.jpg)
ليست المرة الأولى التي يتعالى فيها الحديث عن رغبة جامعة لدى عدد كبير من اللبنانيين في مغادرة بلدهم، إذ شهد لبنان على مرّ تاريخه، موجات واسعة من الهجرة بدء من أيام العثمانيين، مروراً بالحرب اللبنانية العام 1975. اليوم أيضاً يشعر اللبنانيون بعجزهم عن التغيير.
بعد انفجار المرفأ في الرابع من آب، صار الحديث عن الهجرة Trend اجتماعياً، لا سيما أن الوضع لم يعد يرتبط فقط بالأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها اللبنانيون منذ ما قبل ثورة 17 تشرين، إنما تعداه الى الهاجس الأمني الذي بات الشغل الشاغل، كيف لا ومعظم ضحايا انفجار المرفأ سقطوا إما أثناء عودتهم من أعمالهم أو في منازلهم. فالكارثة التي ألمت بهم، يضاف اليها الوضع العام، يجعلهم يعتقدون أن الهجرة ستكون طوق النجاة.
فلبنان بلد ملايين المهاجرين المنتشرين في مختلف قارات وأصقاع العالم، ويبدو أنّ بلاد الارز ستكون أمام موجة جديدة من هجرة أبنائها، قسراً أو طوعاً، وهذا ما تلمح اليه أرقام المغادرين بعد انفجار مرفأ بيروت.
وفي السياق، يشير الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين، إلى أنّ أرقام الهجرة عام 2020 لم تتضح، نتيجة تقلص حركة الطيران وإغلاق المطارات بسبب تفشي فيروس كورونا، لكن حين فُتح المطار بعد انتهاء المرحلة الأولى من التعبئة وحتى الرابع من شهر آب، كان متوسط عدد القادمين إلى لبنان 2750، ومتوسط عدد المسافرين 2925، أما بعد وقوع انفجار 4 آب، تراجع المعدل اليومي للقادمين إلى 2410، بينما ارتفع عدد المسافرين إلى 3978، أي بزيادة 36%.
يشدد شمس الدين في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني على ألا أرقام واضحة، عما اذا كانت الهجرة ارتفعت بعد انفجار المرفأ كما يروج له الإعلام، مؤكداً انه من المبكر الحديث عن ارتفاع في الهجرة، إذ تبين ان أكثرية المغادرين هم لبنانيون يحملون جنسيات أخرى، وكانوا يقيمون في لبنان، إلا انهم فضلوا بعد كارثة 4 آب حزم حقائبهم والرحيل.
ويوضح انه لا يمكن التحدث بطريقة واقعية وعلمية عن هذا الموضوع قبل نهاية أيلول أو منتصف تشرين الأول، مذكراً بأن معاملات السفر لا تجري بهذه السهولة. ويتابع، “حتى لو كان جواز السفر جاهزاً، هناك آلية طويلة وتستغرق وقتاً، من المعاملات الإدارية الى تأمين المال والامور اللوجستية، إضافة الى الوضع الصحي في العالم المتأتي عن كورونا، واموال اللبنانيين المحجوزة في المصارف، التي تصعب عليهم كثيراً عملية السفر، وبالتالي لا يمكن مقاربة هذا الملف بهذه السهولة”.
يرى شمس الدين أن ارقام المغادرين ليست مؤشراً سليماً وهناك اتجاه لدى اللبنانيين بالمغادرة بعدما باتت مقومات العيش صعبة، ويوضح أن لدى معظم المواطنين رغبة في الهجرة، لكن الإمكانات ضعيفة على مستوى سبل تأمين التأشيرات وفرص العمل في الخارج، ويضيف، “إذا استطلعنا الناس في الشارع وسألناهم إن كانوا ينوون المغادرة، يتبين لنا أن 90% من اللبنانيين من الجنوب الى الشمال، يبدون الرغبة القوية بالرحيل، لكن الرغبة تختلف عن الإمكانات”.
لا يقلل شمس الدين من أهمية الأرقام، لكنه في المقابل يشير الى ضرورة ترقب الاشهر المقبلة وتطوراتها لنرى ما إذا كانت الدول “وجهة” اللبنانيين، ستسهل عليهم هذه العملية، ويؤكد أن الحديث عن 300 الف طلب هجرة في إحدى السفارات، غير دقيق، سائلاً، “هل يعقل أن يتم تقديم 30 الف طلب يومياً”، كما يلفت الى أن “الدولية للمعلومات” تابعت مع السفارة المعنية وغيرها من السفارات، فتبيّن ان هذه الأرقام غير موجودة.
ويشير الى أن ارقام المغادرين هي بمعظمها لأفراد لا عائلات، لا سيما أن الأخيرة تحتاج الى الكثير من الوقت لترتيب أمورها في حال قررت الهجرة، ويوضح بأن 40% من المغادرين هو من عنصر الشباب، مقابل 60% ممن يملكون جنسيات مزدوجة وهم ليسوا بالضرورة من الشباب.
ويؤكد أن موجات الهجرة لا ولن تقتصر على طوائف دون سواها، خصوصاً أنّ المسيحيين حققوا هجرة كبيرة إبان الحرب اللبنانية، ما يعني أن الهجرة في السنوات الماضية وفي هذه الفترة ستكون نسبتها أكبر لدى الطوائف الإسلامية.
