
تعبّر بعض مجموعات الثورة عن خيبتها، أو على الأقل تفاجُئها، من موقف الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بإعطاء فرصة إضافية للطبقة الحاكمة الفاسدة من خلال مباركة تكليف مصطفى أديب لتشكيل الحكومة الجديدة، بعدما كان أعلن وقوفه إلى جانب الشعب اللبناني في ثورته طلباً للتغيير والإصلاح ومكافحة الفساد. فهل خذل ماكرون الثورة فعلاً، أم أن المسألة أعقد من هذا التبسيط؟
تعتبر مصادر دبلوماسية مواكبة لزيارة ماكرون إلى لبنان، أن “الرئيس الفرنسي لم يتخل حتماً عن الثورة، وعن لبنان واللبنانيين عامةً، والدليل أن المساعدات الفرنسية وصلت مباشرة إلى هيئات المجتمع المدني لا عبر السلطة، لتوزيعها على متضرري انفجار مرفأ بيروت، ما يعكس عدم ثقة ماكرون حتى اللحظة بالطبقة الحاكمة”. وترى أنه “من الظلم إطلاق أحكام مماثلة من قبل بعض الثوار، فماكرون ذاته يؤكد تكراراً أن (فرنسا لن تترك لبنان وستتابع الوقوف إلى جانبه)، كما قال في المؤتمر الصحفي الذي عقده في قصر الصنوبر في ختام زيارته إلى لبنان”.
وتقول، لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، “خلفية المسألة بطريقة ما، تكمن في أن اللبنانيين أو المجتمع أو الحراك المدني أطلق ثورة ضد الطبقة الحاكمة الفاسدة. حسناً، هل تمكنوا من تحقيق إنجاز أو تغيير بارز؟ لا. هل تمكنوا من توحيد أنفسهم ضمن إطار سياسي منظم؟ لا. هل طرحوا خططاً بديلة واضحة للإنقاذ والإصلاح متفق عليها بينهم ضمن تيار سياسي موحَّد يكون صوت الثورة لمخاطبة العالم؟ لا”.
وتضيف، “بالتالي، كيف سيدعم ماكرون الثورة؟ وكيف يسقط الطبقة الفاسدة في لبنان ويقلب الأمور رأساً على عقب؟ مَن يخاطب مِن الثوار؟ من يمثلهم بشكل واضح وحاسم وينطق باسمهم وبمطالبهم؟”، لافتة إلى أن “ماكرون لم يتردد في الإضاءة على هذا الموضوع علناً وبصريح العبارات، إذ قال (نعم هناك تحركات من قبل المجتمع المدني ونسمع عن وجود ثوار، لكن لا قائد لهم وهذه مسألة تعود للشعب اللبناني وهذا التحرك يجب ان يجد طريقا سياسياً عبر الانتخابات. لكن هل هذا ممكن؟”.
وترى أن “كلام ماكرون الصريح هذا، لا يعني إدارة الظهر للثوار، بل على العكس، يجب أن يُفهم كعامل تحفيز لهم للتوحد ضمن إطار سياسي منظم بقيادة معروفة تطرح موقفها ومطالبها وبرنامجها للإنقاذ، وتخوض الانتخابات على أساسه في مواجهة الطبقة الحاكمة. وإلا فماكرون وغيره من قادة الدول الصديقة الراغبين بمساعدة لبنان وشعبه للخروج من أزمته، مضطرون للتعاطي مع السلطة القائمة، مهما كانت سيئة”.
وتشير المصادر الدبلوماسية ذاتها، إلى أنه “إزاء هذا الواقع، الذي فاقمته كارثة انفجار مرفأ بيروت، رأى الرئيس الفرنسي أنه لا بد من إعطاء فرصة للبنان وإيجاد حل مع الفرقاء الموجودين في السلطة، ومن ضمنهم حزب الله لأنه منتخب من الناس. والحل بحسب المنطق الفرنسي أن يقوم هؤلاء الفرقاء ذاتهم بإقرار وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وإلا فليتحملوا المسؤولية”.
وتشدد، على أن “كلام ماكرون في ختام الزيارة لا يترك مجالاً للشك في نوايا وتصميم الرئيس الفرنسي، بإعلانه عن أنه “أبلغ المسؤولين بوضوح، إذا في نهاية شهر تشرين الأول لم يحققوا ما التزموا به، سأقول للمجتمع الدولي انه لن نتمكن من تقديم المساعدة للبنان، وسأسمي من عرقل ذلك. وإذا لم تف السلطات اللبنانية بوعودها، لن يفرج المجتمع الدولي عن المساعدات المالية، ولن نقدم للبنان شيكاً على بياض)، متحدثاً عن أنه إذا تبيَّن ضلوع السلطات اللبنانية في الفساد فقد تكون هناك عقوبات بعد هذه الفترة”.
وتضيف، “بالتالي، نحن اليوم أمام خارطة طريق التزمت بها القوى السياسية وستحملها الحكومة الجديدة، كما أعلن ماكرون، تتضمن الإصلاحات بقطاعي الكهرباء والمصرفي والتدقيق الحسابي في البنك المركزي ومكافحة التهريب، وحصلنا على موافقة الجميع)”، معتبرة أن “هذه انطلاقة مقبولة في حال الالتزام، وإلا فالتفكير بالعقوبات غير مستبعد بعد 3 أشهر، كما قال ماكرون”.
وتلفت، إلى أن “فرصة الـ3 أشهر التي أعطيت للسلطة في لبنان، ليست عشوائية. فالانتخابات الرئاسية الأميركية ستجرى في هذه الفترة، وبعدها سنكون أمام واقع أميركي ودولي جديد”.
وتؤكد أنه حتى ولو فاز مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن، لن يستطيع الخروج كلياً عن قواعد المواجهة التي أرساها الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع إيران. أما في حال التجديد لترمب في البيت الأبيض، فالضغوط والعقوبات ستشتد على طهران وحلفائها وفي مقدمتهم حزب الله، ما قد يدفعه إلى تليين موقفه في الداخل اللبناني والدخول في تسوية تنقذ لبنان من السقوط النهائي”.
وتتمنى المصادر الدبلوماسية، “لو أن التغيير وإسقاط الحكم الفاسد في دول العالم بهذه البساطة، كأن يقال له ارحل فيرحل. لكن الأمور معقدة، خصوصاً في بلد مثل لبنان. غبر أن هذا لا يمنع أن التغيير ممكن بمزيد من الإصرار والتمسك بالنضال في سبيله، إنما بجدية وانضباط وتنسيق وتنظيم شديد الدقة، خصوصاً إذا كانت المواجهة مع منظومة متحكمة متجذرة منذ عشرات السنين”.
