ولا أهضم (أوقح)!

صحيح أن الهضامة بدأت مع سيطرة جيش النظام السوري على كامل الدولة اللبنانية بعد دخوله الى المناطق المحررة في أوائل تسعينات القرن الماضي جرّاء المفعول العكسي الذي أنتجته حرب التحرير التي كان من المفترض أن تحرر لبنان من المُحتل، لكن هذه الهضامة لم تقف عند تلك الحدود، بل تخطتها بأشواط وأشواط… وصولاً الى يومنا هذا.

ولا أهضم من الانتخابات النيابية التي حصلت عام 1992 بنسبة اقتراع بلغت 13% على كامل مساحة لبنان، فكانت الخطوة الشرعية للمحتل وعملائه للسيطرة الكاملة على المؤسسات الشرعية من خلال مجلس النواب، والأهضم، أن كل المتنطحين الدائمين المدافعين عن لبنان والغيارى على الحرية والعدالة والعيش المشترك والدستور والميثاق… كان صمتهم مُدوي كصمت القبور، منهم عن خوف ومنهم عن مصلحة والأكثرية عن تواطؤ… المهم النتيجة واحدة.

ولا أهضم كان خنق الحريات وحلّ أحزاب وزج قادة في السجون ووقف الأخبار وقبضة حديدية لم يسلم منها أحد… أيضاً وأيضاً صمت القبور، بينما البعض يضحك في سرّه ظنّاً منه أنه على خطى تحقيق أحلامه ومشاريعه!

لن أطول بالسرد لأن اللائحة تحتاج لمئات الصفحات لما اقترفت تلك الأيادي السود بحق لبنان واللبنانيين من سرقات ونهب منظم للدولة وفرض تمديد وعمليات خطف وقتل وتصفية قادة سياسيين وإعلاميين في سلسلة بدأت بمروان حمادة وتوقفت مع اغتيال محمد شطح، منها القليل قبل خروج جيش الاحتلال السوري في الـ2005، والكثير بعد سيطرة عملائه من بعده، مروراً بحرب اللو كنت أعلم واحتلال بيروت وتعطيل وتعطيل وتعطيل وصولاً الى فرض رئيس جمهورية مُعين أو لا أحد، وميليشيا تسرح وتمرح على هواها…

أما اليوم، فلا أهضم من الذي يحصل عندنا. فبغض النظر عن الوضع الزفت الذي يغرق فيه اللبنانيون معيشياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وانفجار دمر الحجر والبشر وحكومة متعثرة و… و… و… يخرج علينا بعض أولئك الذين داسوا على كل أدبيات العيش المشترك، وعلى كل اللياقات تجاه شريك الوطن، الذين أمعنوا في النهش النهم لكل ما وصلت إليه أيديهم، يخصهم أو يخص غيرهم، الذين خططوا مع العدو للسيطرة التامة على كل شيء في لبنان، الذين أفلسوا الدولة وسرقوا مواردها، الذين يعتاشون على التحريض الطائفي والمذهبي، الذين لا يخجلون بالمجاهرة بمشروعهم المذهبي في لبنان، الذين اعترفوا مراراً بتبعيتهم العمياء لدولة مذهبية بنظامها المذهبي، بمعنى آخر أبعد ما يكون عن الدولة المدنية، يهددون ويطالبون اليوم بهضامة فاقعة بقية اللبنانيين، بالدولة المدنية!

 

جماعة مذهبية ليس فيها أي شيء من المدنية تحيا على الصراعات والحروب المذهبية، تملك أجهزة أمنية وعسكرية، لا تُعير أي اهتمام لمؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، فما بالك بالمؤسسات المدنية؟

جماعة لم تهضم قانوناً بسيطاً في مجلس النواب يدين تعنيف المرأة، لا تقبل حتى مناقشة قانون للأحوال الشخصية لكل اللبنانيين، تريد دولة مدنية!

تَغلّب هؤلاء بهضامتهم على هضامة أسيادهم عندما كانوا يُهوّلون على المسيحيين بإلغاء الطائفية السياسة بينما كانوا يُغذون الطائفية ويزرعون بزورها في كل مكان لتهون عليهم السيطرة والتحكم بالجميع.

لا دولة مدنية أو أي دولة أخرى بوجود تنظيمات مسلحة داخل الأراضي اللبنانية. الدولة المدنية تبدأ بتمدن الجميع وحصر الأمن والسلاح بيد الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية اللبنانية فقط لا غير. تبدأ بسن قوانين ضرورية للتَحَول الى دولة مدنية وأولها قانون الأحوال الشخصية المدنية الذي يُلغي الأحوال الشخصية المذهبية المُعتمدة اليوم.

 

مَن يظن أنه تتلمذ على يدّ الطاغية وشبّ على ثقافة الماورائيات، يمكنه أن يفرض ما يريده وما يناسبه على الآخرين، فهو مخطئ جداً ولم يقرأ يوماً بالتاريخ، ونعده بأن مشروعه للبنان لم ولن يتحقق مهما كان الثمن، تماماً كما فشلت كل المشاريع السابقة المماثلة.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل