لقائي الأول ببشير

بربارة نيومان –  من كتاب “حب وموت في بيروت” – “المسيرة” – العدد 1709

من حسن الحظ أن العمل الذي أقوم به كان يتلاءم بشكل دقيق مع مزاجي. فعملي كمحققة صحافية ومخرجة تلفزيونية كان يمنحني صداقات عابرة، وهذا أفضل نوع من العلاقات بالنسبة لي. وعند ابتدائي بقصة ما أرتبط بها وبمجموعة من الأشخاص لأسابيع أو حتى لشهور. وعندما أنتهي من كتابتها أرحل تاركة خلفي كل شيء كأن شيئاً لم يكن.

وبعد كل قصة مرهقة أستريح لفترة أقضيها مع إبنتي «بيني». ثم أغوص من جديد في المشروع الذي يلي.

لقد ربّاني أبي على هذه الطريقة، علّمني بأن العمل هو السعادة بعينها، وجعلني أستوعب هذه اللازمة: أي شيء يدخل بيني وبين عملي سيئ، وخصوصًا الحب. ترعرعت في ريفير دايل في نيويورك في ظروف مريحة. كان والدي لاجئاً يهوديًا، من سلالة مفكرين من Vilna. ودخل كلية الحقوق ليصبح محاميًا لامعًا في نيويورك. أما أمي فهي تنحدر من سلالة روسية أكثر بساطة. كان والدي رجلاً معطاء ومحبًا لنا، لكنه كان يعطي كل وقته تقريبًا وطاقته وانتباهه لعمله، لذلك لم يكن لديه سوى القليل من الوقت يوفره لي ولأختي.

وعندما نأخذ إجازتنا كنا نمضي بعض الوقت معًا، إذ كان يحب أن يمتعنا بالروايات التاريخية، وخصوصًا تلك التي تتكلم عن الشجاعة. والقصة المفضلة لدي كانت ليونيداس وثرموبيلي التي تروي قصة الملك الإسبرطي الذي تحدى القبائل الفارسية من أيام أحشويرش مختارًا الموت بشرف على حياة العبودية.

ليس فقط أنني كبرت ولديّ تصميم على أن أُظهر شجاعتي لوالدي وللعالم، ولكن كنت مبرمجة أيضًا للتجاوب مع تلك الخاصية في الرجال. وأظن أن والدي، بطريقة ما، أعدّني لبشير الجميل.

عاد بيار يزبك في الصباح التالي ليأخذني الى بشير، ولم أنم بما فيه الكفاية منذ ذلك الفصل مع تولين. كنت مصابة بصداع فظيع حتى أنني رديت بفظاظة على تحية يزبك المرحة.

كان يوم أحد مشرقاً، الرؤية فيه حسنة، ولا أثر نهائيًا لجلبة حركة المرور. سرنا في شوارع ضيقة مهجورة، بدت عمارة آل الجميل من بعيد عادية، ولكن عندما اقتربنا أكثر رأيت أنها أشبه بحصن، فعشرات الجنود المسلحين يحملون البنادق على أكتافهم والرشاشات بأيديهم. يقفون على أهبّة الإستعداد خلف أكوام من أكياس الرمل يبلغ علوها ثمانية أقدام. جعلنا الجنود ننتظر في الخارج ونحن نرتعش من البرد، بينما أخذ ضابط يدقق النظر في بطاقتي الشخصية ووجهي. أخيرًا، أومأ برأسه الى يزبك وسمح لنا بالدخول. كانت العمارة من الداخل مظلمة وقذرة، وكان هناك رواق صغير يقود الى مصعد عتيق له باب حديدي. وصعدنا الى الطابق الأعلى.

فتحت لنا الباب إمرأة جميلة، عمرها يناهز الثلاثين. قدمني بيار الى زوجة بشير، صولانج الجميل. «تفضلي الى الداخل باربرا»، قالت لي بانكليزية مرحة. «أرجوك إجلسي سأنادي بشير على الفور».

وما إن خرجت حتى تمعّنت في أرجاء الغرفة. في أحد طرفي غرفة الجلوس كان هناك خزانة للكتب، في الطرف الآخر شرفة تكسوها الثغرات والفتحات التي تسبب بها الرصاص. كان الحائط مليئاً بلوحات غير مميّزة، والأثاث كان بسيطاً وعصريًا. والشيء الوحيد الذي كان يمتاز بالفخامة هو طبق موضوع على طاولة الصالون مليء بعلب السجائر الأميركية.

ورغم أن الشقة كانت مريحة ولطيفة بما يكفي، إلا أنها لم تكن قريبة ولو الى حد بعيد من الصورة التي رسمتها في مخيلتي عن بيت شيخ عربي. وكما سأعلم في ما بعد، فإن مسكن بشير الجميل كان متواضعًا، وهذا إثبات يدل على مزاجه السياسي. كنت أدقق النظر في رسم فوتوغرافي محاط بإطار فضي لفتاة صغيرة ذات عينين ضحوكتين ونظرة متهوّرة، وعندما فُتح الباب من خلفي إستدرت لأرى من الآتي.

فإذا ببشير الجميل يمشي في الغرفة، حافي القدمين، يتساقط الماء منه، ويرتدي ثوب الحمام. مشى نحوي بخطى واسعة قائلاً: «آسف لأنني جعلتك تنتظرين». وهو ينظر مباشرة في عينيّ «لم أنم طوال الليل».

«بشير»، تمتم يزبك وبدا مغتاظاً بعض الشيء.

لقد سبق لي وأن رأيت صورًا كثيرة، ولكن ما من واحدة قد هيأتني لما أراه الآن. لقد كان بشير الجميل، بكل بساطة، رجلاً وسيمًا، متوسط الطول، وشعره أسود فاحم. وكان يشكل فمه خطاً ثابتاً ومتوازيًا. وكانت عيناه مهيمنتين على وجهه، ولافتتين للنظر ودافئتين وضحوكتين، فيهما لمحة تحد. أحسست بالإلفة وأنا أنظر إليهما. لم تكن عيناه غريبتين عني. كنت أعلم أن بشير يبلغ من العمر إثنين وثلاثين سنة، وأنه يصغرني بأربع سنوات، ولكنه كان يبدو أصغر من ذلك.

صافحته وتمتمت ببضع كلمات لم أعد أذكر ما هي. وأخذ بشير بيدي وقادني الى الأريكة. أوحت لمسته بشيء من الحياء، ولكن في الوقت نفسه، كان سلوكه سلوك الواثق من نفسه الى حد بعيد.

رحت أفكر وأنا أجفف يدي خلسة بواسطة ثوبي أنه لا يمكن أن يكون هذا الرجل سيئاً كما يُقال عنه. وحاولت أن أتخيّل سياسيًا أميركيًا قد ظهر في مقابلة وهو يقف عاريًا والماء يتساقط منه، جيمي كارتر مثلاً، رونالد ريغان، ليندون جونسون، الآن على الأقل كان هذا محتملاً.

«سأعود حالاً»، قال الجميل. ورجع بعد لحظات. ثم قدّمت لنا الخادمة القهوة وانسحبت. جلس الجميل على مقعد كبير وبدأ يحدثني وكأننا نعرف بعضنا منذ سنوات، لم تكن هناك أية حواجز أو حدود بيننا. وفي حديثه لم يكن بشير عدوانيًا بل صريحًا وواضحًا.

• «ماذا تريدين أن تفعلي هنا» سألني.

– «أريد إكتشاف ما يحصل هنا مع منظمة التحرير الفلسطينية، أريد إثبات الإتصالات هذا إذا كان هناك أية إتصالات، بين منظمة التحرير والمجموعات الإرهابية الأخرى، وأريد أن أعرف أيضًا عنك من أنت؟ وماذا تمثل؟».

أومأ الجميل برأسه وقال بخفة: «لقد فعلت عين الصواب بمجيئك الى هنا. إننا نحارب منظمة التحرير منذ 12 سنة. ونحن على علم بهم أكثر من غيرنا، حتى أكثر من الإسرائيليين. إن المنظمة لا تأبه بمن تدمر لكي تحقق هدفها. جاء الفلسطينيون الى هنا وأسسوا دولتهم على أرضنا، بل يُقسمون أنهم لن يغادروا لبنان إلا زحفاً نحو القدس».

«نحن نعلم» قال لي، وكان واضحا أنه يقصد كلينا، «أن هذا لن يحصل أبدًا». إننا لا نحارب منظمة التحرير والسوريين فحسب، بل أيضًا الجيش الأحمر الياباني، وبادر ماينهوف، ومنظمة «الأولوية الحمر» الإيطالية. وهؤلاء كلهم تدرّبوا في مخيمات منظمة التحرير في لبنان. وفي كل مرة تحصل أعمال وحشية ويكتشف الغرب قائدًا إرهابيًا جديدًا، نضحك ونقول كنا نعرفه».

– «متى بدأ القتال؟» سألت.

• «بدأ «السحق» منذ إثتني عشرة سنة، عند مجيء منظمة التحرير الفلسطينية. أما القتال فقد بدأ منذ خمس سنوات، عندما أدركنا نحن المسيحيين، أخيرًا، أننا خسرنا سيادة بلدنا. حكومتنا ومؤسساتنا هي بمثابة قشور فارغة. لا أحد يأخذ المسؤولية على عاتقه. قادتنا ليسوا رجال دول بل جنرالات إقطاعيين. لقد نمنا في بلد متحضّر لنستيقظ ونجد أنفسنا في أدغال».

-»الأدغال لا تنبت خلال ليلة وضحاها»، قلت له.

• «إنها فيروسات»، قال الجميل، «تنتشر بسرعة وتشلّ المرء خلال ساعات فقط. الفلسطينيون يحملون هذه الفيروسات. أينما ذهبوا يجلبون معهم العنف والموت. لقد شلّوا لبنان ولكننا لم نمت. فنحن نصدّهم».

– «العين بالعين؟».

• «كلا، هذه ليست طريقتي. إننا نحارب الفوضى بالنظام، والدمار بالبناء. إن «القوات اللبنانية» ليست مجرد ميليشيا فحسب، لقد أصبحنا القوة الحامية لدولة بلا قائد. أنشأنا بنى لسد هذا الفراغ: مستشفيات، محاكم، دور أيتام، مراكز للشباب، برامج للمسنين، محطات إذاعية. هل تعلمين أن «القوات اللبنانية» تدير إذاعة للموسيقى الكلاسيكية؟ وهذا لأن لدينا تصوّرًا عن مستقبل لبنان. سوف نربح هذه الحرب وندفع السوريين والفلسطينيين خارج بلدنا، وحينها فقط سيبدأ العمل الحقيقي لمهمة إعادة بناء لبنان».

– «بأي شكل؟»، سألت، وأنا أفكر بأن بشير محق في قوله هذا، فهو الرجل الوحيد الذي يملك تصوّرًا للبنان مستقل وسيد.

• «ديمقراطية برلمانية»، قال مشددًا. «هذه الأرض ليست للمسيحيين. إن الصحافة الغربية تصوّرنا وكأننا الطبقة النخبة في المجتمع نتشبث بامتيازاتنا. هذا تصوّر خاطئ بالكامل. نحن نمقت حكم النخبة، إننا لا نحارب للسيطرة على وطننا، وليس لاحتكار القوة، بل لاستعادة الكرامة والحرية والديمقراطية لكل أبناء الشعب. ومن الآن فصاعدًا، لن يكون هناك «تدابير خاصة». لقد أخذ لبنان ما يكفي من ذلك العدل. أخذنا عهدًا على أنفسنا بأن نخلق دولة يتعايش فيها الدروز، والشيعة، والسنّة، والمسيحيون، معًا تعايشًا سلميًا».

الحرية والديمقراطية، والتعايش السلمي، سمعت هذه الكلمات تتردد مرات عديدة في أفواه السياسيين، ولكن لم توحِ عينا بشير بالخداع.

قام بشير من مقعده ومشى ذهابًا وإيابًا. ثم توقف في وسط الغرفة يواجهني قائلاً: «عندما التقينا إعتذرت من كوني تأخرت، ولكن في الحقيقة أنتِ التي تأخرت، ولسنوات عديدة».

كنت أعلم أنه يعني بهذا الأميركيين، ولكنني شعرت وكأنه يخاطبني أنا شخصيًا. وكان ينتظر جوابًا مني.

«نحن هنا الآن»، قلت له.

لمعت عيناه. «الآن»، قال، «الآن بعد أن سقط مائة ألف رجل وامرأة وطفل من شعب يتألف من ثلاثة ملايين نسمة ونصف. هل تعلمين ماذا يوازي هذا العدد في أميركا، حوالى 650 ألفاً».

لم أستطع تصديق ذلك، لقد تكلم الإسرائيليون عن سقوط العديد من المدنيين في لبنان، ولكنهم لم يوضحوا عددهم. هل يمكن أن يموت كل هؤلاء الناس من دون أن يعلم بهم أحد؟

قرأ بشير الشك في عيني.

• «لا علم لديك بهذا؟»، قال.

-«كلا»، قلت بهدوء، «لم تُذكر هذه الأعداد في صحافتنا».

• «ولماذا؟»، قال بتحدٍ. ثم جاوب نفسه قائلاً: «الأميركيون إختاروا ألا يعرفوا، بينما نحن نحارب الإرهاب العالمي. وبأي ثمن». ثم أشار الى بدلته السوداء قائلاً: «بعد هذه المقابلة سوف أذهب لحضور مراسم ذكرى أصدقائي الثلاثة الذين ماتوا في السيارة مع إبنتي. وآجلا، في هذا الأسبوع ستُقام مراسم ذكرى مايا. لسنا الوحيدين، ما من عائلة في لبنان لم تخسر إبناً أو أبًا أو أخاً. وهذا ليس الأسوأ. هل تعلمين كم جنازة حضرت للنساء والأطفال؟».

ثم أتى وجلس بقربي ولمس يدي ليوقفني عن الكتابة، «تستطيعين أخذ الحقيقة عن لبنان الى وطنك، ولكن ربما الجمهور الأميركي ليس لديه أي إستعداد لسماع الحقيقة».

– «قل ما تريد قوله»، قلت له، «قل ما هو حقيقي».

• «الحقيقة أن رئيسك كارتر يشجع الإرهاب في لبنان».

– «وكيف ذلك؟».

• قتلت منظمة التحرير السفير الأميركي السابق في لبنان فرنسيس ميلوي عام 1976، وقذفت بجثته في النفايات. بعد ذلك أُرسلت الجثة الى الولايات المتحدة. وماذا فعل رئيسك كارتر؟»، قال الجميل مزدريًا. «هل عاقب القتلى؟ هل، على الأقل، أدان منظمة التحرير؟ كلا، بل كتب مذكرة شكر للمنظمة موجهة الى الرئيس عرفات. وهل يظن كارتر أن عرفات رئيس لبنان؟».

إندهشت لصراحته. السياسيون الذين عرفتهم كانوا يبدّلون مواقفهم حسب نوعية الظهور التي كانت تعطيهم إياها الـ»20/20». ولكن الجميل كان يرد على أسئلتي بصراحة وصدق لم أرَ لهما مثيلاً من قبل. كان يبدو رجلاً بلا حيلة، مصممًا على قول الحقيقة كما يراها من دون الأخذ بعين الإعتبار تأثيرها عليّ.

جاءت صولانج الى الغرفة: «حان وقت الذهاب»، قالت لبشير. بدا وكأنه لم يسمعها، ثم دنا بوجهه من وجهي.

– «بشير» قالت صولانج. وقف وقال: «بعد مراسم الذكرى سنذهب لتناول طعام الغداء في بيت أختي، هل تأتين؟».

لاحظت أنه لم ينظر الى زوجته قبل أن يقترح موضوع الغداء. ولكنها، مع ذلك نظرت إليه وقالت شيئاً ما بالفرنسية، فطلب منها أن تتحدث بالإنكليزية. «ستكون ماديس هناك»، قالت متمتمة.

– «هذا سبب كاف»، رد قائلاً من دون أن ينزع عينيه عن وجهي.

قلت سأفعل.

إجتمعت العائلة لأخذ الكوكتيل في صالون جميل ومتناسق ومجهّز بسقيفة، في بيت «أبو حلقة». كان الخدام يحومون حولنا بصمت وهم يحملون صواني القهوة والمقبلات. وكما في بيت بشير الجميل، كان هناك أطباق مليئة بالسجائر الأميركية موضوعة بشكل دائم، ولكنها كانت هنا من الذهب والفضة. أما الأثاث فكان من الطراز القديم. كان جوزف أبو حلقة رجل أعمال.

أتى بي بيار يزبك الى منزل أبو حلقة في الوقت الذي كان بشير وزوجته صولانج يحضران مراسم الذكرى للرجال الذين ماتوا بدلا من بشير. وكمعظم الطبقات الراقية اللبنانية، كانت العائلة تتكلم الفرنسية فيما بينها، وبالعربية مع الخدام، وكانت لهجتهم العربية فريدة من نوعها، ممزوجة بكثير من الكلمات والجمل الفرنسية، وتسمّى هذه اللغة باللبنانية.

كانت العائلة تبدو مرتبكة بوجودي، على الرغم من أنهم لم يُبْدوا لي إلا كل إحترام.

قالت لي جاكلين أبو حلقة إنه لم يسبق لبشير أن دعا شخصًا غريبًا الى أي إجتماع عائلي و»لكن»، أضافت بسرعة خشية أن تكون قد جرحت مشاعري «نحن جد مسرورون بمجيئك».

لم أكن مستاءة. «غريبة» هي الكلمة الفاعلة في هذه الغرفة المشحونة بحميمية مولودة ليس فقط بحكم القرابة ولكن من معرفة مشتركة كنت بعيدة عنها.

كانت الغرفة تضج بالأحاديث ورنين الكريستال والفضة. كنت أتكلم الى مضيفتي، عندما حلّ الصمت المفاجئ في الغرفة. فتوقف الكلام ووقف الجالسون. كان بشير الجميل قد دخل.

كل الإنتباه قد تركز عليه. ودُهشت لرؤية عائلته، وكل من يكبره سناً، يذعنون له إذعانهم للملكية.

كان الرجال ينتظرون حتى يتكلم قبل الرد باحترام. أحضرت له النساء الطعام والشراب. وتذكرت ما قاله لي بيار يزبك تلك الليلة عن الأولية للإبن البكر. وزاد تعجبي عندما أتى بشير مباشرة إليّ، وأخذني بذراعي وقدمني الى أخواته وأصهرته، شارحًا لهم بأنني مخرجة تلفزيونية أميركية.

«لقد أخذت كل الوقت حتى تأتي الى لبنان لترى بنفسها ماذا يحصل لنا». ثم دنا مني وقال: «كيف تشعرين، هل أخذت ما يكفي من دروس لهذا اليوم؟».

«كلا، أنا بخير»، تمتمت مرتبكة بهذه الحميمية المفاجئة.

كان في الغرفة إمرأة واحدة لم تقف لبشير عند دخوله، والتي عندما صافحها، أشاحت بوجهها بعيدًا عنه، وبخلاف النساء الأخريات اللواتي كن يرتدين الثياب الأنيقة، كانت هذه المرأة ترتدي ثوبًا عاديًا، راقبتها تشعل سيجارة تلو الأخرى، وهي تجلس وحيدة في زاوية الغرفة.

«أختي ماديس»، همس بشير في أذني. «مات إبنها في القتال، كان عمره 19 سنة، لم تتغلّب على حزنها للآن». قام وجلس بقربها واضعًا ذارعه حولها، إلا أنها لم تبالِ به.

ذهبنا لتناول الطعام، وجلست على يمين جوزف أبو حلقة، كان الجميل جالسا في الطرف الآخر على رأس الطاولة.

كانت المائدة مليئة بكل أنواع المأكولات اللبنانية التي وجدتها شهية، ولكن كان لديّ القليل من الوقت للطعام، وهذا لأن مُضيفي كان يمطرني بوابل من الأسئلة القسرية المتلاحقة. كان متوقعًا مني، كما هو متوقع من الأميركيين في الخارج، أن أتكلم باسم بلادي.

• «لماذا يقلق أمر إسرائيل الولايات المتحدة، ومع ذلك تتجاهل لبنان؟ لماذا يتكلم الأميركيون كثيرًا عن الإرهاب ومع ذلك لا يرفعون إصبعًا لمساعدة هؤلاء الذين يحاربونه؟». «أصبح لبنان مهد الإرهاب العالمي»، قال أبو حلقة، «نحن اللبنانيين المسيحيين نقف وحيدين بين الغرب ووكر الأفاعي هذا. ماذا سيحصل لكم إذا فشلنا؟ هل تريدون ليبيا أخرى، أو إيران أخرى؟».

– «معظم الأميركيين»، قلت وأنا مرتبكة من الدور الذي اتخذته كشخص متكلم، «يعتقدون أن مشاكل لبنان يجب أن يحلّها الشعب اللبناني من دون أي تدخل خارجي».

• «كذبة قذرة»، رد باشمئزاز، «الحقيقة هي أنكم لا تهتمون، أنتم الأميركيون ترضون بأن تجلسوا وتراقبوا بصمت بينما يموت عشرات الألوف منا».

أضاف: «نقاتل في معركة هي معركتكم كما هي معركتنا. لسنا سوى عرب بالنسبة لكم».

– «كيف يكون هذا، عشرات الألوف؟ إذا كان هذا صحيحًا لماذا لم تتكلم عنها الصحف؟».

• «الصحافة ترى ما تريد أن تراه وتتكلم عما تريد التكلم عنه».

– «هل تقول إن هناك مؤامرة ما ضد المسيحيين اللبنانيين؟».

• «مؤامرة من الصمت، نعم أقول هذا تجاهل، ولن تكون هذه المرة الأولى في التاريخ»، قال أبو حلقة.

وتساءلت إذا كانوا يعلمون أنني يهودية.

«ما تقوله غير صحيح عن باربرا»، قال بشير الجميل، ولم أكن أعلم أنه كان يستمع، «إنها لم تدر ظهرها»، قال، «لقد قطعت كل هذه المسافات لكي تعرف… إنها جالسة إلى مائدتنا».

كان في نبرته توجيه رقيق لأبو حلقة سرعان ما فهمه، فرجع الى الولاء قليلاً ليكتسي وجهه برقّة إجتماعية مفتعلة.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل