العلاج الفرنسي أو الأميركي… كلاهما مرّ

ليس سراً وجود تباينات معينة في تقييم الوضع اللبناني المأزوم، بين واشنطن وباريس، والكثير من الأمور التي تبقى بحاجة إلى توضيح لفهم طبيعة التمايز بينهما تجاه الأزمة، وحول الحلول المطلوبة للإنقاذ، من دون إغفال نقاط الالتقاء الكثيرة بين الطرفين.

غير أن لا شيء يمنع أن تدفع التطورات المستجدة على الساحة اللبنانية والتعثر في تشكيل الحكومة وعرقلة مهمة الرئيس المكلف مصطفى أديب، بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الاقتراب أكثر من الموقف الأميركي والذهاب إلى الخطة “ب” للعقوبات على لبنان بأسرع مما كان يتوقع، في حال أصرت الطبقة الحاكمة على المناورة والنكث بوعودها ونقض عهودها. خصوصاً بعد مقالة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية، التي اعتبر فيها أن “فرنسا توهم نفسها بأن هناك جناحين، سياسي وعسكري لحزب الله”.

المحلل السياسي حازم صاغية، يعتبر، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “هناك علاجين مقترحين على لبنان: الأول فرنسي والثاني أميركي”. ويشير إلى أن “العلاج الفرنسي محافظ، بمعنى أنه يريد الحفاظ على الأمور كما هي عليه مع تعديلات طفيفة، منها المداورة في الحكومة وما إلى ذلك، لكن الفرنسي لا يريد المسّ بتركيبة السلطة، ولا بسلاح حزب الله. أما العلاج الأميركي فمختلف، إذ هو راديكالي، أي العقوبات والتضييق، إلا إذا حُلَّت مشكلة حزب الله على مستوى سلاحه أو بالحد الأدنى تمثيله السياسي”.

ويرى صاغية أن “العلاج الفرنسي غير كافٍ لأن أسباب المشكلة ستبقى قائمة، أكانت ممثلة بسلاح حزب الله أو بالتركيبة السلطوية. فحتى لو تشكلت الحكومة وحصل لبنان على معونات، فإن الوضع هش إلى حد أن حزب الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري يمكنهما فرطه بسهولة، لأن أسباب انهياره لا تزال قائمة. فالتحكم بمفاصل السلطة قائم ويمكن لحزب الله استخدام سلاحه في أي لحظة، سواء للابتزاز أو للتخويف أو لفرط وضع معين، فضلاً عن التأويل للميثاقية على مستوى تمثيل الطائفة الشيعية والتذرع بحجج من هذا القبيل”.

كما يلفت، إلى أنه “في المقابل، العلاج الأميركي يدعو إلى الخوف أيضاً. فالأميركيون على حق في ألا حل من دون ضبط حزب الله، لكن يخشى أن يؤدي ذلك إلى تجويع اللبنانيين وموتهم أكثر، إذ يضع لبنان في احتمال الحرب المفتوحة الشاملة بين الأميركيين والإيرانيين. خصوصاً أن المواجهة مفتوحة على كل الجبهات بين الطرفين، من سوريا إلى العراق حيث يمكن أن تُفتح في أي لحظة، كما أن حزب الله موجود على الحدود اللبنانية الإسرائيلية والسورية الإسرائيلية، وهو الأداة الإيرانية بطبيعة الحال في أي مواجهة من هذا النوع”.

ويشير صاغية، إلى أن “سبب المشكلة مزدوج. فمن ناحية ما، النظرية الفرنسية صحيحة وكذلك الأميركية، لكنهما ناقصتان. بمعنى أنه حين يصف الأميركيون حزب الله بأنه إيراني وإرهابي، فهذا صحيح. والفرنسيون حين يقولون إن حزب الله مكون من لبنانيين وهم ممثلون في مجلس النواب ومنتخبون من الناس، هذا أيضاً صحيح. حزب الله لبناني وإيراني في آن معاً، وهو سياسي وإرهابي في آن معاً”.

ويشدد المحلل السياسي ذاته، على أن “هذه الحلول التبسيطية لا تمشي، وإن اعتُمدت تؤدي إلى كوارث”، مضيفاً أن “ما كان يمكن أن ينتشلنا من هذا المستنقع، لو كان هناك شيء من الوحدة اللبنانية الحقيقية بين الطوائف أو بين الجماعات الفاعلة في الطوائف، بحيث يمكنها أن تختار الحلول الأنسب للبنان”.

ويوضح، أن “لا حل في لبنان إلا من الخارج. فإذا انهار النظام الإيراني، الأمر الذي ليس في يد اللبنانيين، فهذا يفتح الباب على الحل في لبنان. لكن حتى لو افترضنا أن هذا النظام انهار اليوم، ليس هناك أي طرف لبناني قادر على أن يستقبل ويثِّمر ويستثمر ويستفيد من هذا التحول لمصلحة ترتيب البيت اللبناني، بل إن الأمر يمكن أن ينعكس حرباً أهلية عندنا بظل درجة التناحر الأهلي الطائفي الواسعة”.

ويعتبر صاغية، أنه “على ضوء ذلك، المبادرة الفرنسية لا توصل إلى مكان، وإن أوصلت، فإلى مكان مهتز وهش وقابل للسقوط في أي لحظة. أما التصور الأميركي فيضعنا في وضع خطير أيضاً على ما تبقى من لبنان ومن اقتصاده ومقوماته إلى حد يوصلنا للجوع والانهيار. فالأميركي يعاقب حزب الله لكن لبنان كله عملياً سيُعاقب”، موافقاً على أن “حزب الله لا يظهر أي ليونة مراعاة للوضع اللبناني المنهار، لأن همه الأساسي مشروعه الإقليمي”.

ويحذر، من أن “نجد أنفسنا في أي لحظة على شفير احتمالات انفجار”. ويلفت إلى أنه “حتى من دون أن نحتسب انفجار المرفأ، منذ شهر أو أقل إلى اليوم تتلاحق التوترات الأمنية. ففي خلدة وقع اشتباك كبير، وتلاه آخر في الطريق الجديدة، ومن ثم في البداوي، وغيرها من المناطق”.

ويسأل، “ماذا يعني ذلك؟ يعني أن المجتمع مشحون بطريقة عدائية فظيعة، ولا وجود للدولة”، معرباً عن تخوفه من أنه “إذا استمر الوضع بالتدهور ولم يعد بإمكان الدولة دفع معاشات العسكر والقوى والأجهزة الأمنية، فكيف سيعيش هؤلاء ويستمرون بتأدية واجبهم؟ وما الذي يمنع عندها ألا يلتحقوا بطوائفهم بين أهلهم مع أسلحتهم كي يؤمنوا عيشهم؟ وعندها نكون انتهينا ودخلنا في منعطف آخر”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل