ستة عشر رجلاً لتنفيذ إنقلاب

 

ألان مينارغ – من كتاب “أسرار حرب لبنان”  – “المسيرة” – العدد 1709

السبت في 27 أيلول 1980. ما إن يجتاز المرء بوابة باحة «دير سيدة البير» الواقع على مرتفعات الذوق (بقنايا)، حتى تجتاحه هبّات رائحة أشجار الصنوبر وصرير الجُدْجُد عبر نافذة السيارة المفتوحة. كانت الساعة لم تتجاوز الثامنة والنصف صباحًا، والطقس حارًا ورطبًا، منذ الصباح الباكر: 31 درجة مئوية، بالرغم من الجو الغائم. كان بشير وراء مقود سيارته «الهوندا» الرمادية اللون، يقودها مسرعا على ممر الباحة، ويجلس بقربه حارسه الخاص. كان قد دعا أنصاره الى إجتماع سرّي لتحديد الاستراتيجية الواجب اتباعها بعدما «توحدت الميليشيات المسيحية» قبيل شهرين.

«في اليوم الخامس من الحرب الإيرانية ـ العراقية، دارت معارك عنيفة على طول شط العرب. وكان القصف المكثف قد طاول مدينتي عبدان وخورمشهر الإيرانيتين…» وكان راديو السيارة قد انطفأ بمجرد أن قطع بشير التيار بالمفتاح. صعد الدرجات المعدودة التي تودي الى مدخل المبنى الأبيض المشاد بالباطون. في القاعة الكبرى للطابق الأرضي، كان خمسة عشر رجلا في انتظاره. وكان قد اختار دير راهبات الصليب في سيدة البير المشرفة على جل الديب، لأسباب سرّية واضحة. ولكن أيضًا لأن شقيقته أرزة كانت راهبة في هذا الدير. تقول أسطورة العائلة إنها نذرت نفسها للرهبنة في عام 1970 أمام سرير والدها بيار الجميل في المستشفى، إذ شفي من الإصابة البليغة التي تسببت له بها شاحنة في إحدى الورش. ولم تلق هذه الأسطورة يومًا، ما يؤكدها.

وبشكل طبيعي، جلس بشير على مقعد الشرف في صدارة الطاولات التي وزّعت على شكل «U»، عيّن الكرسي الى يمينه، وطلب باحترام من عميد السن شارل مالك أن يرأس الجلسة. ومالك، الأرثوذكسي من منطقة الكورة في لبنان الشمالي، المشهورة بزيتونها، خرّيج كلية الفلسفة في جامعة هارفارد، وتبوأ عدة مرات في لبنان منصب وزير، خصوصًا في الشؤون الخارجية. وقد ساهم في إعداد ميثاق الأمم المتحدة الذي وقّعه هو نفسه، نيابة عن بلده، على كل حال، عام 1945. ورأس شارل مالك بعد ذلك الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة، وكان، بهامته المهيبة ووجهه الممدد بأنف بارز، يرتدي دائمًا زيًا مفصلاً على الطريقة الأميركية القديمة. وكان، بسنواته التي ناهزت السبعين وبصوته الجهوري، ومازجًا في كل أحاديثه العربية بالإنكليزية، بمثابة الضمير ومرجع الزعيم المسيحي الشاب في الشؤون الدولية.

إجتمعت حول بشير، لجنة الدراسات الاستراتيجية التي أنشأها على هامش الميليشيا المسيحية التي يقودها، وعلى هامش حزب الكتائب الذي أسسه والده. فضمّت اللجنة مجموعة من الخبراء الخلّص، متنوّعي الإختصاصات، يُستشارون حسب كفاءتهم واحتياجات الساعة. ومارس البعض منهم وظائف رسمية متسترين بأسماء مستعارة. تلك كانت حالتي أنور وميشال سان أندريه.

وأنور، إسم زاهي بستاني، المفوّض في الأمن العام اللبناني. كلّف في عام 1975، بمتابعة ملف بشير بعد أن اندهش أولاً بأطروحاته ثم افتتن بها، فانتهى الأمر بالإلتحاق به سريًا، ومنذ ذلك الحين ربطته صداقة دائمة به، وقد قدم زاهي سريًا المشورة التقنية لبشير، أثناء بناء جهازي أمن الميليشيا واستخباراتها. كان أنور، إبن دير القمر، البلدة المسيحية الواقعة في الشوف الدرزي، متعذرًا إختراقه ويتمتع بميل مفرط لمفهوم الـ»سرية». وقد رفض الإنتماء الى الكتائب رفضًا قاطعًا، كما رفض أن تؤخذ له صور على حد سواء. ونادرًا ما ظهر في الإجتماعات العلنية. وقد حمى المعلومات التي بحوزته، حتى البسيطة منها، حمايته لأسرار الدولة. لقد مثّل زاهي صورة نقية للدماغ المفكر.

تخفّى سليم الجاهل، رئيس محكمة التمييز في بيروت، خلف إسم ميشال سان أندريه المستعار. وهو أيضًا من دير القمر، ينتمي الى طائفة الروم الكاثوليك. كان ميشال سان أندريه، الخمسيني، والأصلع، والخفيض الصوت، والسريع الكلام وكثيره، فرانكوفونيًا، محبذاً ونصيرًا للثقافة الفرنسية ومؤمناً بها. ينتفض إذا ما تحدث أحد أمامه بالإنكليزية، ويطلب فورًا ترجمة لقوله وبنوع من الإلحاح. في عام 1976، عندما كان أستاذ القانون في جامعة القديس يوسف للآباء اليسوعيين، قُتل إثنان من تلامذته المسيحيين في معركة بوسط المدينة. قرر عندئذ الإنضمام شخصيًا الى الكتائب فاتصل ببشير هاتفيًا. لكنه طرح شرطاً وحيدًا هو المحافظة على سرية إسمه. واختار إسمًا مستعارًا مركبًا من إسميّ ولديه ميشال وأندريه موصولين بعبارة «سان» حتى يتوافق الإسم مع أسماء «ثوار 1792»، فانخرط ضمن فريق المستشارين وكانت المفاجأة أن التقى فيها إبن عمه بالمصاهرة، زاهي بستاني.

طلب بشير من لجنة الدراسات الاستراتيجية، التفكير في إمكانية تطوير عمله السياسي. فعُقد أول إجتماع سري في 6 آب 1980، في إحدى شقق مجمع «هوليداي بيتش» السياحي، عند مصب نهر الكلب، شمالي بيروت. كانت النقاشات، يومها، قد أوضحت بصورة جلية إستحالة القيام بأي عمل خارج الحدود المفروضة في صيغة 43، وهي صيغة شددت على «المساومات والصفقات» التي كرّستها ممارسات السلطة السياسية، فكانت النتيجة في نظر اللجنة أن أنكرت حتى فكرة المواطنة، بما أن المواطن مضطر لتأكيد وجوده من خلال هويته الدينية، واستنتجت من ذلك أن هناك حلاً واحدًا فقط لا غير، ألا وهو الثورة من أجل تغيير الأنظمة والقواعد المعمول بها، يومها، قرر بشير «الإنتقال» للإستيلاء» على الدولة»، وفي أقصى حد، في عام 1982، عام الانتخابات الرئاسية المقبلة. إلا أن ما بقي مجهولاً، هو معرفة كيفية حصول ذلك، لذا كلّف بشير إثنين من أعضاء لجنة الدراسات الاستراتيجية، نبتون، أستاذ في الفلسفة، وجبرايل، عسكري محترف، أن يدرسا في جو من السرية الفائقة جميع إمكانيات الوصول الى السلطة. فطيلة خمسين يومًا، أمضى الرجلان فترات بعد الظهر وأمسياتهما، في عزلة بين جدران مكتب نبتون. وتوصلا بجهد متواصل ومعزز بالقهوة والسجائر الى وضع الخطوط العريضة، ثم التفاصيل، للتقرير الذي حمل عنوان «دراسة لقيام بشير بالإستيلاء على السلطة».

كان نبتون – إسمه الحقيقي أنطوان نجم – من الأعضاء الأوائل في حزب الكتائب. وكان مسؤولاً عن الإيديولوجيا فيه، وهو الذي صاغ عقيدته، وهو من أبناء طرابلس، في لبنان الشمالي. عاش فترة شبابه مثل أي ماروني ضمن محيط سنّي غالب، وقد انطبعت طفولته «بعقدة الإسلام»، وكأنها اكتوت بالحديد الحامي، فكان نصيرًا شرسًا لنظرية «كل في بيته»، وهو صاحب شعار «لن نكون ذمّيين». وهو الذي أوحى على كل حال بشخصية المسيحي الذي يعيش في جو يخشى فيه بصورة دائمة «محمود» و «محمد» اللذين يحيطان به من كل الجهات، والتي وصفها زياد الرحباني، إبن المطربة فيروز، في مسرحيته «فيلم أميركي طويل». في عام 1975، ترك أنطوان نجم الحزب صافقاً الباب وراءه. فقد لام بيار الجميل الأب، والد بشير، ليس لأنه «ديكتاتور» فحسب، إنما أيضًا لأنه بالغ في تعلقه بالتعايش مع المسلمين، وهو تعايش منصوص عنه في ميثاق 1943. كان أنطوان نجم يفضل للبنان نظامًا فدراليًا يفصل تماما بين المسلمين والمسيحيين. لذا التحق ببشير لتأسيس تيار ثوري يناضل من أجل التقارب مع الدولة العبرية التي كان يرى، في ما اعتمدته من منهج مثالاً يحتذى. ولقبه بشير بـ «نبتون» لأنه سقط في البحر أثناء أحد اللقاءات السرية على متن زورق إسرائيلي كان راسيًا في عرض البحر قبالة جونيه، ذات ليلة من ليالي شهر آذار 1977.

أما جبرايل الشريك الآخر في إعداد التقرير، فكان الليوتنان كولونيل ميشال عون. كان بشير مذهولاً بفعالية المقاومة التي أبدتها الوحدة التي قادها ميشال عون أثناء معركة خاضها ضد الفلسطينيين في خلدة عام 1973. كما واستقبله بكل ترحاب بعيد سنتين عندما اتصل به عون لحظة إنفجار الجيش. كان الضابط سريًا جدًا في علاقاته ببشير. وأنطوان نجم هو صلة الوصل بينهما، إذ إن جبرايل قد وثّق معه صداقة متينة بالرغم من اختلافهما العميق حول نقطة إنشاء كيان مسيحي، فكلاهما العضوان الأولان في لجنة الدراسات الاستراتيجية.

في 27 أيلول 1980، إجتمع الستة عشر رجلا لمناقشة تقريرهما المكتوب باليد بنسخة واحدة، تلافيا لأي تسريب.

فبالرغم من أنهم ينتمون الى أجيال مختلفة جدًا، إلا أنهم يعرفون بعضهم بعضًا، ويلتقون على صداقتهم مع بشير الجميل. وكان هناك على جانب من الطاولة سبعة «ذئاب شابة» رافقت الـ»باش» عن كثب، منذ 1975. لقد مثّل هؤلاء دائرته العسكرية الأولى. وجميعهم ممن خاضوا قتال الأزقة في الوسط التجاري للمدينة أو على جبهات الجيب المسيحي، ثم تقلدوا شيئاً فشيئاً المسؤوليات في تنظيم الميليشيا. تولى فادي افرام (هورس) منصب نائب رئيس الأركان، وكان معاون الباش، ورافق فؤاد أبو ناضر، رئيس المكتب الثالث (العمليات)، أسعد سعيد (هابّي) وإيلي الزايك، وتولى إيلي حبيقة (إتش كا HK) قيادة جهاز المخابرات، وتولى سمير جعجع (الحكيم) قيادة الجبهة الشمالية، وتولى بطرس خوند رئاسة المراكز الإقليمية الثابتة لمجس الأمن الكتائبي.

أما على الجانب الآخر من الطاولة، فجلس «الشيوخ»: جوزف أبو خليل الذي كان يناديه بشير، بعطف، بلقب «عمّو»، نظرًا لصداقته الوثيقة بآل الجميل. وهو رجل وضع فيه بيار الجميل الأب كل الثقة. وقد ضمّه بشير الى الفريق ليطمئن والده. فمثّل «عمّو» «ضمانة الوفاء» لحزب الكتائب. ولكن، سرعان ما تحول إعجاب أبي خليل بالأب نحو الابن، فأصبح بالتالي من أكثر أنصار الزعيم الشاب تطرفاً. وجلس بجانب أبي خليل، جان ناضر (جينو)، رجل في العقد الخامس، ذو شعر أبيض فضي اللون، مدخن كبير، ترتسم على شفته العليا حركة عصبية. وكان جان ناضر بصفته مسؤولاً عن مركز كتائب الأشرفية، هو الذي سجل إنضمام بشير الى الحزب وتابعه في خطواته الأولى في السياسة. وكان يحب الباش الى حد العبادة، ويعتبره بمثابة الإبن الذي لم يرزق هو بواحد مثله. وقد تدخّل جان ناضر مرارًا لتهدئة روع الأب أو الحزب ضد محميّه. وآخر شخص من الجالسين في الإجتماع، هو جورج فريحة الذي اشتهر بشدة ارتعابه من القصف. أستاذ في علم الأحياء الإستوائية في الجامعة الأميركية في بيروت، متزوج من إبنة عمة بشير، ومستشاره الموثوق في الشؤون الإجتماعية. وهو الذي أنشأ على كل حال اللجان الشعبية والتعاونيات والميليشيا، فضلاً عن أنه كان يديرها.

بدأ أنطوان نجم بقراءة التقرير، وبعد استعراضه للحالة السياسية والعسكرية اللبنانية، راح يفصّل الخيارين الممكنين للإستيلاء على السلطة: فإما تدبير إنقلاب باستخدام القوة، وإما الإنصياع للعبة الدستورية للوصول الى الرئاسة الأولى. وعلى الفور، وضعت المجموعة خيار الإنقلاب كخيار إحتياطي، إذ رأت فيه مغامرة في المجهول. كان ضروريًا أن يجري التأكد من الحصول على دعم إسرائيل، ولكن الدولة العبرية قد تطلب وعدًا بتوقيع إتفاق سلام، بما في ذلك الإعتراف بها، وكذلك توقيع معاهدة دفاع مشترك، وقد يستلزم هذا الشرط حتمًا، إنشاء دولة مسيحية مطوّقة من العالم الإسلامي.

فيكون الإنقلاب عندئذ مجازفة تؤدي الى تقسيم لبنان. مع ذلك لم يكن مصير هذا الخيار سوى بقائه كخيار إحتياطي نهائي يُلجأ إليه في حال…

بقي إذاً الحل الدستوري. فاستنادا الى هذه الفرضية رسم المشروع خطتين، إما مع دعم رئيس الجمهورية الممارس وإما بدونه. لقد نوقشت هذه النقطة، التاسعة، في تقرير نجم – عون، والتي حملت عنوان «الإستيلاء على السلطة بالتعاون والتحالف مع الرئيس الياس سركيس»، مناقشة طويلة. ولوحظ أن ثمة تقاربًا في الأفكار حصل سابقا، منذ بضعة شهور، بين بشير الجميل والياس سركيس. إذ كان الرجلان قد رفضا، بالشدة نفسها، الحديث عن توطين الفلسطينيين النهائي في لبنان، كما وأنهما اتفقا على «عدم الجدوى وغياب الجدية» في تعاطي الدول العربية في شأن إيجاد حل للمشكلة اللبنانية. ومع ذلك، فقد كان ثمة إختلاف بين الرجلين في التحليل لا يُستهان به. أهمه، إختلافهما حول الميثاق الوطني لسنة 43. فالياس سركيس، الاقتصادي والحاكم السابق للبنك المركزي، من المحبذين للحل الوسط وللتعايش بين الطوائف. أما بشير فكان يرى أن لبنان لا يمكن أن يعيش إلا بغلبة مسيحية، وفي حال تعذر ذلك، كان يطالب بكانتون مسيحي في إطار فدرالي أو كونفدرالي.

قال بشير مبتسمًا: «سيتصرف الرئيس سركيس تبعًا لما درج كل الرؤساء عليه في تصرفهم في الأشهر الستة الأخيرة من ولايتهم». ودائمًا ما ردد أن الرؤساء الموارنة، يعتمدون بصورة منهجية في السنوات الست الأولى من رئاستهم سياسة موالية للمسلمين ولا يتورعون عن إتخاذ مواقف «مناهضة للمسيحيين» إسترضاء للمعسكر المقابل»، بينما تنطبع الأشهر الستة الأخيرة بمواقف «مغالية في انحيازها للمسيحيين»، لأنهم سيعودون فيما بعد الى صفوفهم. لم يحترم الياس سركيس تقويم أسلافه من الرؤساء، فقد قام بالإتصال ببشير قبيل سنتين من الانتخابات، فوافق الرجال الستة عشر على ضرورة أن يستفيدوا من حسن إستعدادات رئيس الجمهورية لتحريك ما قد يكون في صالحهم تحريكه من «أحجار». فاقترح أحدهم بذل المساعي من أجل تعيين ضباط موالين لبشير في المراكز الرئيسية في الجيش. ووافق الحضور على الإقتراح:

-أن الإستيلاء على السلطة السياسية لا يقتصر على تولي الرئاسة، إنما ينبغي التحكم التدريجي بإدارات الدولة أيضًا، هذا ما لفت إليه جوزف أبو خليل، فلا أرى بديلاً إذاً عن التعاون مع الدروز والشيعة، أقله في المرحلة الأولى، ويستحيل الإستيلاء على السلطة من دون قلب التوازن القائم، لا بد من إنشاء فريق يتولى هذه المهمة.

-ورد جورج فريحة بشيء من الحدة قائلاً: لماذا استُبعدت إمكانية الإستعانة بالإسرائيليين؟

-لا أستبعد ذلك، إنما هي وسيلة من بين وسائل أخرى.

رفع إيلي حبيقة رأسه ليحيد نظراته للمرة الأولى عن الورقة التي كان يرسم عليها أشكالا هندسية، وقال: إذا استولينا على السلطة، لا مفر من الحرب. سينضم الدروز والشيعة الى كل من سيأتي الى سدة الرئاسة. ينبغي أن تكون سنة 1982 سنة حاسمة. لدينا سنتان لتجهيز أنفسنا. علينا أن نضعف سائر الأفرقاء الآخرين. يجب مناقشة تحرير البلاد عسكريًا وترقب قيام تحالفات داخلية وخارجية.

إستغل بشير الفرصة المؤاتية فقال: بالضبط، هل المطلوب تحرير البلد من الإحتلالين السوري والفلسطيني، ثم الإستيلاء على السلطة، أم الإستيلاء على السلطة أولاً ومن ثم تحرير البلد؟

ولفت ميشال عون قائلاً: ستبقى السلطة الشرعية معزولة ومحاصرة كما هي عليه الآن، حتى لو كانت بيد بشير. وليس سركيس اليوم سوى سلطة شكلية بحتة، ولم يتم تحرير البلد إلا إذا انقلب ميزان القوى على الأرض. فطالما أن هذا التوازن مستديم، لن تتمكن أي حكومة من تحرير البلد لأنها ستكون محايدة ومشلولة.

وافق بشير بإيماءة من الرأس، غير أن ثمة حاجة لمساعدة أجنبية حتى يصبح ذلك ممكناً. هذا ما كان يراه الجميع وبدت الظروف الدولية مؤاتية لذلك.

ذلك أن ملامح وضع جديد بدأت تلوح في الأفق داخل الولايات المتحدة الأميركية. كانت إستطلاعات الرأي فيها، التي سبقت الإنتخابات الرئاسية، أشارت الى تقدم رونالد ريغان على منافسه الديمقراطي جيمي كارتر. إذا فاز الجمهوريون، كما كانت تشير إليه كل الدلائل، ستبعد ظاهرة التبديل الإداري في كانون الثاني كل الرؤوس السياسية في الإدارة الاميركية، ثم إن بشير وأعضاء فريقه كانوا مقتنعين بأن قضية إحتجاز الرهائن الـ52 في السفارة الأميركية في طهران ستثير الإرتياب لدى الإدارة الجديدة، من كل ما هو إسلامي على أقل، وسوف يجد المسيحيون اللبنانيون عندئذ أصدقاء لهم في أوساطها. ولا يتطلب الأمر سوى شيء من الصبر، إذ سبق لفوز اليمين الإسرائيلي بزعامة مناحيم بيغن قبيل بضعة شهور أن انعكس إيجابيًا على نوعية الإتصالات التي أجرتها الميليشيا المسيحية مع الموساد. الى ذلك، ثمة عامل دولي آخر جذب الإنتباه، ألا وهو النزاع العراقي ـ الإيراني الذي أشعل منذ بداية الأسبوع منطقة شط العرب بأسرها. وكانت تلك هي المرة الأولى التي تقحم فيها الدولة العبرية في حرب، منذ عام 1948، لا بل إن المواجهة الإسرائيلية ـ العربية كانت تسير في اتجاه لا تعود تشكل فيه سوى إنهماك ثانوي بالنسبة للدول العربية. فضلاً عن ذلك، لئن كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي يتدخلان أثناء المعارك الإسرائيلية ـ العربية في ساعات المعركة الأولى ليؤازر كل منهما خليفه، فالحاصل هنا أن العراقيين والإيرانيين كانوا متروكين وحيدين يواجه واحدهما الآخر. ولم يكن أي منهما يلقى رعاية رسمية من قوة عظمى. فقد تلقى العراق دعمًا عسكريًا خارجيًا كافيًا كي لا يخسر، إنما غير متناسب مع مستلزمات الربح، طيلة خمسة أيام، دوّى صوت المدفع ولم يحرك أحد ساكناً. ولا شيء كان ينبئ بحدوث العكس.

لقد قرر المجتمعون الستة عشر سلسلة من الإجراءات الفورية تهدف الى إرساء أسس خطتهم للإستيلاء على السلطة. ومن أجل حرية حركتهم، قرروا بادئ ذي بدء أن يمارسوا ضغوطا على الأشخاص المسؤولين في الدولة لإقناعهم بالإمتناع عن وضع العصي في الدواليب طيلة الفترة التي ستسبق الإنتخابات، وخططوا لشلّ الجيش، في حال الضرورة، معتمدين على إخلاص الضباط الموالين لهم، وعلى تحييد أولئك الذين قد يسببون العراقيل، وذلك بتهديدهم مباشرة إن اقتضى الأمر. لذا توجب عليهم تمهيد الأجواء. ولدى خروجهم من خلوتهم علموا أن إنفجارًا وقع في إحدى الحافلات، في حي الدورة المكتظّ وأودى بحياة مصري وفتاة في الحادية عشرة من عمرها. خبئت العبوة في محفظة نسائية وضعت تحت أحد مقاعد الحافلة.

هرع بشير على الفور الى مقر صوت لبنان، إذاعة حزب الكتائب، وهدد عبر المذياع: «على الفلسطيني أن يعرف أنه سيحمّل المسؤولية عن حياة كل لبناني يُقتل بسبب جرائمه، وسوف يأتي يوم يحاسب فيه عن كل ما ارتكبه بحق كل لبناني مسالم».

في شهر آب 1980، نفذت على كل الأراضي اللبنانية 49 عملية تفجير كلفت حياة أكثر من 100 شخص. كان شهرا أقل دموية بما لا يقاس مع شهر تموز الذي أحصت فيه قوى الأمن 363 قتيلا و 64 إنفجارا. كان بشير يجهل أنه سيقتل بُعيد 717 يومًا.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل