#dfp #adsense

السّلاح الفلسطيني خارج وداخل المخيّمات والمسألة السياديّة

حجم الخط

 

زيارة رئيس المكتب السياسيّ لحركة حماس إسماعيل هنيّة إلى لبنان تفصيلٌ في استراتيجيّة شامِلة تقودها إيران وتركيا من التناقضات إلى التقاطعات. إسرائيل في نَفَسِها الدّيني التهويدي ترتاح للإسلام السياسيّ والمسيحيّة المتطرّفة، إذ هي في أساسها قامت على الهويّة الدينيّة، وغذّت كلّ مسارات اغتيال الهويَّات الوطنيّة والقوميّة. هُنا بيت قصيد التقاطع المصحليّ بين أنماط العصبيّات القاتِلة.

التأكيد على أنَّ زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنيّة تفصيلٌ في استراتيجيّة شامِلة تقودها تركيا وإيران، قائِمٌ في أنَّ الاعتراض على عراضة السلاح فيها، ناهيك بالتعبير الرسميّ عن استقبال ما فوق العادة بالشكليّات اللوجستيّة، قائمٌ في أنَّ هذا الاعتراض الذي انطلق صداه هُنا وثمّة لَم يعدُ كونَه لفظيّاً، فيما كان يجب صياغته في فَهمِ أنَّ هذه العراضة ما كانت لتَتُمّ لَو لم تُثبِت المنظومة السياسيّة اللبنانيّة حاكِماً ومتحكِّماً بأنّها معنيّة باستباحة السيادة اللبنانيّة ذهاباً وإيّاباً، ومن دون تفويت أيّ فرصة مُراكمة على هذه الاستباحة.

الإستعراض الشعبي العسكري لحركة حماس تأهُّلاً برئيس مكتبها السياسيّ إشكاليّة لبنانيّة بامتياز، يوازي هذا الاستعراض ما قامت به الفصائل الفلسطينيّة في أكثر من محطّة في الأعوام الخمسة الأخيرة تعبيراً عن فاعليّة الأمن الذاتي الذي تنتهجه في المخيّمات مع مفاخرةٍ بتنسيقٍ كامِل مع الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة. كلُّ تنسيقٍ مفيد لاسيّما إن كانت بوصلته الأمن والأمان بعد تجارب مريرة. لكن في محصِّلة كلّ أمن ذاتيّ إنحلالٌ للمقاربة الدولتيّة. السّيادة تبقى إحدى مقوّمات الدّولة البُنيويّة. ما نحن فيه أبعد من استباحة السيادة. إنّنا في مربَّع قتلِ ما تبقّى من شكل الدولة.

 

في هذه العُجالة لا حاجة للبحث التاريخيّ في موجِب تولّي المنظومة السياسيّة اللبنانيّة افتراضيّاً تطبيق مندرجات إلغاء اتفاقيّة القاهرة (1987)، وتنفيذ اتفاق الطائف (1989)، وقرارات طاولة الحوار الوطني (2006)، وتوصية وثيقة “رؤية لبنانيّة موحَّدة تُجاه قضايا اللّجوء الفلسطيني في لبنان” في مقاربتها للسيادة (2017)، وهذه كلُّها بالإضافة إلى مفاعيل معركة مخيّم نهر البارد في الانتصار على الإرهاب المفبرك والمستورد، لا حاجة للبحث التاريخي في مضامين كلّ ما سبق، لكن ثمّة حاجة لمُساءلة سياديّة في التخلُّف الأيديولوجيّ، أو التواطؤي، أو التكتيكي للمنظومة السياسيّة عن تطبيق ما هو الحدّ الأدنى لاحترام السيادة. ولا بُدَّ من التذكُّر الاستنتاجي أنَّ طاولة الحوار الوطني التي قادها الرئيس السابق ميشال سليمان حاذَرت النقاش في مسألة السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات وداخلها باعتبارها مبتوتةً، والأهم البحث في سلاح حزب الله من باب الاستراتيجيّة الدفاعيّة، فيما بدا جليّاً بعد مسارٍ عسير أنّه تمّ إجهاض البحث في المسألتين معاً. باب السيادة مدخله بسط سيادة الدولة ناجِزةً على كامِل أراضيها وحماية المقيمين على هذه الأراضي. مخيّمات اللّاجئين الفلسطينيّين ما زالت، وبقرار بالحاكِم والمتحكِّم بالمنظومة السياسيّة اللبنانيّة، خارج هذه السيادة، واللّاجئون فيها عُرضة لمزاجيّاتٍ أمنيّة واختراقاتٍ خبيثة.

بقاؤها خارج السيادة تفصيلٌ في العقل السياسيّ اللبنانيّ فالبعض يربط ذلك برفض التوطين، وآخرون يجسرونها مع أهداف أبعد في مِحور الممانعة، ولا يتوانى معنيّون بوصلها بعجز الأجهزة العسكريّة والأمنيّة الشرعيّة، ويصِرّ منخرطون في توسُّل معانيها على أنّ الأمن الذاتي الفلسطينيّ ضمانة للّاجئين واللبنانيّين من هذه الاختراقات الخبيثة. وفي المحصِّلة تظهر مقتلة السيادة، وتتجلّى أشلاء الدولة نافِرة. أضف إلى ذلك أنّ مجموعات الثورة وائتلافاتها صمَّمت، بأغلبيّتها على تفادي مقاربة الخللّ السياديّ، فجاورت بذلك كثيراً من المنظومة السياسيّة.

زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنيّة إلى لبنان وعراضتها العسكريّة تفصيلٌ في مشهدٍ أشمل. الردُّ من باب هذه العراضة على طرح حياد لبنان الناشط تفصيلٌ أيضاً. اللبنانيّون معنيّون باستعادة السُلطة لتحرير الدولة من خاطفيها. أمّا تفرُّج منظمة التحرير الفلسطينيّة على هذه العراضة بعد استماتةٍ في التأكيد على التزامها سيادة لبنان، تفرُّجٌ بلغ حدّ التقليل من تأثيرٍ مشهديّة هذا التفصيل على مسيرة ترميم الذاكرة اللبنانيّة – الفلسطينيّة، والذي استُهِلّ منذ العام (2005)، هذا التفرُّج يستأهل مُساءَلةً في ما هي ضمانة الأحرار في لبنان وفلسطين من إمكان إعادة استخدام القضيّة التي يحمِلون ورقة مقايضة ومفاوضة وتصفية حساب لا علاقة لهم بها؟

 

المُساءلة السياديّة في لبنان مَدخل أيّ إصلاح. كثيرون أضاعوا البوصلة وممعنون هم في إضاعتهم لها.

 

 

المصدر:
النهار

خبر عاجل