
إجا ماكرون وراح ماكرون وبقي أمران، دولة في عمر القرن، وضحكة فيروز.
صار عمركِ مئة عام. لا، ليس عمر الارض، فعمر تلك من عمر الزمان الخالد الذي لا ينتهي. العمر كلو يا دولة يا كبيرة وكان من المفروض ان تكبر اكثر بعد بحضارتها وحلاها وقيمها الانسانية وثقافتها وانفتاحها الجميل على كل الدنيا، واذ بها تتكوّر وتتكوّر على حالها لتصبح بحجم محتل متوحش، وفاسد لا يشبع، وعميل صغير ومجموعة تافهين!
عمر الدولة مئة عام، أنضيء مئة شمعة؟ الف تحية لك يا بطريرك لبنان الكبير، الياس الحويك، فعلت المستحيل لإنشاء دولة لبنان الكبير وكنت فخر البطاركة الموارنة، لكن حاول، حاول ان تُشِح بنظرك عما اصبح عليه لبنانك الحر الجميل المرسوم الحدود المحفور اسمه عشرات المرات في الكتاب المقدس. اشح بوجهك موقتا سيدنا كي لا تزعل، خصوصا اننا لن ندعوك لتطفئ معنا شموع “العيد”. شموع الوطن الكبيييير الصغير ما عادت تضاء الا لأمواتنا سيدنا…
مئة شمعة على شرف لبنان الكبير، كبير العدد على قالب حلوى صغير. قالب حلوى؟ وماذا سنتذوق في عيدك المئة يا دولة المئة ألف حرامي وحرامي؟! مش حرام انو نحتفل بمئويتك الاولى ونحن لا نزال نمسح الاشلاء عن فستانك المهلهل بالخيانة؟ اصلا لم تقتلك الا الخيانة. طيب كيف سنأكل الحلوى وما زالت دماؤنا تبلل ريقنا الناشف بؤسا؟ انمرمغ قطع الحلوى بدمعنا المالح وباليدين المدممتين بوجوه ضحايانا؟ قل لنا ربي، بربّك ماذا نفعل وانت تمرّك علينا بعداد الزمن، عمر وطن شقع ندوبه فصارت اكبر بكثير من عمره؟! دولة شابة لم تتجاوز بعد عامها المئة، واذ بها تصبح عجوزا مثقلة بجبال الهموم؟!
“ذلك الجبل هو لبنان، أغمض عينيك يا موسى، فهذه الارض وَقْف لي. لن تطأها قدميك لا انت ولا كل من يأتي من بعدك”، الم تقل هذا لموسى؟! اليس ما تقوله من السماء يكون منزلا على الارض؟ طيب وليش هالارض اصبحت مشاع الفاسدين والمحتلين والمجرمين؟ الى متى ربي؟!…
طيب ليش النكد فلنحتفل تقليديا بالعيد المئة لدولة لبنان الكبير، خصوصا ان ماكرون اتي شخصيا ليحتفل معنا. لم يجد اجمل من ان تكون اول زياراته لبلاد الارز، الى احدى اجمل رموزه في لبنان، السيدة فيروز. نزل من الطائرة وتوجه اليها على الفور قال لتكريمها بأعلى الاوسمة الفرنسية، فكان ان كرّمته السيدة بقبولها، وكرّمت وطنها بتلك الضحكة النادرة التي جمّدتها اللحظة على وجهها لتصبح منذ لحظتها انفجارا جميلا، شظاياه من الق الشوق اليها ومن حنين الابداع الرحباني في صوت مخملي خارق لشغاف القلب، وحضور بسيط أخاذ في بيت يشبه بيت الضيعة، هناك تحت عريشة الدار، وهالة امرأة تُختصر بأجمل كلمة، العنفوان، ولتصبح الضحكة الفيروز المتسللة من غياب سنين عنا، هي كل التكريم والاعلان الكبير عن وطن فيه الكثير الكثير من الحلا والابداع، لكنه مطمور بالكثير الكثير من الوحشية. هدية المئوية الاولى كانت ضحكة فيروز، التي كانت مشهد الكرامة الوحيد امام الضيف الفرنسي.
إجا ماكرون وراح ماكرون، وقف امام “كبار” رجال السلطة في لبنان، لقّنهم ما يجب من تعليمات وملاحظات، وأخبرهم انهم سيعود في كانون الاول وعليهم في هذا الوقت الانتهاء من الـ devoir، والا فثمة عقوبات في انتظارهم، والهي امنحهم الذهن الغليظ لينالوا تلك العقوبات.
إجا ماكرون وراح ماكرون، وبقي للوطن المنكوب كل النكبات والخيبات، وبقيت المئوية الاولى من دون قالب حلوى وشموع تُضاء على شرفها المسلوب. اي قالب حلوى ذاك واي شموع نشعلها غير على نية ارواح ضحايا يصرخون في سمائنا بإلحاح “العدالة، المحاكمة، لا تشلّعوا اشلاءنا بعد اكثر بالنسيان والتجاهل والنكران، لا تتركوا بيروت للغربان يفتعلون بها كل آثامهم” طيب كيف نستطيع ان نأكل الحلوى بعد ونحتفل بغير الصلاة لأجلنا ولأجلهم وصراخهم ينخر عظامنا؟
في التاريخ السياسي المكتوب صار عمرك مئة يا دولة لبنان الكبير، في الحروف المرصوفة من لهب الرب، عمرك من الابد والى الابد، وفي هذه اللحظة الهاربة من حالها، لا ارى في المئة عام الراحلة الا حكايات شهدائنا الابطال وضحكة فيروز بتعرفوا ليش؟ لانهما مشهد الكرامة الوحيد المتسلل من بين كل ذاك الذل والعار…
