بطرس خوند… لك علينا حق

(في ذكرى اختطافه)
أن تثبت نفسك بين أنداد لك، عملٌ لا غرابة فيه، فهو ممكن الحصول. أما أن تجهد لتجد لك موقعاً بين الأهمين، فهو ما لا نلمح له ظلاً في نادي الكبار. وهنا تكمن أهمية بطرس خوند، الذي تجاوز الساعين الى المواطن الشائكة، ووصل الى مدار المؤثرين في القيادة، من دون كتاب توصية. و”التأهيل” الذي قوبل به بطرس، لدى قرعه باب السلاطين، فيه الجواب، كل الجواب.

بطرس خوند نفسٌ مفعمةٌ بالنبل والصفاء، اقتحم كرائم الصفات، ولم يشح بقلبه عن وطنه، فكان له، معه، عهدٌ مكتوب. هو لم يستكثر أن يكون للبنان معه هوىً، فلم يتقشف في حبه، وما كان له خلوةٌ إلا معه، وما رمى باسمه إلا صائباً. لكن الرجل سيق الى المقدور قهراً، فلم ينصف، وظالموه كثرٌ، فعسى أن يتقدم مجوس الأمة لقلب الطعنة هدية تكريم.

في ميدان الضحايا متسعٌ للجميع، إلا لمن لم يكن لبنان معهم، يوماً، في إجازة، وبطرس ينسب الى معشر هؤلاء. لقد حول الوطن التزاماً شخصياً، وقضيةً منسوجةً بخيط قلبه، فعاند، به، معضلات القهر والرضوخ،

لذا، لم يخف على بطرس سقوطٌ أو تقصير، لأن عمره تطعم بحب الوطن، ولو على حرق، فمخلب الظلم بدد أنسه برفاق كان، بينه وبينهم، ولوعٌ، وركض ليال، ونسخ استبسال، وقد ألبسته الأيام، بفقدهم، كدراً، فعجز عن نزع ما ألبس، أو تمنى أن يعيش مرارة الفقد.

هي الدنيا، محبرةٌ بريشة المآسي، والانطواء على نفور وبكاء، لكن أفق العنفوان وحده لا يتكاتب مع الخفض والإنحناء، وهذا شأن من امتهن إعزاز الوطنية، وأراد كل فصولها ربيعاً. إن بطرس خوند عاشق ذخائر لبنان، والذي يسيطر في دمه رواق العز، له، علينا، دينٌ، فخبث مصيره، والقلق عليه، والحيرة في السؤال عنه، لم تحرك ساكناً، في ” المحنطين ” المعروفين، إلا اللسان. حتى جعلونا أرواحاً حائرةً، تشتهي ولا تجد، تسفك أملها على مذبح كذبهم القبيح، وسوء صنيعهم الذي امتد فيه ظلام فسادهم.

الخطيئة المميتة التي يقترفها المدنسون، تكمن في العرض المستعاد لأساليب تلفيقاتهم الممجوجة، وهي مرآةٌ جليةٌ تعكس، تماماً، حقيقتهم الموبوءة. هم يعلمون أن بطرس خوند قد نكل به، واقتيد الى غياهب الأسر، إثر مكيدة ودسيسة، واحتشد عليه مرتزقة الشيطان دون هوادة، فدفع جزية دفاعه عن الوجود واستمرار الكيان.

بطرس خوند، البطل الحر، لم يعتد أن يكون دوره ثانوياً، فمن الغبن أن يكون للإرتجال مجالٌ في البحث عنه. لقد حط في الغربة، ممزقاً، لكنه لم يدع الدموع تذبل عزته، وكأنه يشبه من ليس له في العلا مركب، ولا في الوغى حصان… هو ينقش خارطة الوطن بجرات دمه، ويرفض أن يعاني كساد الفرح، ووقع اليأس، ومرض الأمل، وهذا هو المناخ المنقى الذي ينبغي أن يحفز آكلي لحوم الناس، الذين ورمت أكياسهم وأنوفهم، وفاضت دسائسهم، وزورت أسماؤهم، الى استعادة حلق الكرامة لأصواتهم، لينادوا، عالياً: أعيدوا لنا بطرس خوند، وإلا…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل