضج في رأسي شريط حياتي في لحظات. حياة ملأى بالمغامرات والأخطار والحروب والألم والجراح والشهادة، شاءني شأني شأن رفاقي في النضال من أجل لبنان وسيادته والذين عايشوا الحرب منذ ١٩٧٥…
لقد تراءت لي صورة ذلك الفتى البالغ ١٩ عامًا الذي ترك الجامعة وفرقته الموسيقية التي كانت تعزف الجاز والأولديز والروك، وانخرط في صفوف المقاومة المسيحية، ليؤسس الفرق القتالية ويعزف ألحان الموت والحرب والجراح والعرق والشهادة… أمِل ذلك الفتى أن يحصد وطناً معافى وأن يقي الأجيال القادمة الويلات التي عاصرها. أمِل بلبنان على قياس بشير الجميل وشارل مالك، وطن حيادي يشبه سويسرا لا تسعه الدنيا… فكانت النتيجة أن أُعلنت الحرب عليه من داخل مجتمعه المسيحي وخُوِّن وسُجن ونُزع سلاحه واتًهم بأنه قضى معظم أوقاته على أبواب الحانات وملاهي الليل… لم يحرك ساكناً وبقيت أصابعه على الزناد يحرس بصمت وإيمان… وأُعلنت عليه حروب الإلغاء والقتل والسجن…
عاد هذا الفتى وتعافى من جراحه وانتفض من جديد، وها هو اليوم وقد تقدم بالعمر يرى أمام عينيه مشهداً مماثلاً لدمار بيروت في السبعينات في منطقة أعطاها من دماء شرايينه وحماها برمش العين، لتعود إلى الرماد من دون أن يحرك للقاتل جفن… نظر هذا الشيخ إلى السماء بعين دامعة مثقلة بالألم والتعب ملتمسًا للحظة إستراحة وسلام، فألقى برأسه المكلّل بالشوك على كتف المصلوب واستراحة من هواجسه ولكن يده بقيت على الزناد…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]