كشفت مصادر مطلعة على اجواء المشاورات غير العلنية التي جرت في الايام القليلة الماضية، انّها افضت الى الخلاصات الآتية:
اولاً، انّ حجم الحكومة لا يشكّل نقطة خلاف بين الرئيس المكلف مصطفى اديب وسائر الاطراف، إذ لا توجد أيّ مشكلة لدى هذه الاطراف، وخصوصاً لدى الثنائي الشيعي، أيًّا كان حجم الحكومة.
ثانياً، انّ شكل الحكومة، وإنْ كان الرئيس المكلّف قد حدّد مواصفاتها كحكومة اختصاصيين بالكامل، لم يصل الى مرحلة البت النهائي وحسم السير بمثل هذه الحكومة. وعكست المشاورات، انّ هذا الأمر يتطلب مزيداً من النقاش بين اديب وبين الاطراف التي سمّته، وما زالت تصرّ على حكومة تكنوسياسية، وترفض تكرار تجربة حكومة حسان دياب بتركيبتها التكنوقراطية التي اثبتت فشلها. اي انّ هذه الاطراف لا تريد تكرار الفشل مرة ثانية.
ثالثاً، لم تحسم المشاورات طرح المداورة في الوزارات السياديّة الأربع؛ الماليّة، والخارجيّة، والدفاع، والداخلية، حيث ما زالت في دائرة التجاذب حولها. ونقطة الخلاف الجوهرية تتبدّى في انّ لدى الرئيس المكلّف ميلاً جديًّا لإخراج وزارة المالية من يد الطرف الشيعي، على ان تُسند اليه حقيبة سيادية بديلة. يقابله رفض قاطع ونهائي من قبل الطرف الشيعي، ليس فقط التخلّي عن وزارة المالية، بل مفاتحته بموضوع التخلّي عنها باعتبارها خارج اي بحث.
وبحسب معلومات «الجمهورية»، فإنّ الطرف الشيعي يعتبر انّ حقيبة المالية «مثل الرئاسات»، وجرى التأكيد عليها في الطائف بأنّها من حصة الشيعة». وان هناك ما يشبه الاستنفار الشيعي الكامل سياسياً وعلى مستوى الطائفة، رفضاً لانتزاع حقيبة المالية من حصتهم.
وتشير المعلومات الى «أنّ رأياً داعماً لموقف الطرف الشيعي، جرى طرحه على هامش هذه المشاورات، ويفيد بأنّ وزارة المالية قد تكون هي الأنسب لتسند الى الشيعة من سائر الحقائب السيادية، اذ لا تستطيع ان تسند اليهم وزارة الداخلية بالنظر الى تركيبتها من أولها الى آخرها، وكذلك الى منظومتها الأمنية الاساسية التي يغلب عليها الطابع السني كما انه لا توجد سابقة بأن تولّى وزير شيعي وزارة الداخلية، أقلّه بعد الطائف. وكذلك الامر بالنسبة الى وزارة الخارجية، حيث قد تتعالى أصوات في الداخل والخارج تقول إنّ الثنائي الشيعي، أيّ حركة «أمل» و»حزب الله»، هما الناطق الرسمي باسم لبنان، وهما المتحكّمان بالبعثات الديبلوماسية اللبنانية خارج لبنان، ويديرانها في الاتجاه الذي يريدانه. والأمر نفسه ينطبق على وزارة الدفاع، فرئيس الجمهورية اوّلاً قد يرغب ببقائها من حصته، وثانياً إنّ جَعلها من حصة الشيعة، وأيّاً كانت الشخصية التي ستتولاها، يؤدي الى أن تتعالى أيضاً أصوات من الداخل والخارج بأنّ الثنائي الشيعي يسعيان الى إعادة تكريس المعادلة الثلاثية: الجيش والشعب والمقاومة. وفي الخلاصة إنّ الحل الانسب هو إبقاء الماليّة من ضمن الحصة الشيعية، على ان تسند الى شخصية بحجم هذه الوزارة، لها باعها في المجال المالي والاقتصادي، ولها وزنها في موازاة التحديات المقبلة، والتي ليس أقلها المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية على اختلافها.
رابعاً، لقد أكدت المشاورات الجارية داخل الغرف المغلقة انّ توزيع الحقائب الوزارية، وخصوصاً الوزارات الاساسية والخدماتية، دونه تعقيدات تتطلب مشاورات مكثفة مع كل الاطراف لبلوغ نقطة الحسم والتفاهم حول هذا التوزيع. مع الاشارة الى انّ اطرافاً سياسية وجّهت، خلال التشاور معها، نصائح في اتجاه الرئيس المكلف، بضرورة مقاربة هذا التوزيع بموضوعية وبصورة تراعي حجم كلّ طرف، وليس ان يتمّ ذلك بصورة انتقائية تُظهر أنّ «طرفاً بسمنة وطرفاً بزيت».
خامساً، حتى الآن ما زال الالتباس يحيط مسألة المداورة التي يصرّ عليها الرئيس المكلّف. والسؤال الذي طرح خلال هذه المشاورات: مداورة على أي اساس، وبين مَن ومن، وأي وزارات ستشمل؟
ودُعِّم هذا السؤال بالآتي: إذا كان المقصود بهذه المداورة، مداورة كلية شاملة كل الوزارات، فهي تسقط اولاً عند الوزارات السيادية، كون الطرف الشيعي ما زال رافضاً حتى البحث بتخلّيه عن وزارة المالية.
واذا كان المقصود مداورة جزئية تشمل الوزارات الاساسية والخدماتية فقط، فإنّ السؤال هو: هل هي مداورة بين الطوائف؟ فإذا كان هذا هو القصد، فالمداورة هذه كانت حاصلة في هذا المجال، وجرى اعتمادها في كل الحكومات السابقة، حيث لم تكن وزارة مقيّدة لطائفة بعينها؛ فعلى سبيل المثال وزارة الاشغال تناوَب عليها دروز وشيعة وموارنة، والصحة تَناوب عليها شيعة ودروز، الإتصالات تناوب عليها موارنة وكاثوليك وسنة، العدل تناوب عليها كاثوليك وسنّة وموارنة، التربية تناوب عليها سنة ودروز وسنة، الصناعة تناوب عليها دروز وشيعة، الزراعة تناوب عليها دروز وشيعة، وزارة العمل تناوب عليها شيعة ودروز وارثوذكس وموارنة وسنة، والطاقة تناوب عليها موارنة وأرمن.
واذا كان القصد من المداورة المطلوبة، هو المداورة بين القوى السياسية، فإنّ هذه القوى كانت تتداور على تَولّي هذه الوزارات. ما خَلا وزارة الطاقة حصراً التي ارتبطت منذ سنوات بـ»التيار الوطني الحر» حيث توالى عليها جبران باسيل، ارثور نظريان، الان طابوريان، ندى البستاني وريمون غجر. ثم انّ طلب المداورة لا يصح مع التوجّه إلى حكومة اختصاصيين لا سياسيين. الّا اذا كانت حكومة الاختصاصيين المحكي عنها هي حكومة اختصاصيين في الشكل، وسياسية في المضمون. وانّ المداورة المطلوبة ما هي سوى عنوان مقنّع لانتزاع وزارة الطاقة من يد التيار، علماً انّ التيار بات على يقين انها ليست من حصّته، لا عبر شخصيات مباشرة من التيار، ولا عبر شخصيات يسمّيها. مع الاشارة هنا الى انّ التيار بات يفضل ألّا يكون معنيّاً بوزارة الطاقة بعدما جرى تفريغها من مضمونها ربطاً بمضمون المبادرة الفرنسية.
سادساً، انّ العقدة الاساس التي ما زالت تعترض مسار التأليف حتى الآن، وقد يؤدي عدم الوصول الى حلّها، الى الاطاحة بمهلة الاسبوعين المحددة لتشكيل الحكومة خلالها، هي: «من يسمّي الوزراء؟». فالرئيس المكلّف عَبّر صراحة أنه المعنيّ حصراً بتسمية الوزراء متسلحاً بما يعتبرها صلاحياته الدستورية التي تمنحه هذا الحق.
ولكن في المقابل، فإنّ القوى السياسية التي سمّته لرئاسة الحكومة لا تتفق معه في هذا الامر، كالثنائي الشيعي و»التيار الوطني الحر» وتيار «المردة». فهذه القوى اكدت انها تُجادل في تمسّك الرئيس المكلف بممارسة صلاحياته، ولكن ليس ان يمارس صلاحياته، ويصادر صلاحيات الآخرين وحقّهم في تسمية من يمثلهم في الحكومة، بأنْ يسمّي لهم ممثليهم في الحكومة، لأنه بذلك يخلق سابقة وعرفاً جديداً بأن يختار الرئيس المكلف الوزراء بمعزل عن القوى التمثيلية في طوائفهم.
ثابتتان، وما تؤكد عليه هذه القوى هو ثابتتان:
الاولى، هي انّ من حقّها وحدها أن تسمّي من يمثلها في الحكومة، ولا تقبل بغير ذلك، واذا كان ثمة من يعتبر انّ المبادرة الفرنسية تمنح الرئيس المكلف هذا الحق، فهذا امر خاطىء، فضلاً عن انّ الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون قال صراحة للأطراف السياسيين الذين التقاهم في قصر الصنوبر: إذهبوا وتفاهموا على حكومة، ولم يقل اذهبوا وشكّلوا حكومة واتركوا لغيركم أن يختار عنكم وزارءكم.
الثانية، هي أنّ اي طرف لا يستطيع ان يسمّي وحده وزارءه ووزراء كل الاطراف الاخرى، علماً انّ هذا الطرف، والمقصود هنا الرئيس المكلف، مسمّى أصلاً من قبل طرف سياسي، أي الرؤساء السابقون للحكومات، وتحديداً من قبل الرئيس سعد الحريري. وهؤلاء الرؤساء جميعهم مدركون بأنّ مصادرة التسمية لم يسبق ان حصلت في كل الحكومات السابقة، وباستحالة ان يسمّي الرئيس المكلف وزراء الاطراف المشاركة معه في حكومته. بل انّ الرئيس المكلف كان هو من يسمّي الوزراء السنّة من دون ان يتدخل احد معه، وأما سائر الأطراف فهي التي تسمّي وزراءها.
على انّ نقطة الاختلاف الجوهرية مع هذه القوى، هي انّ الرئيس المكلف مرتبط بالطرف الذي تبنّى طرحه لتكليفه في الاستشارات الملزمة، أي رئيس تيار المستقبل، وهو على تنسيق كامل ومتواصل معه. وبالتالي، فإنّ منحه حق التسمية، معناه منح هذا الحق الى الطرف السياسي المرتبط به، أي الى تيار المستقبل، بأن يتجاوز القوى التمثيلية كلّها في مجلس النواب، ويسمّي وحده كلّ الوزراء، وهذا ليس مقبولاً على الإطلاق لدى سائر الاطراف، علماً انّ الرئيس الحريري كان قد سبق له أن طرح بعد استقالة حكومته بعد انتفاضة 17 تشرين الاول 2019، تشكيل حكومة اختصاصيين يختار وزراءها، ويمنح صلاحيات استثنائية للحكم من دون تدخلات على ما قال، ضمن سلة الشروط التي وضعها آنذاك، ولم يمنح هذا الحق.
سابعاً، ثمة نصيحة أسديت خلال المشاورات لفريق التأليف بضرورة عدم إشعار أي طرف بأنه مستهدف. صحيح انّ كل الاطراف، ومن دون استثناء مأزومون، والمبادرة الفرنسية جعلت الكل محشورين بمواعيدها وخريطة الطريق التي رسمتها للخروج من الأزمة، إلّا أنّ ما يُخشى منه مع هذه «الحشرة الشاملة للجميع»، هو أن يحاول طرف ما الاستثمار على المبادرة الفرنسيّة ويحاول توظيفها بما يخدم مصلحته، والدخول من الاعتقاد بأنّ هذه المبادرة تضغط بثقلها على كل الاطراف وتحشرهم جميعهم في الزاوية، لكي يسعى الى تحقيق مكاسب سياسية او الى الإقدام على خطوات انتقامية من بعض الاطراف. فهذا الأمر نتيجته الحتمية الفشل، وسقوط الفرصة الاخيرة التي تشكلها المبادرة الفرنسية.