
استوقف أوساطاً واسعة الاطلاع، مجموعة مفارقاتٍ طبعتْ أول كلام مستفيض لرئيس الجمهورية ميشال عون في الملف الحكومي منذ انطلاقِ رحلةِ التأليف بقوة دفْعٍ فرنسية لم تتّسق سرعتُها مع إيقاعِ لعبة “الشدّ والرخي” التي تضبطها طهران على توقيت المكاسَرة مع واشنطن في ساحات العمق الاستراتيجي، وأبرزها:
* أن عون قام بـ”توزيع المسؤوليات” في ما آل إليه ملف التشكيل بما يشبه التساوي بين طرفيْن:
الأول أديب ومن خلفه رؤساء الحكومة السابقون الذين سمّاهم في معرض تحديد العقد أمام التأليف بكلامه عن “ان الرئيس المكلف لا يريد الأخذ برأي رؤساء الكتل في توزيع الحقائب وتسمية الوزراء ويطرح المداورة الشاملة، ويُسجَّل له أنه يرفض التأليف إن لم يكن ثمة توافق وطني على التشكيلة الحكومية”.
والثاني ثنائي حزب الله – بري ، حيث تصرّ “كتلتاهما على التمسك بوزارة المال وتسمية الوزير وسائر وزراء الطائفة الشيعية الكريمة. ويُسجَّل لهما التمسك بالمبادرة الفرنسية”.
* أن رئيس الجمهورية عَكَس في تَصَوُّره للحلّ المحكومِ بالفشل، تمايُزاً عن الثنائي الشيعي بدا من الصعب فصْله عن العقوبات الأميركية المتدحْرجة على البيئة السياسية الحاضنة لـ «حزب الله» في لبنان كما عن الأبعاد العميقة لتَمسُّك الحزب وبري بوزارة المال واستثنائها من مبدأ المداورة في الحقائب الذي يصرّ عليه أديب وجعْل تكريسها للمكوّن الشيعي مفتاحاً لشراكته «الدائمة» في السلطة التنفيذية عبر التوقيع الثالث.
وعبّر عون عن ذلك بتأكيد أن غالبية الكتل التي استمْزج آراءها بعدما «تفاقمت المشكلة واستعصت» طالبت بالمداورة، مقدّماً «مرافعةً» في هذا الإطار ارتكزت على «أن الدستور لا ينص على تخصيص أي وزارة لأي طائفة أو لأي فريق كما لا يمكن منْح أي وزير سلطة لا ينص عليها الدستور» وأن «جميع الوزراء متساوون كل في شؤون وزارته ومن خلال العضوية في مجلس الوزراء، وليس لأحد أن يفرض سلطته على الآخَر من خارج النصوص الدستورية»، وصولاً الى القول رداً على سؤالٍ حول الأصوات المُطالِبة بفك تفاهم مار مخايل (بينه وبين حزب الله) «هذا الأمر لم يجْر ولكن ذلك لا يمنع أن يُبْدي كل فريق رأيه عندما لا يكون هناك تفاهم حول موضوع ما، وأنا هنا أبدي رأيي المبني على الدستور».
* أن عون صوّب ضمناً على الرئيس السابق للوزراء سعد الحريري من دون أن يُسقِط الجسور في الوقت نفسه مع رؤساء الحكومة السابقين الذين يُتّهَمون بالتدخل في ملف التأليف فـ «صحيح هم يتدخّلون، ولكن من جهة أخرى هم لم يخسروا حقوقهم المدنية وبإمكانهم المساهمة، وكل الأحزاب تفعل ذلك، بعدما كان أخذ على أديب استبعادَه الكتل النيابية عن عملية تأليف الحكومة وهذا لا يجوز، وعلى الحريري دون تسميته فرْض وزراء وحقائب من فريق على الآخَرين، وخصوصاً أنه لا يملك الأكثرية النيابية.
* أنه انطلق من “اننا اليوم أمام أزمة تشكيل حكومة، ومع تصلّب المواقف لا يبدو في الأفق أي حل قريب لأن كل الحلول المطروحة تشكل غالباً ومغلوباً، وطرحْنا حلولاً منطقية ووسطية ولكن لم يتم القبول بها من الفريقين”، ليقترح “إلغاء التوزيع الطائفي للوزارات التي سُميت بالسيادية وعدم تخصيصها لطوائف محدّدة، بل جعْلها متاحة لكل الطوائف فتكون القدرة على الإنجاز هي المعيار في اختيار الوزراء”.
وسارعتْ الأوساط الواسعة الاطلاع إلى اعتبار أن هذا الطرح، الذي أطلقه قبل أيام رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل هو أقْرب إلى “الهروب إلى الأمام” من عدم القدرة على جعْل الثنائي الشيعي يَتراجَع عن التمسك الحاسم والذي لا رجوعَ عنه بحقيبة المال وصولاً إلى المعلومات عن أن حزب الله رَفَض حتى مخْرجاً اقترحه رئيس الجمهورية على رئيس كتله نوابه محمد رعد بأن تكون “المالية” من حصته، وسط إشارةٍ لافتة أطلقها عون بكلامه عن «ان لا الاستقواء على بعضنا سينفع، ولا الاستقواء بالخارج سيُجْدي”.