كل شيء “مؤامرة” فأين المتآمرون؟

 

“الثورة تُحرِّكها سفارات”… “العهد مستهدف كونياً” و”كورونا ليس فيروساً”

“في شي أكبر مني ومنك”، “الكورونا لعبة كبيرة”، “في مؤامرة على العهد”، خلاصات لبنانية، نسمعها بين الحين والآخر عند مناقشة الاحداث اللبنانية بدءاً من الازمة الاقتصادية مروراً بثورة “17 تشرين” وصولاً الى الاحداث السياسية، وقد تكون نظرية”المؤامرة” أسهل طريقة لتفسير المسائل المعقدة التي تحيط بنا، فيعيش من يؤمن بها فيلماً يعرف تفاصيله وخواتيمه مسبقاً. فهل المؤامرة نظرية علمية حقيقية؟ أو أنّها عوارض اضطرابات نفسية؟

 

لا تعتبر نظرية المؤامرة ظاهرة جديدة. فهي موجودة في الوعي الجماعي بشكل مستمر منذ 100 عام على الأقل، ويوجد في كل دول العالم من يرمي تبعات كل المصائب الكونية على مؤامرة تحوكها الدول العظمى على الدول المستضعفة بشكل عام. ومع تفشي وباء كورونا، وبدلاً من السعي كما معظم أمم الأرض للبحث عن علاج ولقاح، قررت شرائح وازنة في المجتمع اللبناني ودنيا العرب أنّ “كورونا” مؤامرة وليست فيروساً، من دون أن يجيب أحد من مطلقي هذه النظرية على سؤال: من هو المتآمر؟ ففي البداية قالوا إنها أميركا وإسرائيل (الاجابة الحاضرة دوماً)، بينما تتصدر أميركا العالم في نسبة الإصابات. فهل يمكن أنها تتآمر على نفسها؟ ومن ثم قرروا أنّ الصين وراء هذه الجائحة، رغم أن اقتصاد الصين يعاني كما الاقتصاد الأميركي. ونظرية المؤامرة لا تقتصر علينا فقط بل هي عابرة للقارات، وشائعة أكثر مما نظن، على حد قول جو أوسينسكي، مؤلف كتاب “نظريات المؤامرة الأميركية”. ولا شكّ، أن نظريات المؤامرة ليست كلها من دون أساس. فهناك أمثلة على أن عدداً منها كان صحيحاً. مثل فضيحة “ووترغيت” التي تورط فيها الرئيس الأميركي الاسبق ريتشارد نيكسون وأدت إلى إطاحته، وقضية “إيران كونترا” أو “إيران غيت” خلال عهد الرئيس دونالد ريغان. وربما تكون هناك أحداث في التاريخ لا تزال تشكل لغزاً، قد تنسب أيضاً إلى مؤامرة، مثل اغتيال الرئيس جون كينيدي.

 

لا يرفض الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية الدكتور خليل الحسين نظرية المؤامرة، بل يؤمن أنه عندما يتم تحليل سياق بعض الاحداث مثل المقدمات والوقائع والنتائج، يتم التوصل أحياناً الى تأكيد وجود مخطط للوصول الى أهداف معينة. ويقول انه يمكن أن نعطي “مشاكل تشكيل الحكومة اللبنانية”، مثالاً حقيقياً على ذلك، حيث تمكنت فرنسا من الدخول الى الساحة اللبنانية من بوابة تشكيل الحكومة، ولكن هل تستطيع فرنسا من تلقاء نفسها الدخول بهذا المشروع وتحقيق النتائج من دون اي مشاكل؟ بالطبع لا، فنحن نعلم قدرة الولايات المتحدة الاميركية على التدخل في منطقة الشرق الاوسط، وبالتالي منع فرنسا من التدخل في شؤون لبنان وتشكيل الحكومة. من هنا نظرية المؤامرة موجودة، لان اميركا خططت لدفع فرنسا من حيث لا تدري، للتدخل بالازمة اللبنانية. في المقابل، قد تبدأ العرقلة الاميركية بوجه فرنسا لفرض شروط معينة، ولتكتسب اميركا غنائم معينة من دون ان تتدخل علنياً… هكذا يمكن البدء بتحليل “نظرية المؤامرة”.

 

مؤامرة الأزمة الاقتصادية

 

هل الأزمة الاقتصادية ناتجة عن وقائع اقتصادية مالية سببت لنا مشاكل العوز والفقر، أو انه يوجد مؤامرة سابقة على لبنان؟ يجيب د. الحسين أنّ “التضخم الاقتصادي سيؤدي الى انهيار العملة وغلاء الاسعار، وهذه نظرية علمية مثبتة. ولكن من جهة أخرى، تشير نظرية المؤامرة الى أنّ الرئيس الشهيد رفيق الحريري عاد الى لبنان في التسعينات لتوطين الفلسطينيين وضرب المقاومة، وتغيير النظام السياسي. ومن يؤمن بهذه النظرية يؤكد أنّ الحريري “تآمر” على لبنان وأغرقه في ديون خارجية، وهو يعرف مسبقاً أنّ هذه الخطوة ستغرق البلاد بأزمة اقتصادية ظهرت معالمها اليوم، الامر الذي سيسهل توطين الفلسطينيين”.

 

مؤامرة على العهد

 

لطالما تمسك الرئيس ميشال عون بعنوان اساسي الا هو “التغيير والاصلاح”، الا انه لم يتمكن من تحقيق اي تغيير او اصلاح منذ وصوله الى سدة الرئاسة. فظهرت نظرية المؤامرة كحجة يستعملها مؤيدو العهد، وبحسب د. الحسين “يرى هؤلاء أن انتخاب عون “مؤامرة” لاغراق لبنان بمشاكل متنوعة، من خلال ايصاله الى الكرسي الرئاسي وعدم السماح له بالعمل وتحقيق النتائج”.

 

مؤامرة الثورة

 

يرى البعض أنّ اللبناني يعيش في بحبوحة واستقرار وفي أجواء وردية، وبالتالي لا حاجة الى الثورة أو للتغيير. ويفسر د. الحسين أنّ “من يؤمن بهذه الفكرة، لن يرى الثورة سوى مؤامرة خارجية من بلدان أجنبية أهدافها تحريض الشعب لتحقيق مكاسب خاصة، وفي وقت أنّ لبنان بحاجة الى ألف ثورة وثورة ليتحسن وضعه”.

 

تكثر النظريات في العلوم السياسية، ولكل نظرية وقائع مثبتة علمياً ستؤدي الى نتائج محددة، وبحسب د. الحسين “كل تحليل غير مبني على وقائع ملموسة، يصب في خانة “التبصير والتنجيم”، وكلما انهارت المجتمعات وكثر الفساد فيها وانعدمت الثقة بالمسؤولين وعانت من مشاكل اقتصادية، اجتماعية وسياسية، كلما اتجهت أكثر وأكثر الى التحليل الاقرب الى الوهم، تحت اسم “نظرية المؤامرة” التي لا تمت الى الحقيقة بصلة”. فكيف يفسر علم النفس، من يؤمن بالاوهام ويربط كل الأحداث بخانة واحدة: “نظرية المؤامرة”؟ تقول الدكتورة كارول سعادة، اختصاصية في علم النفس العيادي أنّ “هذه الحالة بمثابة نمط معرفي، أي نمط في طريقة التفكير، قد يدرك الانسان أو لا يدرك تمتعه بها، فتسقط هذه الافكار بشكل اوتوماتيكي الى عقله من دون أن يسيطرعليها، ما يجعله يشك بكل شيء ويفكر بسوء نية بالجميع. ويمكن ربط أسباب هذا السلوك، بالتربية أو بطرق التفكير المكتسبة أو حتّى بالاستعداد الجيني يضاف اليه التجارب الشخصية. هذا الوضع ليس مرضياً بل هو طبيعي حيث يمكن ان يحلل هؤلاء بعض الاحداث على أنها نظرية مؤامرة. ولكن، الوضع مختلف بالنسبة للذين يعانون من عوارض الشخصية المرضية، كشخصية “البارانويا”، أو حالات الهذيان. ويمكن للشخصية المرضية التي تعاني من فقدان الثقة والتي تتمسك بفكرة المؤامرة ضمن حدود المنطق، أن تطور حالتها لتتحول الى هذيان. وهنا نتكلم عن اشخاص ينطلقون من خلاصة ثابتة في عقولهم، ويبحثون عن وقائع ومعطيات تبرهن نظريتهم”.

 

المشكلة بهؤلاء، أنّ النقاش لا ينفع معهم ولا يبدل أفكارهم الثابتة، والأخطر ما في الموضوع، امكانية نشر أفكارهم على نطاق واسع من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا ما نراه كثيراً في مجتمعنا اللبناني. وتضيف د. سعادة أنه “يوجد ما يعرف باللاوعي الجماعي على مستوى الشعب، اذ يمكن التمسك بأفكار معينة بعد التعرض للطعنات والتجارب السيئة ونتيجة قلة الثقة بالدولة، فيحتمي الأشخاص بآلية دفاعية تفسر كل شيء على أنه “مؤامرة”. ومن المهم معرفة كيفية التصرف مع اصحاب هذه الشخصية من دون اضطهادهم، بل محاولة اقناعهم بغياب الاثباتات المنطقية لنظريتهم، ولكن في الكثير من الاحيان يصعب تغيير افكارهم، ما يتطلب علاجاً حقيقياً يوفره الاختصاصيون النفسيون”.

 

ولعل أفضل من قارب مسألة المؤامرة مطلع الثمانينات، كان زياد الرحباني من خلال شخصية: “الرفيق نزار” في “فيلم أميركي طويل”…والفيلم مستمر.

 

الأحداث المندرجة ضمن “نظرية المؤامرة”

 

اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي

 

كان اغتيال الرئيس جون كينيدي محطة لعدد كبير من نظريات المؤامرة والإدعاءات غير المعززة بالأدلة. هذه النظريات لإلقاء اللوم على وكالة المخابرات المركزية أو المافيا أو نائب الرئيس حينها ليندون جونسون أو رئيس الوزراء الكوبي آنذاك فيدل كاسترو أو الاستخبارات السوفياتية أو مزيج في ما بينها. تشير أحد التقديرات إلى كتابة أكثر من ألف كتاب حول اغتيال كينيدي، وعلى الأقل فإن تسعين بالمئة من هذه الكتب كانت تتبنى رواية تدَّعي وجود مؤامرة ما وراء حادثة الاغتيال. لذلك أصبح اغتيال كينيدي أحد أبرز نظريات المؤامرة على الإطلاق.

 

الماسونية تحكم العالم

 

قد تعتبر أشهر نظرية مؤامرة عرفتها البشرية. تتحدث عن منظمة خفية تملك كل أصحاب الثروات في العالم، وتسيطر على كل الحكومات، وتقف وراء الثورات الكبرى أينما قامت. ترتبط هذه النظرية بالأحاديث السياسية، لأنه يجب على العالم أن يكون محكوماً من قبل جهة ما، والعالم لا يمكن أن يجري خارج إرادة الماسونية، برأي معتنقيها. وترتكز هذه النظرية على رموز معيّنة منها العين والهرم وغيرها، وكل مقاطع الفيديو التي تتناول هذه النظرية ترتكز على إيجاد هذه الرموز في كل مكان لتؤكد أن الماسونية قابضة على هذا العالم البائس.

 

11 أيلول عمل داخلي محلي

 

هجمات 11 أيلول الحدث الأبرز الذي شكل العقد الأخير من المشهد العالمي. البعض لا يستطيع التعامل مع هذا الحدث كما هو. لذا، كان من الأسهل الخروج بنظرية تقول إن هذه الهجمات لم تقم بها مجموعة جهادية إسلامية، بل هي عمل استخباري داخلي من صنع حكومة الظل في الولايات المتحدة لتكون لها حجة لشن الحروب في الشرق الأوسط والاستيلاء على النفط. كل الأحداث الكبرى في التاريخ الحديث، مثل هجمات 11 أيلول، توجد نظريات مؤامرة حولها تختلف عن الواقع.

 

الشخصية التي لا تموت

 

أنتم مخطئون ان كنتم تعتقدون أن ألفيس بريسلي مات. أو أنّ صدام حسين قتل، أو أدولف هتلر انتحر، أو أن أسامة بن لادن اغتيل. كل هؤلاء، وغيرهم من كبار الشخصيات، لم يموتوا. هم في مكان ما على قيد الحياة. لا بد أنك التقيت بأحد هؤلاء الذين يؤمنون بهذه الأفكار. هذه النظرية تنطلق من أن الشخصية «البطولية» لا تموت حتى ولو شاهد الجميع الجثة. هو جزء من تأليه الشخصيات. حتى ولو أن المؤمن بهذه النظرية لا يؤيد «الشخصية التي لا تموت» فهو يُقرّ بأنه لم يمت. الشخصيات العظيمة لا يداهمها الموت. هي تنتقل إلى مكان آخر.

المصدر:
نداء الوطن

خبر عاجل