صحة الليرة بـ”ريجيم الدولار”

تخشى أوساط مالية واقتصادية من أن ينعكس التعثر في تشكيل الحكومة مزيداً من تعميق الأزمة المالية والاقتصادية، واستمرار الاعتلال في صحة الليرة اللبنانية وتدهور قيمتها مقابل العملات الصعبة، وخصوصاً الدولار، الذي قد يسجل سعره ارتفاعاً ملحوظاً في السوق السوداء، بحسب البعض. لكن الحلول للأزمة الاقتصادية والمالية واستقرار الليرة ليست متعذرة أو مستحيلة، إنما تتعدى مسألة الحكومة.

الخبير في الأسواق المالية العالمية، دان قزي، يرى، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أنه “لا يكفي أن نأتي بأفضل حكومة لحل الأزمة. فلنفترض أننا أتينا بوزراء من مستوى آينشتاين من المقيمين وبلدان الانتشار، وشكّلنا حكومة اختصاصيين ومستقلين وأنجزت خطة كاملة متكاملة باهرة للإنقاذ، لكن التصديق عليها وإقرارها في مجلس النواب قد يتعثر أو تعترضها عقبات”.

ويلفت إلى أن “خطة حكومة تصريف الأعمال الحالية لم تكن سيئة بالمجمل لكنها (فُرمت) في البرلمان. واليوم لا يمكن إقرار خطة من قبل الحكومة المنتظرة بتعديلات كثيرة على خطة حكومة تصريف الأعمال، وإلا لن يوافق عليها صندوق النقد الدولي، الذي أُخذ بمساعدته التقنية ونصائحه في جوانب كثيرة منها”.

ويخشى قزي من أن “أصحاب المصالح الخاصة الاقتصادية والمالية سيعارضون أي خطة إصلاحية تضع حدوداً لمحاصصاتهم وأرباحهم الفاحشة. ففي أيام الإزدهار كانت الخلافات حول محاصصة المصالح والأرباح والسرقات، في الكهرباء والاتصالات وغيرها، أما اليوم فهؤلاء يرفضون أن يساهموا في محاصصة الخسائر في المصارف والودائع وما إلى ذلك”.

ويشير، إلى أن “خطة المصارف المضادة باستعمال أملاك الدولة لإطفاء الخسائر، هي عملياً تحميل اللبنانيين، المودعين وغير المودعين، والأجيال المقبلة، خسائر أخطاء لم يرتكبوها. بل إن نصف اللبنانيين تقريباً لا يملكون حتى حسابات مصرفية، وعليهم أن يتحملوا وأولادهم وأحفادهم خسائر القطاع المصرفي والسياسات المالية بموجب هذه الخطة، باعتبار أن الأملاك العامة هي ملك للشعب”.

ويؤكد، أن “الحل يكون بالتوزيع العادل للخسائر، وعلى كبار مالكي الأسهم والمتمولين وأصحاب الودائع الكبرى في المصارف الذين حققوا أرباح طائلة في أيام الإزدهار أن يتحملوا أجزاء من الخسارة في زمن التعثر، عن طريق تمليكهم أسهماً في المصارف بديلاً عن جزء من أموالهم غير المتوفرة حالياً. لا على الطريقة اللبنانية، إذ يريدون في زمن الخسائر تحميل العبء لغيرهم وللأجيال المقبلة”.

ويلفت، إلى أن “ثمة مشاكل وأزمات وكوارث حقيقية وأخرى وهمية. فانفجار مرفأ بيروت هو كارثة ومشكلة حقيقية فعلية ملموسة تسببت بسقوط ضحايا وجرحى ودمار منازل ومكاتب وأبنية وشوارع، وتحتاج إلى حل حقيقي بإعادة الإعمار. أما المبالغ التي يحكى عنها في المصارف وأنها نحو 120 مليار دولار، هي وهمية، وخسارة قسم منها وهمي لأنها كانت في الأساس دولارات وهمية لكونها من صنع الناس، وبالتالي حلها يكون بشكل وهمي على الورق”.

ويعتبر، أن “المشكلة الوهمية اليوم أن كبار المتمولين والمودعين، أو نحو 6000 مليونير وبينهم بعض أصحاب المليارات، يرفضون تحمل أي خسارة ويعملون لتوزيعها على سائر الشعب اللبناني، المودع وغير المودع، الأهل والأبناء والأحفاد”، مشدداً على أن “أملاك الدولة يجب أن تُستثمر لتخفيف البطالة وتنمية الاقتصاد، لا لتعويض خسارة قلة من أصحاب الملايين حققوا أرباح طائلة على مدى عقود”.

أما بالنسبة لانعكاس التأزم السياسي الحاصل على سعر الدولار في السوق السوداء في المدى المنظور، فيرى قزي أنه “ينبغي علينا أن نعتمد ما يسمى (ريجيم الدولار)، أي أن نخفف من خروج الدولار من البلاد، سواء الموجود في لبنان، أو الذي يصل من الخارج ونعود ونصدره عبر الاستيراد”.

ويشدد، على أنه “يمكن من خلال التوازن بين ما نصرفه من دولار على السلع والتجهيزات والمعدات المستوردة المختلفة، وما يصل إلى لبنان من خلال المغتربين الذين يرسلون مبالغ شهرية لمساعدة عائلاتهم، أن يتحقق استقرار الليرة مقابل الدولار بشكل طبيعي، بحيث يستقر سعر الصرف عند معدلات معينة تتشكل بفعل التوازن بين ما يدخل من دولار وما يخرج بفعل الاستيراد”.

ويعتبر قزي، أن “الاستمرار في طبع الليرة من قبل مصرف لبنان وضخها لسحب الدولارات الوهمية من المصارف على سعر 3900 ل.ل، لا يحل المشكلة. ولا يمكن اعتبار ذلك تخفيفاً من خسائر المصارف بالدولار، الوهمي أساساً. فهذه المبالغ ستذهب إما للاستهلاك، أي ستكون خسائر بالدولار من جديد لأن ما يستهلكه اللبنانيون والمقيمون مستورد بنسبة تفوق الـ90%، أو لشراء الدولار وتخزينه لأن لا ثقة بمن يتولى إدارة البلد وبمستقبل الليرة بفعل الإدارة السيئة”.

ويرى، أن “الليرة لن تستقر طالما التوازن غير قائم بين الموجود من دولارات وما يدخل إلى لبنان، وبين ما يخرج لإستيراد السلع والحاجات المختلفة. وستستمر الليرة في التدهور بالمدى المنظور والأطول إلى حين تحقق هذا التوازن، ولن يحصل ذلك إلا عبر ما يسمى (ريجيم الدولار) كما أشرنا. كما لا بد من اتخاذ إجراءات صعبة، منها وقف الدعم عن المحروقات وغيرها، والتخفيف من العمال الأجانب إلى درجة كبيرة الذين يقبضون بالدولار ويحولونه إلى الخارج، ووقف طبع الليرة لإعطاء المودعين بالدولار ودائعهم على 3900 ل.ل للدولار”.

ويضيف، “علينا وقف استيراد السلع والسيارات والتجهيزات أو غيرها الباهظة الكلفة، والاستعاضة عنها بأخرى أقل ثمناً للتخفيف من خروج الدولارات من البلاد، أو وضع ضرائب مرتفعة على من يريد استيرادها شرط أن يؤمِّن Fresh Dollar لذلك. لا أن نواصل سياسة طبع كميات هائلة من الليرة لضخها في السوق والمصارف، ومن ثم تسييل الدولارات الوهمية على سعر 3900 ل.ل، ومن ثم العودة لشراء الدولار من السوق السوداء لاستيراد كماليات يمكن الاستغناء عنها أو استبدالها بأخرى في هذه المرحلة”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل