
وقف عند باب الغيم، عيون وقلب على لبنان، وشجن يكاد ينزل دمعا على غصن ارزة. “ليش زعلان يا رفيقي الشهيد؟”.
قطف عبقا من عطر سمائه ونثره فوق جبال السنديان “معقول نكون استشهدنا ضيعان؟ نحنا اخترنا المقاومة حتى الاستشهاد ليبقى لبنان، ووين لبنان اليوم يا رفيقتي؟! لبنان بالاحتلال، ولادنا ضحايا يموتون، بالجملة يموتون تحت انقاض الارهاب المدوي باجسادهم الطرية، ولا من يسلّم المجرم او يصرّح عنه؟ هل متنا ليأتي من بعدنا تجار دماء ويحكموا لبنان بالارهاب وسوط الدم مسلّط فوق اعمارهم؟ هل استشهدنا ليموت اهلنا من بعدنا اشلاء متناثرة فوق حيطان المدينة؟ ليش متنا يا رفيقتي؟ وين راح دمنا، فداء من وعمّن؟ اينك يا الله لتنقذ شهادتنا وتنقذ لبنان من شقعات الضحايا؟ انا حزين. انا مت مرة ثانية وتناثرت اشلائي مع ضحايا بيروت. ماذا تفعلون بنا؟ لماذا بعد تصلّون لاجلنا. اتركونا بسلام وليصطفل الرب فينا هنا، هو من يصلي عنا وهنا سنزرع احواض زهورنا ونسقيها من نقاء السماء ومنديل مريم العذراء ولا تقتربوا منا، ابتعدوا صرنا نخاف من لبنان!”.
لا تخف يا رفيقي. وحياة دمّك الطاهر لا تخف، لا تزعل. لا تُشح بوجهك ارجوك. ما تفلّ خلّيك بدي قلّك كلمتين قلب بس. وتوّقف في بيت غيمه يستمع. اعطاني فرصة جديدة لانشد له نشيد الكرامة الذي صنعوا الحانه وكلماته من دمائهم. استوقفته دقائق علّني بالوقت القصير اعبر معه الى عالم الحب الذي غزلوه من شبابهم لنحيا نحن. “شفت دمعات الامهات والاباء على ضحايا بيروت؟ هودي دموع حارقة كتير يا رفيقي لان ولادن راحوا ضيعان، ما اختاروا الشهادة انما قتلوهم عنوة، ضحّوا بهم. انتم يا رفيقي اخترتم الشهادة. ذهبتم الى متاريس الشرف، حملتم البواريد لتصوبوا على المحتل الذي زرع ارضنا نارا ولهبا ورعبا وموتا تحت الصلبان. لبونا يا رفيقي ولا يزالوا يفعلون. انت والرفاق اخترتم ان تمتد اياديكم لتنزعوا خشبة العار عن مجد المسيح، ارضكم مسيحكم، ايمانكم مسيحكم، لبنانكم صلاة الدنيا كلها، وتلك البدلة الزيتية التي لا تزال بقع الدماء مجمدة فوق خيوطها، تلك البدلة يا رفيقي عمر عمرنا. انظر لا تزال معلقة في خزائننا، لن نغسلها قبل ان يتحرر لبنان، لن نزيل بقع الدماء الذكي قبل ان يعلن لبنان ولاءه للحقيقة للكرامة ولابناء لبنان وحدهم، وحدهم يا رفيقي من دون محتل ولا عميل خائن ولا فاسد، دخلك ما تزعلش منا…
نظر اليّ هيك بحنا، بدمعة مكوّرة بتراب الارض، ببسمة تتمالك حالها كي لا يغلبها الدمع، “انا طالع على معراب، رفاقي هناك يسبحون في عبق الصلاة. لن تذهب امي لملاقاتي هذه السنة، ولن يحمل ابي صورتي ودموعه تبلل وجهي، لكن رفاقي في المقاومة اللبنانية كلهم سيكونون معي فوق، سنجول بينكم ونعرف اخباركم من نبض العيون ورفّة القلوب، سأكون في معراب مع رفاقي، اذ ما عدت صراحة اجد مكانا اجمل من ان اكون بينهم ومن بينهم. معهم اعرف ان ثمة من يذكرني، من يعترف بشهادتي، فوق اصبح النسيم العابر فوق مار شربل والقديسة ريتا. حلو هالمطرح. رائحة السنديان تنبض بوعر لبنان، ووعر لبنان فيه ما فيه مما كنا عليه، العنفوان يا رفيقتي التي تناجيني من وقت لاخر من دنيا الاحياء. اتعرفين، افكر احيانا ان في لبنان الاحياء الاموات كثر واشفق عليهم، لان من نزع عنه الكرامة صار ميتا عبدا ذليلا في بلاط الفاسدين والمحتلين”…
وصمت رفيقي الشهيد “وين رحت بعد ما شبعت من الحديث معك، خليك ما تفل”… التفت فجأة وابتسم “ما فيكي تكوني معي، انا شهيد والشهيد بالمقاومة اللبنانية ما بيموت طالما القضية عايشة فيكن ومعكن، بس انا زعلان على بلادي، بشوف دموع الناس وحزنهم ويأسهم فأشعر انها دموعي وحزني ويأسي، راقبتهم وهم يستذكرون الضحايا بعد شهر على الارهاب الذي جعل منهم عند الرب فقط احياء، قطّعولي قلبي، ليش لبنان بدو يضل حزين، استشهدنا ليعيش متى تتركونه يعيش؟ متى يستحق لبنان شهادتنا”…
وذهب، صار خلف غيمه ونده من بعيد “ما تزعلي ساكون في قداس المقاومة، سترينني في رجاء القيامة مع المسيح، رح تشوفيني بوج الحكيم بس يدمع بعنفوان وقت يحكوا عنا، رح تشوفيني بوجوه رفاقي الشباب والصبايا في كشاف الحرية، سترون وجوهنا جميعا لانكم لا تقبلون الا ان تستحضروننا في كل موقف مشرّف، في كل نضال مع المستحيل لاجل كرامة لبنان… بوسك يا رفيقتي على جبينك العالي، وكل مناضل وقواتي ولبناني صميم هو رفيقي… بشوفك بكرا بهالقربانة الزغيرة بحجم الكون كلو”….
وذهب وانا سالقاه غدا وجبيني فوق فوق عالي عالي جدا لان رفيقا لي بالمقاومة اللبنانية حادثني من شغاف الكرامة…
