
يبدو ان الرئيس المكلف مصطفى أديب لن يشكل حكومته في غضون الاسبوعين المقررين بعد تسلمه هذه المهمة الشاقة حتى لو تمت بضغوط فرنسية، ولا سيما ان ملف لبنان اصبح في صدارة اهتمامات الرئيس ايمانويل ماكرون. وفي حال نجاحه في هذه الخطوة ستُسجل في رصيده السياسي وسيستثمرها في الداخل الفرنسي. واذا كان أديب أول من يتحمل مسؤولية التعجيل في تأليف الحكومة، فإن الجهات المعنية تشاطره هذه المسؤولية في عملية تطبيق الوعود التي اطلقتها ابان الاستشارات النيابية من تسهيل وعدم المساهمة في أي عرقلة، فضلاً عن ضرورة الالتزام بالتوصيات الفرنسية التي باتت على محك المجهر اللبناني. ولم يتأقلم أديب بعد مع المعادلات السياسية التي ترافق عادة ولادة الحكومات وتسمية الوزراء. وتتفهم الكتل النيابية والحزبية واقع الرجل والضغوط عليه، وهو يقوم بجملة من الاتصالات واللقاءات البعيدة من الاعلام حيال التأليف، لكنها لم تثمر بعد ولم يتمكن من وضع “الترويسة” الحكومية التي تقود الى التفاصيل التي تطبعها اجواء من الغموض والتكتم تحكم المشهد الذي وصل الى حدود الجمود. ولم يتم بعد فك شيفرة الخروج من هذا المأزق. وثمة من يقول هنا ان أديب لن يستطيع الخروج من “السطوة الحريرية”، علماً ان رئيس “تيار المستقبل” كان أول من اعلن انه لا يريد اي حصة وزارية لفريقه على ان يسري هذا المفهوم على الآخرين. ويبقى ان ما يجري تناقله من اسماء على مواقع التواصل الاجتماعي وفوضويتها لا اساس له من الصحة. ولا يستبعد وجود ماكينة منظمة تعمل على نشر بعض الاسماء لتصبح امراً واقعاً على جهات حزبية وطائفية وفرضها عليها. ولم يكشف أديب بعد عن مقاربته لاختيار مواصفات اعضاء حكومته المنتظرة سوى انه يريدهم من اصحاب الكفاءات والطاقات في الحقائب التي سيتسلمونها وسط سؤال: هل هو قادر بالفعل على القيام بهذه المهمة؟ ومن قال ان الإتيان بوزراء من هذا النوع يقدرون على ادارة وزاراتهم وتلبية مطالب المواطنين الذين يعانون الكثير، على قول رئيس مجلس النواب نبيه بري، وانهم لم يعودوا قادرين على التحمل وزيادة الاعباء الملقاة عليهم، وانه ليس المطلوب اضافة همّ جديد الى يومياتهم، وان الشتاء على الأبواب. لكل هذه الاسباب وغيرها لا مفر من الاسراع في تأليف حكومة أديب على ان تكون على مستوى طموحات اللبنانيين وأوجاعهم.
وفي وقت يركز الجميع على شكل الحكومة تبقى الانظار مشدودة الى حقيبة المال وما اذا كانت ستبقى في يد شخصية شيعية حيث يتم تصويرها بمثابة “خط أحمر”. ويتعامل البعض مع هذه المسألة بمقاربة ساذجة بحسب جهات شيعية. ويُفهم منها ان هذه الحقيبة ستكون خارج دائرة المداورة لجملة من الاسباب. ويعمل البعض على تصوير الامر وكأن هذه الحقيبة تشكل عقدة تأليف الحكومة. وما لا يعلنه الثنائي “أمل” و”حزب الله” وهو انهما لن يتخليا عن هذه الحقيبة للإبقاء على التوقيع الشيعي الثالث من دون وجود نص في ذلك، سوى سريان العرف النظري القائم منذ اتفاق الطائف في العدد الاكبر من الحكومات الى اليوم، ليبقى الشيعة شركاء في هذا التوقيع الى جانب التوقيعين الماروني والسني، ولا ربط لهذا الموضوع بكل ما يدور عن المثالثة. وثمة من يريد حشر “الثنائي الشيعي” والقول انه المعرقل وغير المتجاوب وغير المسهل لتأليف الحكومة من جراء التمسك بهذه الحقيبة.
ومن هنا يدرك المؤيدون لابقاء هذه الوزارة في ايدي الشيعة، تمسّك الطائفة بها حيث لن تتخلى عنها مجاناً، اذا صح التعبير، ولا سيما في ظل الحديث عن امكان عقد مؤتمر وطني قبل نهاية السنة الجارية. وفي حال حصوله سيتم “تشريح” مواد الدستور ومندرجات الطائف، علماً ان عملية من هذا النوع لن تحصل اذا تُركت في ايدي الافرقاء اللبنانيين الذين درجوا على الاستعانة بأصدقاء عرب وأجانب بحسب ما تتطلب المرحلة وكما جرت العادة. والمثل الحي هو تأليف حكومة أديب التي تولد بأصابع فرنسية هذه المرة.