أخذونا رهينة ويرقصون على أشلائنا

نفقُ مظلمٌ لم نصل بعد الى معرفة نهايته، إذ لا نزال عالقين حتى الساعة داخله، نتخبط يومياً على وقع تداعيات الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية المتلاحقة، من دون الحصول على يدّ العون لانتشالنا من القعر الذي نحن فيه، وأخذنا نحو الاتجاه الذي قد يساعدنا على الخروج من الظلمة الحالكة المحيطة بكل جوانب النفق.

فما لبثت المبادرة الفرنسية ان القت ظلالها الايجابية على الساحةِ الداخلية واعطت بعضاً من الأمل للبنانيين تفاءلوا بإمكانية أخذ الأمور نحو الأفضل، حتى استفاقوا بعدها وفي اقل من أسبوع، على قرع طبول الأفرقاء السياسيين للتّنديد بالمبادرة وبدء وضع العراقيل الواحدة تلو الأخرى بهدف فرملتها. أتى ذلك طبعاً تزامناً مع الضوء الأخضر المعطى لهم من الخارج والذي يحثهم كما جرت العادة على عرقلة أي امكانية لاعطاء جرعة من الأوكسيجن للبنان في الوقت الراهن، لا سيما انّ هدفهم الأول والأخير نسف الفرصة المؤدية للحل.

لقد سئم اللبنانيون جميعهم من تردي الأوضاع المعيشية والسياسية التي تمر بها البلاد ووصلوا الى أبعد من حدود اليأس، إذ فقدوا مقومات الصمود كافة المتمثلة بالدرجة الأولى بامتلاك جرعات يومية من الأمل. فالأمل وحده يعزز الرغبة في الصمود ويقوي عزيمة مواجهة التحديات التي القى بها القيمون على كاهل المواطن اللبناني وحده، محملين اياه وزرها ومطبقين بالطوق الذي بين ايديهم على انفاسه.

من انفجار مرفأ بيروت الكارثي الذي أدمى القلوب وأبكى الأمهات وشرد الآلاف وأفقد الأولاد أهلهم وشوّه الكثيرين، الى ارتفاع نسبة البطالة بشكلٍ غير مسبوق لم يعهده لبنان من قبل، وما بين بين، كتفاقم اعداد المهاجرين والسطو على أموال المودعين في البنوك واقتطاع أكثر من 70% من قيمة اموالهم والتهويل بالمجاعة وارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية وغليان الأسعار في السوبرماركت والمحال التجارية وغيرها من الانتكاسات المتلاحقة، فكل ذلك لم يردع الممسكين بمفاتيح القرار السياسي للعدول عن اتباع نهجهم القديم والانكباب على البحث عن خطط استراتيجية حديثة تنشل البلاد والعباد من اتون الحفرة العميقة التي وضعُهم فيها.

العقل الذي يصنع المشكلة لا يمكنه ان يجد الحلّ. قالها اينشتين بصريح العبارة “مستوى التفكير بحّل المشكلة مغاير تماما لمستوى التفكير الذي صنعها”. وبالتالي، كيف للعقل الذي أدى وعلى مدى سنواتٍ وسنوات الى إحداث الفشل والموت والخيبة والانهزام ان يساهم في ايجاد الحلول وتطبيقها وأن يرسم الإطار الذي يفضي عنه سير البلاد في اتجاهها الصحيح نحو النجاح والأمل والانتصار والتطور والنمو.

كيف يمكن إحداث هذا التغيير المنشود والممسكون بالسلطة متشبثين بكراسيهم وغير مبالين بمتطلبات شعبهم؟ لم ينفع مع هؤلاء لا ثورة، ولا عصيان مدني، ولا مبادرة فرنسية ولا عقوبات أميركية (أقله حتى الساعة، إذ ربما تأتي هذه العقوبات بثمارها المرجوة في غضون الأيام القليلة المقبلة). انهم وللأسف مصرّون إصراراً تاماً لا رجوع عنه على أخذ البلاد والعباد رهينة لكي يرقصوا على أشلائه حتى الرمق الأخير من دون أن يرف لهم جفن، وها هم حتى الساعة لا يزالون يناورون مع الخارج والداخل ويعرقلون الحلول مصرين بذلك على ابقاء الساحة اللبنانية مفتوحة للتجاذبات الخارجية ولصراع الجبابرة على أرضها.

أجواء مواقع التواصل الاجتماعي تظهر جلياً مستوى الازدراء الذي وصل اليه اللبنانيون، فهم يناشدون أياً كان ليعيلهم على التخلص من الطوق المحكوم على رقابهم من قبل حكامهم. الغالبية منهم ترغب في الحصول على “One Way Ticket” الى أي مكانٍ في العالم شرط ان يؤمن لهم ولأولادهم الاستقرار الأمني، المادي والمعنوي.

أمَا من أحدٍ ينقذُ اللبنانيين من الحالة المزرية التي باتوا عليها؟ لماذا الشعب دائماً هو من يدفع ضريبة تعنتهم وفجورهم وجشعهم؟ مقولة “الحياة يوم لك ويوم عليك”، فمتى سيكون يوم الشعب اذاً؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل