#dfp #adsense

هل يعيد ماكرون “الأمانة اللبنانية” إلى واشنطن؟

حجم الخط

 

اولاً: يخطئ من يظن ان المبادرة الفرنسية التي يقودها الرئيس ايمانويل ماكرون معزولة عن زمانها ومحيطها الاقليمي والدولي. فالقرار الفرنسي نضج منذ بدايات العام الحالي إثر الاجتماع الثلاثي (الأميركي ـ الفرنسي ـ البريطاني) الذي انعقد في باريس.

يومها اتفقت الدول الثلاث على ابقاء الوضع الاقليمي تحت الضغط خصوصاً لجهة الكباش الأميركي ـ الإيراني، إذ كان الفريق الاميركي واضحا في مضيه قدما في سياسة العقوبات والحصار الاقتصادي على طهران حتى اخضاعها. يومها طرح الجانب الفرنسي مسألة لبنان وأمن شرق حوض المتوسط، فكان الاتفاق على امكانية إنعاش الوضع اللبناني بحكومة تكنوقراط، فولدت حكومة حسان دياب.

فشلت تلك الحكومة إثر زلزال المرفأ الكارثي، عاودت باريس الاتصال بواشنطن، وقد بلغ الوضع الاقتصادي والمالي والاجتماعي والسياسي حدا من الاهتراء بات ينذر بخطر شديد على لبنان ومحيطه.

كانت التسوية الأميركية ـ الفرنسية واضحة: لا جديد في سياسة واشنطن قبل الانتخابات، ولبنان جزء من ساحة المنازلة الدولية الإقليمية، فلا حل للبنان قبل حل الملف الإيراني، فانبرى الفرنسي يطرح خطة “المحاولة الاخيرة”: فصل الملف الاقتصادي والمالي والاصلاحات عن الملف السياسي الاقليمي الدولي.

بما ان الاميركي منشغل في الحملة الانتخابية، وبما ان لا نية لديه ولا لدى اسرائيل في فتح حرب واسعة على إيران وحزب الله، قرر الرئيس ماكرون بموافقة اميركية وتفويض اوروبي واسع، أخذ المبادرة تجاه لبنان انطلاقا من الثوابت التالية:

1 – لا تدخل فرنسي في الملفات السياسية الداخلية الخلافية (كالاستراتيجية الدفاعية، والحياد، وسلاح حزب الله، انتخابات مبكرة وتغيير النظام…) تلك الملفات يحين وقتها عندما تصل المنطقة الى مرحلة التسويات الكبرى.

2 – لا تصادم مع حزب الله بل جره الى التعاون وتحميله سياسيا ودبلوماسيا مسؤولية المساعدة في تسهيل ولادة صيغة إنعاش الوضع اللبناني انطلاقا من كونه المكون الشاذ الوحيد والقادر بقوته المادية والسياسية وارتباطه الاقليمي في خربطة المحاولة الفرنسية.

3 – اقرار خريطة طريق طارئة للبنان، تواكب المساعدات الانسانية والمساعدة في التحقيق في انفجار المرفأ، قوام خريطة الطريق: تشكيل حكومة لا سياسية، مستقلة واختصاصية تقوم بتنفيذ الاصلاحات المطلوبة دوليا ولا سيما في القضاء والمصرف المركزي وقطاع البنوك والطاقة والكهرباء والمرافق العامة، واعادة اعمار المرفأ، واعادة وصل ما انقطع مع صندوق النقد الدولي على قاعدة الالتزام بالإصلاحات وصولا الى الافراج عن سيدر والمساعدات المالية والاقتصادية الدولية والعربية.

ثانيا: شخصية ماكرون المعروف في فرنسا بالسيد في الوقت ذاته يريد من جهة تثمير علاقاته مع ايران لإنتاج بداية حلحلة في لبنان، بطلب العون من حزب الله والمساعدة وتحميله بصورة مباشرة وغير مباشرة مسؤولية نجاح المبادرة او فشلها، كما ابعاد الالغام السياسية التي بإمكانها تفجير المبادرة وافشالها.

طبعا فرنسا ليست جمعية خيرية، إذ صحيح ان لبنان يهمها تاريخيا وحضاريا وثقافيا وسياسيا، وهو موطئ القدم الوحيد المتبقي لها في الشرق الأوسط، بعد تراجع تأثيرها ووجودها في هذه المنطقة لعقدين من الزمن، بخسارتها مصالحها في العراق وسوريا ومناطق اخرى كان لباريس وجود وتأثير فيها سابقا، الا ان لمصالحها ايضا حساباتها، خصوصاً في لحظة تبدل المشهد الاقليمي والمتوسطي دراماتيكيا من خلال مستجدات خطيرة:

1 – المواجهة مع الاتراك والممتدة من ليبيا الى شواطئ قبرص اليونانية وصولا الى شمال لبنان، ففرنسا لا تستطيع السماح للرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتهديد امن اوروبا المتوسطي ولا السيطرة على الخيرات النفطية والغازية الليبية، وقد تحالفت مع مصر واليونان وايطاليا والخليج لمواجهة هجمة الرئيس التركي في شمال افريقيا.

2 – مفاجأة فتح ملف التطبيع العربي مع إسرائيل، بدأ من التطبيع بين ابو ظبي وإسرائيل، إذ باتت اسرائيل عبر البوابة الاماراتية على مرمى جيو ـ سياسي واستراتيجي من إيران، مقابل كون ايران عبر بوابة حزب الله وجنوب لبنان على مرمى من إسرائيل، وبما ما يعني ان اشارة التقلبات الكبرى انطلقت، وبات على كل لاعب اقليمي ودولي ان يحجز كرسيه على طاولة التسويات النهائية في المنطقة، ومن لا يحضر لا حصة ولا نصيب له.

3 – انتقال سوريا الى مرحلة التسوية السياسية اعتبارا من العام المقبل

4 – بدء التعاون الاستراتيجي الإيراني ـ الصيني وتداعياته على مصالح الغرب والولايات المتحدة.

5 – الفراغ الاميركي في المنطقة الذي قد يملأه الروسي او التركي ان لم يكن لباريس دورا ووجودا مباشرا.

وسط كل هذه الملفات ينبغي على اللبنانيين ان يعرفوا كيف يستفيدون من هذه اللحظة التاريخية التي لن تتكرر ثانية، ان ارادوا وضع البلاد على سكة النهوض بمعزل تداعيات الملفات الاقليمية المتأزمة ولا سيما التصعيد في العلاقات الأميركية ـ الإيرانية، وسط تخبط طهران بين تيار يرى ان الاوان حان للتفاوض مع واشنطن ترمب، وقبل الانتخابات طالما الثمن يمكنه ان يكون محمولا خير من التفاوض على اثمان اغلى اذا تم التجديد للرئيس ترمب، وبين من يرى الانتظار حتى الانتخابات بلعبة عض الاصابع ربما يأتي مرشح الديمقراطيين جو بايدن وتتبدل الصرامة الاميركية.

ثالثا: بالطبع، اقرار ماكرون بدور لحزب الله في المساعدة على تسهيل انطلاق خريطة الطريق اللبنانية وتحييد الرئيس الفرنسي للحزب لا بل التعاون معه، لن يكون بدون ثمن من حزب الله، وقد حذرت طهران الحزب من الثمن الذي يمكن ان يطلبه منه ماكرون والذي لن يكون اقله العودة الى لبنان والانخراط في المعادلة اللبنانية والتخلي عن الاقليم والسلاح في مقابل ضمان تغيير في النظام يراعي هواجس الحزب وجمهوره، كطريقة براغماتية فرنسية ـ ماكرونية، لفك ارتباط الحزب عن ايران او اقله لفك ارتباط لبنان بأزمة المنطقة من خلال الحزب، توصلا الى بناء دولة حديثة وايجاد صيغة حكم لمئوية جديدة.

استراتيجية ماكرون ليست سهلة وليست شعبية لدى فريق واسع من اللبنانيين المناهضين للحزب وإيران، فضلا عن انها ليست بعيدة المدى بل مؤقتة ترافق حكومة مصطفى اديب نحو الاصلاحات لأشهر محددة، تؤدي في خلالها الاصلاحات المطلوبة لتعود وتسلم الامانة الى حكومة تسوية تواكب التسوية الكبرى في المنطقة.
من هنا تسمية حكومة اديب بحكومة المهمة.

من استمع بتمعن الى المؤتمر الصحفي الختامي لماكرون في قصر الصنوبر مساء الاول من أيلول، وقرأ السطور وما بينها، يتأكد من ان الرئيس الفرنسي ليس في وارد احلال نفسه محل اللبنانيين لتقرير مقاطعة السلطة الحالية التي يحتاجها لإطلاق آليات النهوض الاقتصادي والمالي وتنفيذ الاصلاحات على الرغم من اقتناعه بفسادها وبعدم انتاجيتها.

ومن هنا عدم تردده مرارا وتكرارا في حشرها وتحديد اطر زمنية للتكليف ثم التأليف، ولا في وارد مواجهة حزب الله ومعاداته على الرغم من وصفه للجناح العسكري منه بالإرهابي ولعملياته الخارجية بالإرهابية، واستمراره في نفس الوقت في اعتبار ان للحزب قاعدة شعبية انتخبته ولو انه في قرارة نفسه يعرف تأثير السلاح في حمله الى الندوة البرلمانية ومن ثم الى السلطة (الا ان هذا شأناً لبنانياً داخلياً لا يستطيع ان يحكم هو عليه)، إذ ان من تابع حديثه يستنتج ان الضيف الفرنسي يعلم بكل تحفظات اللبنانيين على الحزب ويشاركها في قرارة نفسه لكنه يحتاج للحزب لتسهيل مهمته الإنقاذية للبنانيين ولبنان. ومن هنا الجدلية الواسعة في تقييم موقفه وسياسته وعدم رضى فريق واسع من اللبنانيين عما يعتبرونه تعويما للسلطة وللحزب في مبادرته.

جند ماكرون دبلوماسيته لحملة واسعة للتمهيد لمبادرته وتوفير ظروف نجاحها من خلال مروحة اتصالات وتواصل مستمرة مع واشنطن والاوروبيين وإيران والخليج، وحصل على تفويض اوروبي وتعاون اميركي مشروط وقبة باط عربية خليجية تولت مصر ترجمتها لمساعدة الفرنسي على تحقيق ما يمكن تحقيقه لحين اوان التسويات الكبرى في المنطقة.

ماكرون يعشق تزاوج الاضداد في السياسة، وقد وضع خطة تلتف على الاضداد التي تستخدم لبنان ساحة للصراع وتصفية الحسابات، يألف بين واشنطن وطهران ويتواصل معهما وينسق معهما ويتعامل مع حزب الله بانفتاح على الرغم من اعلامه الحزب بأنه لا يوافقه على الكثير من سياساته في لبنان والمنطقة، همه في كل ذلك ومن اجل انجاح مبادرته ان يتمكن من اقناع مجموعة الدعم الدولي للبنان والمؤسسات المالية الدولية بالوقوف الى جانب لبنان متعهدا بالدعوة الى مؤتمر دولي جديد الشهر المقبل برعاية الامم المتحدة لحشد الدعم الدولي للبنان، ليكون البلد جاهز وفي وضع افضل مما هو عليه الان لتقبل ما ستحمله التسويات الاقليمية الكبرى.

إلى الان نجح في اختراق الوضع اللبناني المتجمد بالتكليف السريع وهو يدفع باتجاه تسريع التأليف وبرنامج بيان حكومي اصلاحي بامتياز، وعودته الثالثة ستكون عودة جردة الحساب النهائي، فإما نجاح خريطة الطريق، وبالتالي نقل لبنان اقتصاديا وماليا الى وضع أفضل وانتشاله من الاهتراء، واما الاستسلام واعادة تسليم الامانة السياسية للأميركيين مع ما يعنيه ذلك من تعمق المأساة اللبنانية على كافة الصعد وزيادة الهريان الداخلي في ظل استسعار المواجهة الاقليمية والدولية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل