جمهورية بشير: عهد الكنيسة ووعد القوات

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1709         

أكثر من أي يوم مضى يبدو لبنان في حاجة اليوم إلى تجربة بشير الجميل وقيادة بشير الجميل وجمهورية بشير الجميل وإلى حضوره وشعاراته ووعوده وإلى الدولة التي كان يريدها ونادى بها على مساحة ال10452 كلم مربع. جمهورية بشير الجميل هي الجمهورية القوية التي تؤمّن الوحدة والرفاهية والإستمرار وهي الدولة التي تدفن المزرعة. أليس هو من قال إن الدولة لها ثمن والمزرعة لها ثمن ومن الأفضل أن ندفع ثمن الدولة من أن ندفع ثمن المزرعة؟

اليوم في عهد الرئيس ميشال عون تحول لبنان إلى مزرعة بالكامل. مزرعة بكل ما للكلمة من معنى. بدل أن يكون العهد بداية للتغيير والإصلاح للخلاص من تركة عهد الوصاية السورية الكاملة، أعاد لبنان إلى أسوأ مما كان عليه على عهد الوصاية الذي شرّع الفساد وأقام دولة الفاسدين والسرقة والنهب المنظم الذي أدى إلى هذا الإنهيار الكبير في كل المقاييس. إنهيار في الإقتصاد. إنهيار في السياسة. إنهيار في الإدارة. بدل أن يخرج العهد الجديد من ذلك العهد القديم وصل البلد إلى الإنفجار الكبير. إنفجار المرفأ وحريق العنبر رقم 12 هو صورة عن هذا الإنحدار الذي بلغته السلطة وآل إليه الوطن.

يقف لبنان اليوم بين خيارين: خيار الجمهورية التي أرادها بشير الجميل وحملت مشروعها القوات اللبنانية وخيار الجمهورية التي يريدها «حزب الله» وأمينه العام السيد حسن نصرالله. ما يحصل اليوم في لبنان هو صورة عن تلك الجمهورية التي يرعاها العهد ويشارك في حراستها والدفاع عنها ولو كان ثمنها إنتهاء لبنان الكيان الذي نعرفه ونحن في مئويته الأولى.

جمهورية بشير الجميل هي نقيض هذه الجمهورية. جمهورية بشير الجميل هي جمهورية سيدة حرة مستقلة. هي جمهورية لبنان القوي الذي يؤمّن من خلالها حياده ودوره وريادته. لبنان الذي كان في أول أيلول 1920 والذي لا بد من إستعادته اليوم. صحيح أن أسباب الإنهيار كثيرة وأنه يشكل خطرًا كبيرًا على الكيان والفكرة، ولكن يبقى أن هناك أيضًا أسبابًا كثيرة للقيامة والخلاص والإنقاذ. وهي مهمة لا يمكن أن تتلاشى وأن تموت بل يجب أن تبقى حية تحملها القوى التي لا يمكن إلا أن تظل تؤمن بأن لبنان لا يمكن أن يموت. ومن هذه الخلفية تأتي إنتفاضة بكركي والبطريرك مار بشارة بطرس الراعي في ندائه الذي وجهه من أجل تحرير الشرعية وإعلان حياد لبنان وتنفيذ القرارات الدولية المتعلقة به من القرار 1559 إلى القرار 1680 إلى القرار 1701 وهي كلها تدخل ضمن نطاق حرص العالم كله على لبنان وبقائه وتطالب بنزع سلاح «حزب الله» وترسيم حدود الدولة واستعادة سيادتها الكاملة على كامل أراضيها.

لم يكن مشروع بشير الجميل حزبيًا أو مصلحيًا أو شخصيًا. كان مشروعًا على قياس وطن وأكبر من القوات اللبنانية التي أسسها. وهو لا يزال يعتبر مشروع الدولة التي يجب أن تكون وينطلق من الأفكار المؤسسة لقيام دولة لبنان الكبير ومن أفكار الكنيسة التي أرادت أن يكون هذا الكيان. ولذلك نجد هذا المشروع في فكر هذه الكنيسة وقد عبّر عنه سابقاً البطريرك مار نصرالله بطرس صفير ويعبّر عنه اليوم البطريرك مار بشارة بطرس الراعي. هذا المشروع هو الذي عبّر عنه بشير في طرحه الأفكار المؤسسة للدولة التي لا شريك في قرارها والتي تجمع كل المكوّنات فيها متجاوزًا خطوط التماس التي رُسمت في الحرب مادًّا يده إلى كل اللبنانيين لكي نبني معًا لبنان الذي نريده جميعًا. في المقابل إلى ماذا يدعو السيد حسن نصرالله؟ إلى جمهورية يسودها الخوف والفقر والعوز والسلاح غير الشرعي والفرقة والحقد والدعوات إلى القتل وقطع الأعناق والخضوع لما يُسمّيه محور الممانعة وأمة ولاية الفقيه. كيف لا وهو الذي لم يتوان عن دعوة ما يُسمّيه جمهور المقاومة إلى عدم طمس الغضب والمحافظة عليه «لأننا قد نحتاجه لمنع جرّ لبنان إلى حرب أهلية» وكأنه يوجه تهديدًا مباشرًا إلى كل من لا يعتبره من هذا الجمهور.

في عظة الرثاء يوم جنازة الرئيس بشير الجميل قال البطريرك صفير وكان لا يزال مطراناً، مستوحيًا الآية من سفر رؤيا يوحنا (8/10): «سطع نجمًا كبيرًا في سماء لبنان لما علّق عليه من آمال زاهية، وهوى من عليائه شهيد طموحاته الكبيرة الى بناء وطن منيع الجانب، خفّاق الراية بين الرايات في سماء السيادة والكرامة والإستقلال» (وغابت وجوه، الجزء الأول، صفحة 344). هذا الوطن الذي أراده بشير الجميل هو الذي حمل رايته البطريرك صفير محددًا مواصفاته بأنه منيع الجانب وخفاق الراية بين الرايات في سماء السيادة والكرامة والإستقلال. وطن على صورة الأحلام الكبرى. في تلك العظة قال المطران صفير أيضا إنهم أرادوا إغتياله باغتياله «وهي أحلام باقية ولن تتبخر لأنها أحلام شعب يريد الحياة الكريمة، وينشد الوحدة والسيادة والسلام، وسيقيّض الله لأحلامه من يجسّدها وقائع ملموسة وحقائق راهنة تبقى على الدهر، ولن تقوى يد الإجرام مهما اشتدت قبضتها على تحطيمها وإبادتها (وغابت وجوه، الجزء الأول، صفحة 345). ما توقعه البطريرك صفير في تلك العظة سيبقى وعدًا يحمله من يجسد تلك الأحلام ويجعلها وقائع ملموسة لن تقوى عليها يد الإجرام. لم يكن بشير الجميل راهبًا أو مطراناً ولكنه كان إبن الكنيسة وهذه الكنيسة لم تكن أبدًا غريبة عنه بل ملتصقة بما آمن به وعمل من أجله. والوعد الذي أطلقه صفير في 14 أيلول 1982 سيبقى عهدًا ووعدًا وهو وعد وعهد أكبر من أن يكون محدودًا في القوات اللبنانية لأن القوات هي في النهاية والبداية ليست إلا بنت الكنيسة والمدافع الأول عن لبنان الذي عملت هذه الكنيسة له.

هذا اللبنان عبّر عنه بشير الجميل في أكثر من مناسبة. قبيل استشهاده بخمسة أيام أعلن في 9 أيلول 1982: «لدينا اليوم تطلعات وآمال جديدة تنطلق جميعها من «لبنان أولاً». فنحن ننظر الى المستقبل بكل أمل، لنحقق ما استشهد من أجله خمسة آلاف من شبابنا. كما استشهد لبنانيون آخرون، يعتقدون غير معتقداتنا ولهم وجهة نظر معينة الى لبنان. نحن نحترم كل شاب سقط في سبيل فكرة معينة عن لبنان، ولكن جميع الأفكار التي كانت تتصارع في وقت من الأوقات ستتوحّد اليوم وستندمج كلها، إذ أصبح عندنا لبنان واحد» (بشير الجميل، الرئاسيات، صفحة 175 ـ 176). وأضاف في خطابه الأخير في دير الصليب قبيل استشهاده بقليل: «إن لبنان الواحد هو لبنان الـ10452 كلم2 الذي علينا أن نربحه كله، لكي يكون لجميع أبنائه بكل طوائفهم ومعتقداتهم وشعائرهم» (المرجع نفسه، صفحة 187). وقبلها بيومين صارح وفودًا شعبية من منطقتي البسطة وعائشة بكار في بيروت أنه بسبب تدخل الغريب في شؤوننا الداخلية حصل ما حصل، وسقط مئة ألف قتيل بين مسلم ومسيحي، إضافة الى مصابي الحرب والمهجرين الى أي فئة أو منطقة انتموا. فليسامح الله الغرباء الذين فعلوا بنا ما فعلوا وليسامحنا نحن الذين أفسحنا المجال أمامهم ليحقق كل منهم مآربه على حساب مصلحتنا، فصار هناك لبناني ليبي، لبناني عراقي، لبناني سوري ولبناني مصري، ولبناني لا أعرف ماذا. آمل بعد اليوم في أن يعود اللبناني لبنانيًا، وأن نتناسى كل الأحقاد التي عانيناها، ونفتح صفحة جديدة في ما بيننا» (المرجع نفسه، صفحة 181). هذه الصفحة الجديدة التي دعا إليها بشير الجميل هي الوحيدة التي يمكن أن تعيد توحيد لبنان وهي الطريق إلى تجاوز خطابات العصبيات والدعوات إلى الحرب والإنتقام والقتل ونزع الصفة اللبنانية عن لبنان وإعطائه هوية ليست هويته وتقديمه ضحية.

في ضوء هذه الحقيقة المطلقة قرأ الرئيس الشهيد المنتخب شهادة الشباب والأطفال الذين ضحوا بكل شيء وضحوا بحياتهم ليستمر لبنان، وقال في خطاب ألقاه أمام المعوّقين في 29 آب 1982: «أحب أن أؤكد لكم أننا سنكون أوفياء لكل ما قمتم به من أجل لبنان. وأنا كرئيس جمهورية لبنان أود أن تكون هذه الكلمة موجهة الى كل لبناني مصاب في الحرب، والى جميع الشهداء اللبنانيين، وقد مات كل منهم في سبيل نظرة معينة الى لبنان، إلا أنهم جميعًا ماتوا من أجل لبنان. آمل في أن يتوحد لبنان من جديد. وسأبذل كل ما في استطاعتي لتوحيده. وسيتوحد الشعب والإنسان، وتتوحد الأرض. وإننا نطلب من الغرباء، الذين كانوا سبب محنتنا، أن يعودوا الى بلادهم، لنعود نحن كلبنانيين أوفياء لكل الشهادات التي قدمت ليبقى لبنان واحدًا سيدًا مستقلاً (بشير الجميل، الرئاسيات، صفحة 119). هكذا ترسم صورة الدولة الواحدة القوية وهذه ميزة الرئيس القوي الذي خاض الحرب دفاعًا عن لبنان ودخل إلى الرئاسة دفاعًا عن لبنان متخطيًا الحدود الداخلية، لا بل هادمًا لها عندما يحيي كل الشهداء الذي سقطوا في لبنان وإن كل واحد منهم سقط من أجل الفكرة التي آمن بها وكأنه يريد أن يوحد تلك الأفكار كلها ويختصرها لكي تكون كل الشهادات بعدها شهادة واحدة من أجل لبنان.

«في عيد إرتفاع الصليب، رُفع الرئيس المنتخب الشيخ بشير الجميل على صليب لبنان، بقرار سياسي تقاطعت فيه مصالح دول وأفراد وفئات خشيت على مصالحها الشخصية من قيامة لبنان الواحد». هذا ما قاله المطران بشارة الراعي في 14 أيلول 2003 الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد الرئيس بشير الجميل. وكان يمثل البطريرك صفير. لم يكن المطران الراعي بعيدًا عن رؤية البطريرك صفير لما كان يريد أن يفعله بشير الجميل ولنظرته إلى الدولة والوطن والمؤسسات. كأن بشير الجميل في لحظة تاريخية قد حمل على كتفيه وفي قلبه مشروع لبنان الكبير بكل تجلياته التي أرادتها له الكنيسة.

أضاف الراعي في عظته تلك عن بشير الجميل: «ألم يتعهد يوم انتخابه في 23 آب 1982: «وضع خط فاصل بين الماضي والحاضر وبدء مرحلة جديدة مع الجميع بتخطي الفئويات والحساسيات والإعتبارات قائلاً: «إن يدي في يد كل لبناني مخلص ويدي في يد كل عربي مخلص، ويدي في يد كل رجل دولة، وفي أيدي أصدقائنا في الخارج الذين يريدون مساعدتنا بإخلاص» (الرئاسيات، صفحة 97)؟ ألم يصرّح بجرأة وصدق أن «المشكلة ليست بين مسيحيين ومسلمين، بل حقيقة المشكلة هي وجود جيوش غريبة على أرض لبنان ينبغي إخراجها… لقد إرتكبنا عدة أخطاء في السابق، ولكن لنا الحق في أن نعيش كدولة حرة مستقلة، وآمل في ألا نعود الى تلك الأخطاء. يجب أن ننظر الى المستقبل، وعندما نصل كلبنانيين الى إتفاق وطني، سوف نجبر الغريب على أن يترك أرضنا» (المرجع نفسه، صفحة 103)؟ ألم يقل بصراحة للحزبيين: «علينا أن نخلق علاقات طبيعية ومتجانسة بين الدولة والحزب، وأن نعرف أين تبدأ حدود الحزب وحقوقه وأين تبدأ حدود الدولة وحقوقها، وعلينا ألا نخلط بين الحزب والدولة، ويجب ألا تهيمن الدولة على الحزب أو الحزب على الدولة، فالحزب له دور والدولة لها دور» (المرجع نفسه، صفحة 132)؟ ألم يصارح الميليشيات: «آمل في أن نكون معًا في المستقبل وأن أتمكن من النزول الى ثكناتكم: ثكنات القوات اللبنانية، وثكنات المرابطون، ثكنات «أمل»، وثكنات كل لبناني كانت له في وقت من أوقات هذه الحرب، لنشرح للجميع معنى هذه المسائل، وأنه إبتداء من اليوم يجب أن تكون عندنا دولة واحدة وجيش واحد وحكومة واحدة ومصدر قرار واحد، فالقول «لبنان واحد» يعني رأسًا واحدًا لا رأسين، وقرارًا واحدًا لا قرارين» (المرجع نفسه، صفحة 151)؟ ألم يشدد باسم الديمقراطية التي تميّز لبنان على قيام حكم ومعارضة، بحيث يجب أن تكون الديمقراطية كاملة، وأن تقوم الأحزاب بأدوارها كاملة، وأن يتحمّل كل واحد مسؤوليته، وأن يبت مجلس النواب هذه الأمور، وأن تتحمّل الحكومة مسؤوليتها، وأن يحافظ رئيس الجمهورية على الدستور المؤتمن عليه وعلى كل الممارسات الديمقراطية» (المرجع نفسه، صفحة 107).

أضاف الراعي: «نعم، كل الذين تمسكوا بخلاف ما دعا إليه الرئيس الشهيد هم الذين اغتالوه سواء بالفعل أو بالفكر، بالقرار أو بالتنفيذ، بالتنظيم الفعلي لعملية الإغتيال أو بالشوق. فاغتياله اغتيال لبنان الواحد الموحّد، لبنان السيادة والقرار الحر، إغتيال الديمقراطية والعيش معًا في حوار الأديان والثقافات. ولهذا السبب، عملية الإغتيال دائمة الى أيامنا بأبشع وسائلها التي أشار إليها النداء الرابع الذي أصدره مجلس المطارنة الموارنة برئاسة صاحب الغبطة والنيافة أبينا السيد البطريرك في 3 أيلول الجاري، وهي: فساد الإدارة والإهمال في شتى المجالات، والتدهور الاقتصادي والاجتماعي والمالي والسياسي والأمني والوطني، وتغليب المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية العامة، وتفكك الأحزاب وتسييس القضاء، وانتقاص السيادة بفرض وصاية والإستخفاف بالقيم الإنسانية والدينية والخلقية.

تمكن بشير الجميل من الفصل بين القوات اللبنانية والدولة. كان مدركاً أن القوات ضحت واستشهدت من أجل هذه الدولة ولكن ليس من أجل أن تكون هذه الدولة لها وحدها. عندما نفذت المهمة لم يتوان عن أن يعطي ما للقوات للقوات وما للدولة للدولة. الدولة كانت هي الفكرة والأساس والهدف والقوات كانت الوسيلة التي حمت هذه الدولة. المطلوب اليوم قبل أي شيء آخر أن يتم الفصل بين الحزب والدولة. تحديدًا بين «حزب الله» والدولة وبين حزب رئيس الجمهورية والدولة. ما فعله العهد منذ وصول العماد عون إلى قصر بعبدا يتناقض كليا مع ما كان يريده بشير الجميل ويسعى إليه وهو الأمر الذي ظلت الكنيسة في بكركي تعتبر أنه هدفها أيضا. ولذلك عندما طفح الكيل وبات الإنهيار يهدد أسس الكيان بكامله من خلال طغيان «الحزب» على الدولة رفع البطريرك الراعي الصوت عاليًا وسمّى الأشياء بأسمائها وحدد نقاط العلل ورسم الطريق نحو الخروج من الأزمة واستعادة الجمهورية القوية التي استشهد من أجلها بشير الجميل وأرادها أن تكون واحدة موحّدة لكل الذين قاتلوا معه وقاتل ضدهم لأن هذا القتال لم يكن إلا من أجل لبنان. ولذلك سيبقى هذا القتال مستمرًا من أجل هذا اللبنان.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل