قداسة البابا،
بعد التمني على قداستكم، قبول خالص شكرنا، على مبادرتكم الكريمة لمنح علمنا اللبناني بركتكم المقدسة، وعلى اشتمال كلمتكم صلاةً لضخ الحياة في جسم وطننا المترهل، في زمن الجمود الصنمي الذي تمارسه السلطة المشبوهة، أود، صاحب القداسة، تزويدكم بملامح من واقعنا المتردي، وهي عطب موصوف اجترحه الحكام المتعاقبون، وبعض الخارجين على الدولة، وناء، تحت ثقله، الشعب المفجوع.
لقد جعل أحد السوسيولوجين المواطنة عقيدةً، يوالي، عليها، الناس، ويعادون، وأدرج الوطن في هالة التقديس، بحيث يصير الحب فيه، والبغض لأجله، والقتال في سبيله، فيطغى الولاء له على كل رابطة. من هنا، كان الولاء هو البيئة الحاضنة الدائمية لأفراد الجماعة، ووجب، على هذه الجماعة، أن تكون إستراتيجية تعزيز الهوية الوطنية، بالولاء، التزاماً محصناً للوطن، بعد التشعب الذي أسفر عن وجهه، في مسألة الانتماء، تحديداً.
ولما كانت الهوية الوطنية منظومةً اجتماعيةً، وأخلاقية، ترتبط بقيم جوهرية تسهم في تبيان حقيقة المنتسبين إليها، ولما كان الولاء نشاطاً دؤوباً فائق الأهمية يترجم بسلوك، ونمط حياة، وطموح وجودي، نجدنا أمام سؤال لا ينتمي الى ترف نظري، بقدر ما ينطلق من الالتباس الذي يصطنعه بعض الأفرقاء حول مفهوم الهوية، بالذات. فالخلاف يستعر حول ماهية هذه الهوية، وأبعادها، بين فريق منحاز الى هويته، ويسلم بأنها معطىً مقدس، ثابت، ونهائي، في حين يتلطى فريق آخر خلف شعار سياسي إستراتيجي لا يمت لمفهوم الهوية بصلة، لأنه غريب عن أيديولوجيتها، وعن بعديها الموضوعي، والمعرفي. لذا، فالتناقض واضح بين من يسكن الوطن في وجدانهم، وبين النافضين أيديهم منه، لأنهم يعتبرونه وطناً منتهيةً صلاحيته. فانطلاقاً من أن الانتماء والولاء لا يخضعان للنسبية، أو للشك، ليس مقبولاً أن يكون الوطن مؤجلاً بانتظار أن يرتد الكافرون به، أو يرحلوا منه الى الأبد.
قداسة الحبر الأعظم،
لقد أفضى مؤتمر “سايكس- بيكو” الى وضع المنطقة تحت صيغة الانتداب، فكان لبنان من حصة فرنسا. وبالرغم من عشقنا الحرية، وهي حال مترسخة في الوجدان والهمة، قادت الى الاستقلال، غير أن الوجود الفرنسي ترك بصمات إيجابيةً على مستوى مدمكة الكيان الوطني والحضاري، بترسيخ مبادئ الثورة الفرنسية التي تعتبر مفصلاً في مسيرة الوعي الحقوقي، وحتمية الحريات، وبالانفتاح على ثقافة الغرب الغنية. وبعد الجلاء، خضع وطننا لسلسلة من الانتدابات، يمكن، في الحقيقة، أن نطلق عليها صفة الاستعمار، لنضعها في إطارها الصحيح. وكان آخرها الانتداب الفارسي المثور للعنصرية الدينية، والذي يسوق لأجندة تسعى الى بسط حيثية ” كولونيالية” ترمي الى الانقلاب على الدولة اللبنانية، بصيغتها الراهنة، لاستبدالها بالثيوقراطية الراكدة.
هذا الغزو الفارسي، بذراع بلدية مستقوية بسلاح غير شرعي، يرمي الى هدم مكتسبات الانفتاح على الحضارة الغربية، وفي طليعتها نظام الديمقراطية القائم على الحرية والعدالة والحقوق، وذلك، للعودة بنا الى نظام الخلافة، ما يؤدي الى تقويض الهوية الوطنية، وتأبيد الوطن في عصر الانحطاط والتخلف. إن هذا الاستعمار الجديد الذي يهمش الشرعية الدولية برفض قراراتها ذات الصلة بقضية لبنان، ويمارس أتباعه الترويع والإرهاب، من شأنه أن يفتح، على لبنان، باب جهنم.
وهذا يقودنا الى مسألة دقيقة هي الإستراتيجية الدفاعية والمرتبطة، حكماً، بمشروعية السيادة، وبطرح حياد لبنان الناشط والإيجابي. إن تسليح الجيش اللبناني قضية مركزية يعتبرها أكثر اللبنانيين أولويةً مطلقة، وتمكن الدولة الشرعية، وحدها، من امتلاك قوننة استراتيجية الوطن الأمنية، ومن دون شريك. إن الشعب اللبناني يقف خلف جيشه الوطني، من دون تردد، لأنه يرى في هذا الجيش الضمانة الوحيدة لصون الوطن، والدفاع عن حقه. أما المعرقلون الرافضون تسليح الجيش، فلا يفهم من موقفهم السلبي إلا تسهيل انقضاض الدويلة على الدولة، لتنفيذ أغراض مشبوهة، أسوأها زج لبنان في الصراعات الإقليمية التي لا شأن لنا بها، ولا يمكن تنفيذها بوجود جيش قادر.
أما مسألة الحياد، وقد خون الداعي إليها، والراعي لطرحها، فهي نظام النأي بالنفس عن النزاعات والمحاور، ما يبعد عن الوطن خطر الانزلاق في شرور الصراع بين التكتلات، ليكون، بذلك، واحة سلام منيعةً تسعى الى التقدم السلمي، وتهدف الى حماية الاستقلال الوطني.
الحياد الناشط لا يحيد نفسه عن زيادة فاعلية حقوق الإنسان، وعن السعي الى إيجاد مبادرات لتعزيز السلام، ولتخفيف التوتر. وهو لا يعني، إطلاقاً، اللامبالاة في القضايا التي لها صلة بالوعي الاجتماعي، فلا حياد بين الخير والشر، أو بين الحرب والسلم، أو بين العدالة والظلم، فلا يمكن المساواة بين الجلاد والضحية. ولما كان لبنان منهكاً بالتدخلات الخارجية في شؤونه الخاصة، ماضياً، وحاضراً، ما جعله فريسةً لغزو سياسي وهيمنة أمنية، في أشداق القوى الإقليمية، لذا، كان مشروع التحييد يحصن الوطن في الداخل، استقراراً وتوازناً وتنميةً وثقةً بالمستقبل، ويوفر عليه المزيد من الخسائر، جراء اعتباره ساحةً لتصفية الحسابات العربية والإقليمية.
صاحب القداسة،
لبنان ليس بإمكانه انتظار حلول للمسائل الساخنة التي يعيشها الجوار، وليس ممكناً، كذلك، أن يستمر مسلوب السيادة والحرية والأمل بغد أفضل، من هنا، فالحياد هو الظاهرة الصحية الوحيدة التي تعيد الوطن الى الوطن. لذلك، نطلب من قداستكم المساعدة الحثيثة، وبفاعلية قصوى، لإسماع صوت لبنان المطالب بالحياد، لأولئك القيمين على ترسيخ السلام والأمان في بلاد الناس، لنتشارك، معاً، في العيش الكريم، حتى لا نبقى نضمد جراحنا بالجراح.
وتفضلوا، قداستكم، بقبول شكرنا البالغ، وهو جوازنا الى محبتكم الصادقة.
