معراب لبنان

بيار جبور وألان صوان – من كتاب Burden of trust – “المسيرة” – العدد 1709

4 نيسان 2012 الساعة 10:40

جميعاً سمعنا الطلقات، بينما كنت في اجتماع مع فريق المواكبة المنوطة به حماية الدكتور جعجع لمناقشة بعض المهام الجديدة.

بالنسبة لرجل عادي غير مدرب، صوت الطلقات النارية عبارة عن رصاصة تليها رصاصة أخرى. ركضت على الدرج وصعدت الى مكتبي وبدأت بإجراءات الإقفال المعتمدة لمثل هذه الحالات.

رن هاتفي، أخذت سماعة التلفون على عجل، كان الحكيم على الخط. نناديه بالحكيم لأنه درس الطب ولكنه لم يمارس المهنة أبداً. كان بالكاد أكمل دراسته في الطب عندما اندلعت الحرب في العام 1975. مثل غالبية جيلنا، ترك حلمه ودراسته ليدافع عن حرية بلده. قضى معظم حياته محارباً في حزب الكتائب اللبنانية ومن ثم في القوات اللبنانية.

«بيار المنزل يتعرض للنيران»، وهو يصرخ في أذني.

هرعت راكضاً الى منزله وأنا أصدر الأوامر لفريق المواكبة عبر الجهاز للإجتماع.

الحكيم الآن أصبح محميًا والدائرة الأمنية أُغلقت.

إستغرق الأمر حوالى الدقيقة لأعثر عليه ولكنها كانت كأنها ساعة.

صرخت: ماذا تفعل هنا في الخارج؟

أجابني: أمارس تماريني الرياضية اليومية. توقفت لأقطف زهرة لزوجتي.

كان لديه زهرة برية صغيرة وهو يداعبها بين أصابعه.

«هنا… في الخارج وأنت غير محمي»! صوتي لعلع في أذني.

«إنه أول يوم جميل منذ أسابيع. وأنا بحاجة لأكون خارجاً». أجابني وهو يشير الى الرصاصات التي استقرت في منزله.

ثلاث رصاصات إخترقت الباب تباعد فيما بينها حوالي القدمين، سمعنا صوت رصاصتين.

تضمنت تجربتي العسكرية السرية الواسعة مهمات مثل تلك التي اقتربت من عملية إغتيال الحكيم، لذلك علمت أنه كان هناك ثلاثة قناصين.

بمجرد أن اكتشفت نوع السلاح  كنت أكثر ثقة لأن القناصة شتاير عيار 12.7 ملم تستطيع أن تطلق منها طلقة واحدة لإصابة هدف، وأن أفضل القناصين في العالم لا يستطيعون إعادة الإطلاق على الهدف «بعشر الثانية».

بعد استتباب الوضع وعودته تحت السيطرة، بدأت تحقيقاتي الأولية عبر تقنية «الهندسة العكسية» للطلقات النارية.

كان نهاراً مشمساً، لم ير الحرس الخارجي أي ومضات لأطلاق النار. لا أحد رأى حتى انعكاس الشمس على منظار القناص. كان القناصون طبعاً يستعملون دروع الحماية من الأشعة الشمسية.

أحضرنا لاحقاً مجسمًا يجسد الحكيم مصنوعًا من «الفيبر» كالذي نستعمله في التمارين على تقنيات المواكبة، ووضعناه في المكان الذي كان موجوداً فيه عند إطلاق النار.

لقد قسنا زاوية الإختراق والمسافة بين الرصاصات: أقل من قدمين وذلك بواسطة أشعة ليزر، تمكنا من تحديد الموقع التقريبي لكل فريق من القناصين.

أرسلت فريقين من جهاز المواكبة الى مكان إطلاق النار شمالاً ويميناً وبعدها قدت فريق الوسط.

عندما انتهينا، تكمنت من رؤية ما حدث بوضوح كما لو كنت هناك.

في غابات البلوط والصنوبر الكثيفة التي يزيد إرتفاعها عن 3000 قدم المقابلة لمجمّع الدكتور جعجع.

فريق مؤلف من ستة قناصين  – ثلاث رماة مع مراقب لكل قناص، لا يمكن مشاهدتهم وهم يتخفون تحت ستار بذلاتهم التمويهية المعدة لهذه الغاية.

الأسبوع الذي سبق العملية كان الطقس ممطراً ومثلجاً. لكنهم تجاهلوا البرد والرطوبة. كانوا سيطلقون النار وهمهم الوحيد سرعة الرياح واتجاهها ودرجة الرطوبة. بصبر إنتظروا أوامر القتل.

لقد إخترقوا المحيط الأمني بعد الساعة الثالثة فجراً في ظل صمتٍ لاسلكي وتحت جنح الظلام.

بحلول الساعة التاسعة صباحاً حلّت الشمس الساطعة مكان المطر.

العملية مستمرة.

هدفهم على مسافة أكثر من 3100 قدم. كان عليهم إطلاق النار على هدفهم من خلال فجوة طولها سبعة أقدام بين أوراق الشجر والجدران الأمنية المحيطة بالمنزل.

للخبراء الذين كرسوا وقتهم شهوراً للمراقبة والتخطيط والتدريب. كانت طلقة صعبة ولكنها ليست مستحيلة.

كان فريق أخر يقوم بتحديث أجهزة الرصد بالفيديو في الوقت الفعلي عبر طائرة من دون طيار تحلق في صمت ولم يتم إكتشافها فوق التلال على بعد ميلين.

في الساعة العاشرة إلا ثلث صباحاً كسر الصمت اللاسلكي للمرة الأولى: لقد حددت الطائرة من دون طيار الهدف. إنه قادم عبر الباب الخلفي الى الحديقة.

كل مراقب نقل الرسالة الى قناصه المعني: الهدف سيظهر خلال 4 ثوانٍ.

قام الرماة بالزفير بإبطاء ضربات قلبهم ولمس كل واحد بلطف الزناد.

يأتي الأمر من خلال سماعات الأذن.

القناص الأول: لديّ سيطرة، إطلاق النار بأمر مني.

القناص الثاني: جاهز

القناص الثالث: جاهز

القناص الأول: أطلق في 3,2,1, جميع القناصين أطلقوا النيران على وقت الصمت 0.

قنَّاصَيْن تزامنا في إطلاق نيرانهم. الثالث أطلق بفارق عشر الثانية لاحقاً.

الهدف انحنى أرضاً.

إخترقت رصاصات من عيار 12.7 ملم ( الشتاير) النوافذ وإطار الباب على إرتفاع سنتيمترات قليلة فوق رأس الحكيم.

حتى بعد أيام عدة من البحث، لم نتمكن من العثور على أثر واحد للحمض النووي ولا حتى شعرة واحدة. لم نر فضلات الأكل الجاهز أو أكياس. قد يكونون استخدموا أكياسًا مُعدّة للقناصين ونقلوهم معهم لعدم ترك أي شيء يدل عليهم.

يجذب البول الحيوانات ويترك آثاراً، لذلك لن «يميّل» أي قناص محترف جانباً تاركاً الإحتياجات الطبيعية تأخذ مجراها.

حفرنا في جميع أنحاء المنطقة لم نوفق بالعثور على شيء مدفون قد يشكل أثراً للأدلة المادية.

كان هناك شيء واحد واضح: أمننا معرض للخطر.

كيف تم هذا؟

لو كنت القاتل هذا بالضبط ما كنت سأفعله.

إحترمت تفوّقهم حتى عندما كرهتهم لأنهم اقتربوا من النجاح.

أنا بيار جبور مسؤول الأمن الشخصي للدكتور جعجع. لدي العبء وثقته. لقد فشلت محاولة الإغتيال. لكنني فشلت أنا أيضاً.

 

Burden of trust – عبء الثقة

للرفيق بيار جبور وألان صوان. سيصدر في 14 أيلول باللغة الإنكليزية. متوفر حالياً في مكتبة أنطوان ومكتبة Maliks وعبر موقع www.Amazon.com.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل